خيـار استراتيجـي لمواكبـة التحــوّل الرّقمي ودعــم الاقتصـــاد
شكّل انطلاق عملية فتح رأسمال شركة «أيراد» عبر بورصة الجزائر محطة اقتصادية مهمة تعكس التقاطع بين السوق المالية والتحول الرقمي في الجزائر، وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة باعتبارها أول دخول لشركة جزائرية متخصصة في الحوسبة السحابية السيادية إلى البورصة، بما يعزّز دور السوق المالية في تمويل المؤسسات ومرافقة مشاريع النمو، ويبرز في الوقت نفسه أهمية السيادة الرقمية كخيار استراتيجي لمواكبة التحول الرقمي ودعم الاقتصاد الوطني.
أكّدت المديرة العامة لبورصة الجزائر، أمال سلمون، أن الإعلان الرسمي عن انطلاق عملية رفع رأس مال شركة «أيراد» التي انطلقت اليوم، يمثل محطة مهمة في مسار تطوير السوق المالية الجزائرية، وتعزيز دورها في تمويل الاقتصاد الوطني، وقالت إن هذه العملية تحمل رمزية اقتصادية مهمة، باعتبار «أيراد» أول شركة جزائرية متخصصة في مجال التكنولوجيا الحديثة والرقمنة تتوجه إلى سوق الأوراق المالية لتمويل نموها وتوسيع مشاريعها.
وأضافت سلمون في مداخلة لها، أن هذه الخطوة تعكس التحولات التي يشهدها الاقتصاد الوطني، الذي أصبح يمنح أهمية متزايدة لاقتصاد المعرفة والابتكار والتحول الرقمي باعتبارها ركائز أساسية لبناء اقتصاد حديث ومتنوع وتنافسي.
وأوضحت أنّ السلطات بالتنسيق مع مختلف الهيئات المعنية بالسوق المالية، عملت خلال السنوات الأخيرة على إطلاق جملة من الإصلاحات والتسهيلات بهدف تشجيع المؤسسات الجزائرية، خاصة المؤسسات الناشئة والصغيرة والمتوسطة، على اللجوء إلى البورصة كمصدر تمويل، وأشارت في هذا السياق إلى تبسيط إجراءات الإدراج ورفع رأس المال، وتوفير تحفيزات ومزايا ضريبية لفائدة الشركات المدرجة، إلى جانب مرافقتها تقنيا وتنظيميا خلال مختلف مراحل العملية.
كما أضافت أنّ سنة 2026 شهدت اعتماد إعفاء استثنائي لفائدة المؤسسات الناشئة يمتد إلى غاية 2028، ويشمل الإعفاء الكامل من رسوم الإدراج عند اللجوء إلى التمويل عبر قسم النمو، في خطوة تهدف إلى تشجيع هذه المؤسسات على دخول السوق المالية.
وقالت المديرة العامة لبورصة الجزائر في الختام، إنّ نجاح هذه العملية من شأنه فتح آفاق جديدة أمام المؤسسات الجزائرية للاستفادة من مزايا البورصة، سواء من حيث تعبئة الموارد المالية أو تعزيز الحوكمة والشفافية والتنافسية، مؤكدة التزام بورصة الجزائر بمواصلة العمل من أجل تطوير سوق مالية عصرية وفعالة في خدمة الاقتصاد الوطني.
محطّــة اقتصاديــــة للسّـــوق الماليـــة
بدوره قال رئيس لجنة تنظيم عمليات البورصة ومراقبتها، يوسف بوزنادة، أن الإطلاق الرسمي لعملية الاكتتاب في أسهم شركة «أيراد» التي انطلقت اليوم، يمثل محطة اقتصادية مهمة للسوق المالية الجزائرية، وذلك بعد حصول الشركة على تأشيرة اللجنة بتاريخ 15 أفريل 2026 في إطار عملية زيادة رأس المال عبر اللجوء العلني إلى الادخار.
وأكّد بوزنادة أنّ اللجنة تتطلع إلى نجاح هذه العملية بما يسمح بإدراج أسهم الشركة في بورصة الجزائر، لتصبح بذلك تاسع شركة يتم تداول أسهمها في السوق المنظمة، مشيرا إلى أن هذه الخطوة تعكس الديناميكية التي تشهدها البورصة الجزائرية خلال السنوات الأخيرة.
وقال إنّ العملية التي تبلغ قيمتها 500 مليون دينار جزائري من خلال إصدار 150 ألف سهم جديد، تعد خطوة نوعية في مسار تطوير الشركة وتعزيز قدراتها التمويلية، كما تعكس ثقة المؤسسات الاقتصادية الوطنية في السوق المالية كآلية فعالة لتمويل النمو والاستثمار.
وأضاف أنّ اللجوء إلى البورصة لا يقتصر فقط على البحث عن التمويل، بل يعد خيارا استراتيجيا يعزّز الشفافية والحوكمة والإفصاح داخل المؤسسة، ويرفع من مستوى ثقة المستثمرين والمتعاملين معها، ويفتح أمامها آفاقا أوسع للنمو والتوسع وعقد شراكات جديدة.
