شاهـــــــــــــــــــــــــــد على مجازر 8 ماي 1945 بسطيـــــــف
ما تزال الراية الوطنية التي رفعها الشهيد سعال بوزيد، يوم الثلاثاء 8 ماي 1945 بمدينة سطيف، للمطالبة باستقلال الجزائر، ترفرف عاليًا محفوظة بمتحف المجاهد، بولاية سطيف، كشاهد حي على واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ الجزائر المعاصر، ورمزًا خالدًا لذاكرة جماعية لم تُطوَى صفحاتها بعد.
تحظى هذه الراية بمكانة خاصة لدى سكان المنطقة، لما تحمله من دلالات عميقة تختزل مأساة إنسانية رهيبة ارتكبها الاستعمار الفرنسي، وراح ضحيّتها نحو 45 ألف شهيد خرجوا في مظاهرات سلمية ينادون بالحرية والاستقلال، في لحظة تاريخية جسّدت وعي الشعب الجزائري بحقوقه وإصراره على نيل حريته. وفي هذا السياق، يؤكّد مدير متحف المجاهد بسطيف، حسين زايد، أنّ هذه الراية لا تزال تستقطب عددًا كبيرًا من الزوّار، باعتبارها شاهدًا حيًا على تلك الأحداث، ومرجعًا تاريخيًا مهمًا للباحثين والمهتمين بتاريخ الثورة الجزائرية، كما تمثل أحد أبرز الرموز التي توثق لمرحلة مفصلية من تاريخ الاستعمار الفرنسي في الجزائر.
مطالبة بالحريّة وقمع إجرامي
تشير الشهادات والوثائق التاريخية، إلى أنّ رفع العلم الوطني، إلى جانب الشعارات المطالبة بالاستقلال، أثار غضب سلطات الاستعمار، التي سارعت إلى قمع المتظاهرين بعنف شديد. فقد حاول محافظ الشرطة الفرنسي انتزاع الراية من يد الشهيد سعال بوزيد، في مشهد يلخّص الصراع بين إرادة شعب أعزل وسلطة استعمارية مسلّحة. وسرعان ما تحوّلت تلك اللحظة إلى شرارة أطلقت حملة قمع واسعة، استمرت لأكثر من شهرين، وشملت عدة مناطق من شرق البلاد. حيث انتشرت قوات الجيش الفرنسي عبر القرى والمداشر، ونفّذت عمليات قتل جماعية وفردية عشوائية، بهدف بثّ الرعب في صفوف الجزائريين. وامتدت المجازر إلى مناطق عديدة، منها الأوريسيا، الخربة، البحيرة، وعين عباسة، حيث أُلقي بالمئات من الضحايا في حفر جماعية، في مشاهد تعكس حجم الفظائع المرتكبة، والتي لا تزال آثارها راسخة في الذاكرة الجماعية.
ذاكرة حيّة بالمتحف
منذ افتتاحه سنة 2008، يضطلع متحف المجاهد بسطيف بدور محوري في حفظ هذه الذاكرة الوطنية، من خلال جمع وتوثيق شهادات حيّة لمجاهدين عايشوا تلك الأحداث. وقد تمكّن من تسجيل ساعات طويلة من الشهادات السمعية والبصرية، التي توثّق تفاصيل دقيقة عن مجريات المجازر.
وتندرج هذه الجهود ضمن مسعى وطني لحفظ الذاكرة، خاصة في ظل رحيل معظم شهود تلك المرحلة، ما يجعل من كل شهادة متبقية وثيقة تاريخية ذات قيمة كبيرة للأجيال القادمة.
ومن بين هذه الشهادات، تبرز روايات مؤلمة لضحايا وناجين، يروون تفاصيل اقتحام القوات الاستعمارية لقراهم، وتجميع الرّجال وإعدامهم، ثمّ حرق المنازل ونهب الممتلكات، في مشاهد تعكس حجم المعاناة التي عاشها الجزائريّون آنذاك.
جهود متواصلة لحفظ الذاكرة
لم تقتصر جهود التوثيق على جمع الشهادات، بل شملت أيضًا إحصاء الشّهداء على مستوى البلديات، وإعداد مشاريع توثيقية، من بينها «موسوعة الشهيد»، إلى جانب تخصيص أجنحة دائمة داخل المتحف تضمّ وثائق وصورًا تاريخية، وإنتاج أشرطة وثائقية وبرامج توعوية موجّهة للأجيال الجديدة.
وفي خضم هذه الجهود، تبقى الراية الوطنية المعروضة بالمتحف أكثر من مجرّد قطعة قماش؛ إنها ذاكرة أمّة، ورمز لتضحيات شعب، ودليل على أنّ مسيرة التحرّر بدأت بإرادة سلمية، لكنها وُوجهت بأبشع أشكال القمع.
وبينما تتجدّد الذكرى كل عام، تظلّ هذه الراية مرفوعة لا تنكس، شاهدة على تاريخ لا يُنسى، ورسالة متجدّدة بأنّ الحرية التي تحقّقت كانت ثمرة تضحيات جسام، وأنّ حفظ الذاكرة مسؤولية جماعية لا تقل أهمية عن صنع التاريخ نفسه.



