الجنرال أندرسون: الجزائـــــــر سدّ في وجـــــه التهديـــــــــدات المختلفــــــــة
البَلدان الصديقان يتقاسمـــان مبادئ السّيادة والكرامة والاستقـــــــــلال
جاءت الزيارة الأخيرة لقائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)، الجنرال داغفين أندرسون، إلى الجزائر لتضع العلاقات الجزائرية الأمريكية في مسارها الصحيح، حيث حملت رسائل سياسية وأمنية عميقة تعكس النظرة الأمريكية للجزائر كشريك حقيقي ومحوري في منطقة تتّسم بالتعقيد الأمني.
لقد سجّل الجنرال أندرسون، خلال لقاءاته مع كبار المسؤولين الجزائريين، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، والوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنڤريحة، أنّ واشنطن تنظر بتقدير كبير للدور الذي تلعبه الجزائر كركيزة للاستقرار، ليس فقط في القارة الإفريقية، بل في منطقة حوض المتوسّط بشكل عام، وهو ما يعكس اعترافا صريحا بالقدرات الاحترافية للمؤسّسة العسكرية الجزائرية وخبرتها الميدانية المتراكمة.
في سياق متصل، ركّز تصريح قائد «أفريكوم» على زاوية غير تقليدية في العلاقات بين البلدين، وهي «القيم المشتركة»، حيث ربط بين نضال الشعبين الأمريكي والجزائري من أجل التحرّر من الاستعمار، مؤكّدا أنّ البلدين يتقاسمان مبادئ السّيادة والكرامة والاستقلال، وهي قيم تشكّل القاعدة الصلبة التي يُبنى عليها التعاون الحالي، كما أنّ إشارة أندرسون إلى ضرورة الدفاع عن هذه القيم تعكس إدراكا أمريكيا بأنّ الجزائر دولة تضع سيادتها الوطنية فوق كل اعتبار، وهو ما يجعلها شريكا موثوقا قادرا على اتخاذ قرارات سيادية تخدم الأمن الإقليمي، علاوة على ذلك، يظهر هذا التوجه أنّ التعاون الأمني بين الطرفين لا ينفصل عن الإطار القيمي والسياسي، الذي يحترم خصوصية الدولة الجزائرية وعقيدتها العسكرية القائمة على عدم التدخّل في الشؤون الداخلية مع الحزم في حماية الحدود.
بوحاتم لـ«الشعب»: علاقــــــــــات نتـــاج تراكـــــــــــم تاريخــــــــــــي طويـــــــــــــــــــل
في السياق، أكّد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور بوحاتم مصطفى في تصريح لـ»الشعب» أنّ العلاقة بين الجزائر وأمريكا ليست وليدة اليوم أو مرتبطة بظروف راهنة، فهي نتاج تراكم تاريخي طويل، حيث أشار إلى أنّ جذور التواصل والتعاطف الأمريكي مع القضية الجزائرية بدأت قبل الاستقلال، وذلك من خلال التغطية الصحفية التي قام بها صحفي أمريكي وثّق مجازر 8 ماي 1945، وفضح الجرائم التي ارتكبتها فرنسا، وصولا إلى الموقف الشهير للرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي، حين كان سيناتورا، ودعمه لحق الجزائر في تقرير مصيرها، بالإضافة إلى الدور المحوري والوساطة التاريخية التي قامت بها الدبلوماسية الجزائرية في الثمانينيات لتحرير الرهائن الأمريكيين في إيران، وهي المحطة التي عمّقت الثقة بين المؤسّستين الأمنيتين والسياسيتين في كلا البلدين، وبناء على هذا الإرث، تطوّر التعاون الأمني المستمر منذ أكثر من عقدين في مجال مكافحة الإرهاب، حيث أصبحت الولايات المتحدة تدرك تماما أنّ الجزائر هي القوة الإقليمية الأقدر على مواجهة التحديات الأمنية العابرة للحدود.
ويمتد التحليل ليشمل ملفات الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات، حيث أكّدت المعطيات الميدانية أنّ هذه الظواهر أصبحت المموّل الرئيسي للجماعات الإرهابية في منطقة الساحل، إذ لم يعد الإرهاب مجرّد تنظيمات أيديولوجية، بل تحوّل إلى شبكات إجرامية معقّدة تستهدف استقرار الدول، وفي هذا الإطار – يقول بوحاتم – يبرز التنسيق الجزائري الأمريكي كضرورة لمواجهة هذه التهديدات، خاصة وأنّ الجزائر تمتلك منظومة أمنية متكاملة للتعامل مع الهجرة غير الشرعية وتهريب السلاح، كما أنّ واشنطن تدرك أنّ الجزائر تمتلك «سيادة القرار»، وهي نقطة جوهرية أشار إليها قائد «أفريكوم» بشكل ضمني، إذ إنّ الدول التي تمتلك إرادتها هي الوحيدة القادرة على بناء تعاون وثيق ومستدام، وفي هذا الصدد، تبرز حكمة الدبلوماسية الجزائرية في رسم خطوط واضحة لعلاقاتها الدولية، حيث إنّ تعاونها الاستراتيجي مع روسيا في جوانب معينة، لا يعني بالضرورة قطيعة مع الولايات المتحدة، والعكس صحيح، وهو توازن تفهمه الإدارة الأمريكية وتحترمه، كونه ينبع من قوة الدولة واستقلاليتها.
وشهدت السنوات الأخيرة قفزة نوعية في طبيعة العلاقات بين البلدين العظيمين، مثلما وصفهما قائد «أفريكوم»، بحيث لم تعد مقتصرة على الجوانب الأمنية والعسكرية المحض، بل امتدت لتشمل قطاعات الطاقة والاقتصاد والتكنولوجيا، ويظهر ذلك بوضوح في التوجّه نحو استخدام التكنولوجيا الأمريكية في مشاريع كبرى بالجزائر، مثل مشروع «بلدنا» بالشراكة مع الطرف القطري، والذي تتجاوز استثماراته 3.5 مليار دولار، وهو ما يؤكّد أنّ الشراكة الجزائرية الأمريكية تتّجه نحو تنويع المجالات لتشمل الأمن الغذائي والتطوير التكنولوجي، بحيث يصبح الاستقرار الأمني قاعدة للانطلاق نحو النمو الاقتصادي، كما أوضح الجنرال أندرسون، في نهاية تصريحه، أنّ المقاربة الأمنية يجب أن تكون شاملة، بحيث لا تكفي الحلول العسكرية وحدها، بل يجب أن تقترن بالتنمية والاستثمار لضمان مستقبل الأجيال القادمة.
إنّ هذه المعطيات الناتجة عن هذه الزيارة – يقول بوحاتم – تؤكّد في مجموعها أنّ الجزائر تفرض نفسها اليوم كفاعل أساسي في المعادلة الدولية، ليس بفضل موقعها الجغرافي فقط، إنما بفضل رصيدها التاريخي ومواقفها المبدئية، حيث أصبحت واشنطن ترى في الجزائر الحليف الذي يمكن الاعتماد عليه في مواجهة الأزمات الإقليمية، نظرا لامتلاكها الرؤية والوسائل لتحقيق الاستقرار، وبالنظر إلى التحديات الراهنة، فإنّ استمرار هذا التعاون وتطويره يخدم مصلحة البلدين في خلق بيئة آمنة ومزدهرة في منطقة المتوسط وإفريقيا.

