من محاسن جائحة الكورونا أنّها عرّفتني بالكاتب اللبناني عفيف قاووق، من خلال مشاركتنا في ندوة اليوم السابع المقدسية، حيث تحوّلت اللقاءات الوجاهيّة للقاءات بُعديّة عبر برنامج التحاضر الافتراضي “زووم”.
تناول الناقد قاووق العديد من الإصدارات الأدبية الفلسطينيّة، على ألوانها المتعدّدة، من الرواية والقصّة، ولم يبحث عن “نجوميّة” صاحب النص، وكذلك كتابات الأسرى، أو ما يطيب لنا تسميته “أدب الحريّة”، من منهم من كان في الأسر حين تناول كتاباته وتحرّر في صفقة الطوفان، ومن منهم ما زال يقبع خلف القضبان آملين له حريّة قريبة، وكثيرا ما قرأ عن صدور كتاب واتصل بي لتزويده بنسخة الكترونيّة ليقرأه ويكتب عنه ممّا أثلج صدر صاحب الكتاب.
لم تعد كتابات الأسرى تتناول الاعتقال والتعذيب فحسب، بل تخطّت الأسلاك وجدران السجن، لتتناول كل المواضيع والأجناس، فجاء قاووق مؤكدا أهميّتها شكلا ومضمونا رغم الحواجز.
من خلال تواصلي مع الأسرى الكتّاب، ومن وحي لقاءاتي بهم، ناشدت الأدباء والنقّاد في العالم العربي الاهتمام بأدب الأسرى، قراءته وتناوله والكتابة حوله دون محاباة وتحيّز، فمستواه رفيع، ويجب تسليط الضوء عليه رغم عتمة الزنازين لنعيش الحريّة معا.
تناول قاووق كتابات الأسرى وأوجه المقاومة فيها ودورها في حفظ الذاكرة الجماعيّة، والهمّ الوطني الفلسطيني، ووجدها تمثل مشهدا من مشاهد القضية الوطنية، وركنا أساسيا من أركان المقاومة وثقافة التصدي لمحاولات طمس الهوية الفلسطينية، ووجدها صوتا بالغ الاحتجاج ضد القمع والباحث بلهفة عن الحرية والعدالة والمساواة، صوتا يجسد الظلم ويصدح بالحرية.
وكذلك الأمر بالنسبة لإصدارات كتّاب فلسطينيين تناولتها ندوة اليوم السابع المقدسيّة، قرأها وكتب عنها وشارك في الندوة حولها مما أثرى الندوة ومنحها بعدا عربيا وشكّل قيمة مضافة.
لم يحابِ قاووق أولئك الكتّاب الذين تناولهم، بل استعان بمشرطه النقديّ متناولا الشروط الفنيّة والإبداعية من حبكة أو تقنية الاسترجاع وغيرها من التقنيات، إضافة لتنوع أساليب السرد والشخصيات المترابطة والموضوعات المثارة؛ وتناول الأدب السياسي، أدب الرسائل، أدب القصة والسيرة.
ولج قاووق إلى الإرباكات والطروحات الفكرية والسياسية المثيرة للجدل، وتناول سؤال اللجوء والنكبة والحلول المقترحة أو المتخيّلة لحل معضلة الشعب الفلسطيني، وذهب أبعد من ذلك إلى حد طرح تساؤل حول إمكانية أو قابلية التعايش المشترك بين الشعبين أو بين العرب واليهود.
وها هو يجمعها في كتاب مهم يهتم بالأدب الفلسطيني.
التقيت بعفيف قاووق في عمان بمؤتمر أدب الحريّة الأوّل، الذي نظّمته رابطة الكتاب الأردنيين تزامنا مع يوم الأسير الفلسطيني لعام 2025، وكانت له مشاركة فعّالة تحت عنوان “دراسات في الأعمال الإبداعية للأسرى”، وتناول فيها أدب أصدقائي الأسرى وليد دقة، وليد الهودلي، رائد الشافعي، كميل أبو حنيش، هيثم جابر، حسام شاهين وغيرهم وراقت لي مقولته السرمديّة “إننا نرى أن أدب الحرية يولد من قمع السجّان”.
مقدّمة كتاب “نافذة على الرّواية الفلسطينية وأدب الأسرى” من منشورات دار ناريمان للنشر والطباعة والتوزيع في بيروت / لبنان، 2025.




