تحوّلات النظام الدولي تمنح الجزائر موقعا متقدّما في الحسابات الأوروبية ^ صياغة نموذج متقدّم للتكامل الإقليمي يتجاوز منطق المورد والمستهلك
تبرز الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة، كأحد أهم محرّكات إعادة تشكيل العلاقات في الفضاء المتوسّطي، خاصة في ظلّ الديناميكية الجديدة التي أطلقها الميثاق من أجل المتوسّط، والاهتمام الأوروبي المتزايد بتعزيز التعاون مع شركاء موثوقين في الجنوب، والتحوّلات العميقة التي يشهدها النظام الدولي.
يؤكّد هذا الاهتمام الكبير بالجزائر من قبل الاتحاد الأوروبي، من خلال مؤشّرات تعزّز الشراكة بين الطرفين، كما أبرز المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية في تصريح لـ»الشعب»، بمناسبة زيارة مفوضة الاتحاد الأوروبي للجزائر، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية مع الجزائر كشريك موثوق في تعزيز الأمن الطاقوي الأوروبي.
سجّل الخبير هادف التطوّر اللافت الذي شهدته هذه الشراكة خلال السنوات الأخيرة، حيث لم تعد تقتصر على تزويد أوروبا بالغاز الطبيعي، بعد أن بدأت تأخذ أبعادا أكثر عمقا، ترتبط بأمن الطاقة والانتقال الطاقوي وبناء منظومة تعاون أكثر تكاملا.
وأرجع الخبير هذا التطور إلى الارتياح الذي يبديه الجانب الأوروبي لمستوى الحوار الاستراتيجي، الذي يعكس إدراكا متزايدا لمكانة الجزائر كشريك موثوق قادر على لعب دور محوري في استقرار الإمدادات الطاقوية، خاصة في ظلّ الاضطرابات التي مسّت الأسواق العالمية.
واستند هادف في تحليله إلى المؤشّرات الحديثة التي تؤكّد هذا التوجه، حيث صنّفت الجزائر كثاني أكبر مزوّد للغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر الأنابيب خلال سنة 2023، بحصة تقارب خُمُس الإمدادات، كما واصلت تعزيز موقعها خلال 2024 بصادرات معتبرة، فضلا عن تموقعها كمورّد أول لبعض الأسواق الأوروبية على غرار السوق الإسبانية، ما يعكس عمق الترابط الطاقوي بين الضفتين.
وبحسب هادف، لا يمكن فصل هذا التقارب عن السياق الجيوسياسي الراهن، إذ دفعت التوترات الدولية أوروبا إلى إعادة النظر في أولوياتها الطاقوية والبحث عن بدائل أكثر استقرارا وقربا جغرافيا، وهو ما منح الجزائر موقعا متقدّما في الحسابات الأوروبية.
في السياق، قال هادف إنّ هذا التحول لم يبق في إطار الاعتبارات السياسية فحسب، فقد امتد إلى المجال الجيو-اقتصادي، حيث صارت الاستثمارات الأوروبية في قطاع الطاقة الجزائري تعكس توجّها استراتيجيا، يهدف إلى تأمين الإمدادات والمشاركة في رسم ملامح المرحلة الجديدة من اقتصاد الطاقة.
وقال هادف إنّ الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، تفتح آفاقا واعدة تتجاوز العلاقة التقليدية بين المورّد والمستهلك نحو منطق قائم على خلق القيمة المشتركة، حيث تبرز فرص التعاون في مجالات الطاقات المتجدّدة والهيدروجين الأخضر التي تمتلك الجزائر فيها إمكانات كبيرة، إضافة إلى إمكانية تطوير استثمارات نوعية تسمح بنقل التكنولوجيا وتعزيز النسيج الصناعي المحلي.
ويرى هادف أنّ الانتقال الطاقوي، يشكّل مجالا محوريا للتعاون، بما يتيح للجزائر تنويع مزيجها الطاقوي وتعزيز استدامة نموذجها الاقتصادي، في حين تستفيد أوروبا من شريك قريب وموثوق يدعم أمنها الطاقوي على المدى الطويل، ويعتبر أنّ الديناميكية الحالية للشراكة تفتح المجال أمام توسيعها لتشمل قطاعات استراتيجية أخرى، على غرار القطاع الصناعي والمنجمي، حيث يمكن للطرفين بناء سلاسل قيمة متكاملة تقوم على تثمين الموارد الطبيعية الجزائرية وتحويلها محليا، بما يعزّز الاندماج في الاقتصاد العالمي ويرفع من القدرة التنافسية.
بالنسبة لهادف، فإنّ هذا التوجه يشكّل فرصة حقيقية لاستقطاب استثمارات أوروبية نوعية تساهم في نقل التكنولوجيا وتطوير القدرات الإنتاجية، بعيدا عن الاقتصار على تصدير المواد الأولية في شكلها الخام، مبرزا أهمية القطاع الفلاحي والاقتصاد الرقمي كقطاعات واعدة لتعميق التعاون، موضّحا أنّ هذه الشراكة يمكن أن تدعم تحديث الزراعة الجزائرية، وتعزيز الأمن الغذائي من خلال إدماج التقنيات الحديثة، في حين، يمثل الاقتصاد الرقمي رافعة أساسية لبناء نموذج تنموي جديد قائم على الابتكار والمعرفة.
ويعتقد هادف أنّ توسيع الشراكة نحو هذه المجالات، يقتضي تبنّي مقاربة قائمة على الاستثمارات المستدامة التي تخلق قيمة مضافة محلية، وتضمن نقل المهارات، وتؤسّس لعلاقات اقتصادية أكثر توازنا واستمرارية بين الجانبين.
ويبقى تحقيق هذه الطموحات – بحسب هادف – رهينا بمدى قدرة الطرفين على بناء شراكة متوازنة تقوم على المصالح المتبادلة، بعيدا عن أنماط التعاون غير المتكافئة، مع ضرورة مراعاة خصوصيات الاقتصاد الجزائري وضمان استفادته الفعلية من القيمة المضافة التي تتيحها هذه المشاريع، سواء من حيث خلق فرص العمل أو تطوير القدرات التكنولوجية.
وفي هذا الصدد، قال محدثنا إنّ الرغبة الأوروبية في تعميق التعاون مع الجزائر، تعكس تحوّلا استراتيجيا يتجاوز البعد الطاقوي نحو رؤية أشمل تقوم على بناء شراكة متعدّدة الأبعاد، حيث تمنح المكانة التي تحتلها الجزائر كأحد أبرز مموّني أوروبا بالغاز، فرصة حقيقية لإعادة صياغة قواعد التعاون على أسس أكثر توازنا، من خلال ربط الطاقة بالاستثمار والإدماج الصناعي ونقل التكنولوجيا، مشيرا إلى أنّ هناك إمكانات كبيرة لتوسيع الشراكة نحو قطاعات الصناعة والمناجم والزراعة والاقتصاد الرقمي، بما يسمح ببناء سلاسل قيمة إقليمية متكاملة تعزّز الإنتاج المشترك وتخلق الثروة وتدعم القدرة التنافسية.
ويؤكّد هادف على أنّ هذا المسار يفتح أمام الجزائر آفاق التحول إلى منصة إقليمية للاستثمار والإنتاج تربط بين أوروبا وإفريقيا، مستفيدة من موقعها الجغرافي وإمكاناتها الطبيعية والبشرية، في حين يجد الاتحاد الأوروبي في هذه الشراكة فرصة لتعزيز أمنه الاقتصادي وتنويع شراكاته في محيطه القريب.
ويخلص المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، إلى أنه إذا ما تمّ تأطير هذه الديناميكية ضمن رؤية استراتيجية قائمة على الاستثمارات المستدامة ونقل المعرفة وبناء القدرات، فإنّ الشراكة الجزائرية الأوروبية مرشّحة لأن تتحول إلى نموذج متقدّم للتكامل الإقليمي، يتجاوز منطق التبادل التقليدي نحو شراكة حقيقية في التنمية وصناعة المستقبل.