كما أكّد أنّ هذا الاكتتاب يأتي في وقت تعرف فيه عدة أسواق مالية عالمية تراجعا في نشاط الطروحات والإدراجات، مقابل تسجيل السوق المالية الوطنية ديناميكية إيجابية، وتزايدا في اهتمام المؤسسات الجزائرية بخيارات التمويل عبر البورصة.
وأشار في ذات السياق، إلى أنّ السوق المالية الجزائرية لا تزال تمتلك إمكانات نمو كبيرة، خاصة في ظل وجود عدد معتبر من المؤسسات المؤهلة للاستفادة من التمويل عبر البورصة، منوها في السياق ذاته بالإصلاحات التي باشرتها السلطات لتحسين مناخ الأعمال وتبسيط إجراءات الاستثمار.
وصرّح أنّ لجنة تنظيم عمليات البورصة ومراقبتها تواصل جهودها لتعزيز جاذبية السوق المالية من خلال سلسلة من الإجراءات، من بينها إطلاق الشباك الموحد للسوق المالية لمرافقة المؤسسات الراغبة في دخول البورصة، وإعفاء المؤسسات الناشئة من رسوم الإدراج، إلى جانب تطوير الخدمات الرقمية عبر منصة إلكترونية خاصة بأوامر البورصة بالتعامل مع الوسطاء المعتمدين.
وأضاف أنّ اللجنة تتوقّع خلال الشهر نفسه إدراج شركة اقتصادية أخرى منبثقة عن الفروع الاقتصادية التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وهو ما سيرفع عدد الشركات المدرجة في بورصة الجزائر إلى عشر شركات لأول مرة في تاريخها.
04 ملفــــــات قيـــد التحضــــير والدراســة
وكشف أيضا أن ملفات أربع شركات أخرى توجد حاليا في مراحل متقدمة من التحضير من أجل الولوج إلى البورصة، وهو ما يعكس – حسبه – الاهتمام المتزايد بالسوق المالية كخيار تمويلي واستثماري لدى المؤسسات الوطنية.وفي السياق ذاته، أكّد بوزنادة أنّ جاذبية السوق المالية لا تقاس فقط بقدرتها على تمويل المؤسسات، بل أيضا بما توفره من فرص استثمارية للمواطنين والمدخرين، لافتا إلى أن عددا من الشركات المدرجة حققت خلال السنوات الأخيرة مستويات معتبرة من المردودية لفائدة مساهميها عبر توزيع منتظم للأرباح.
منعطــف مهـم فـــي مســار المؤسّســــة
من جانبه، قال مؤسّس ومدير عام ورئيس مجلس «أيراد « بالمناسبة، إن إدراج الشركة في بورصة الجزائر يمثّل منعطفا مهما في مسار المؤسسة وفي تاريخ السوق المالية الجزائرية، باعتبارها أول شركة تكنولوجية جزائرية وأول مشغل للحوسبة السحابية السيادية يفتح رأسماله أمام المستثمرين عبر البورصة، واعتبر أن هذه الخطوة تعكس نضج الشركة وتؤكّد تنامي الثقة في السوق المالية الجزائرية.
كما شدّد المتحدث على أن السيادة الرقمية أصبحت اليوم رهانا وطنيا، في ظل التزايد المستمر لحجم البيانات التي تنتجها الجزائر يوميا، سواء تعلق الأمر بالمعاملات البنكية أو الاتصالات أو الخدمات الإدارية الرقمية أو التطبيقات الصناعية والصحية والطاقوية، وأوضح أنّ تخزين هذه البيانات ومعالجتها وحمايتها داخل التراب الوطني لم يعد مجرد خيار تقني، بل أصبح شرطا أساسيا للتنمية والأمن الوطني.
وأبرز في ذات السياق، أنّ الجزائر مقبلة على نمو كبير في سوق الخدمات الرقمية، مع توقع تضاعف هذا السوق ثلاث مرات بحلول سنة 2030، مؤكدا أن هذا التحول الرقمي يتطلب بنى تحتية وطنية قوية وآمنة قادرة على مواكبة الطلب المتزايد.
وفي هذا الإطار، أوضح أن شركة «أيراد» تعمل منذ سنة 2009 من الجزائر وبكفاءات جزائرية على بناء هذه المنظومة، عبر ثلاثة محاور رئيسية تتمثل في الحوسبة السحابية السيادية، وإنجاز وتشغيل مراكز البيانات، إلى جانب الأمن السيبراني السيادي، وأشار إلى أن الشركة تمتلك حاليا مركزي بيانات عاملين في الجزائر العاصمة ووهران، وتشرف عليهما فرقها التقنية بشكل كامل.
وكشف رئيس الشركة، أنّ أكثر من عشرة آلاف زبون من المؤسسات والإدارات الجزائرية يعتمدون اليوم على خدمات «أيراد»، في قطاعات تشمل البنوك والاتصالات والإدارة العمومية والطاقة والصناعة والصحة، ما يعكس مكانة الشركة داخل السوق الوطنية وثقة مختلف الفاعلين في خدماتها.
وصرّح المتحدث أنّ دخول الشركة إلى البورصة يهدف إلى تسريع وتيرة الاستثمار والتوسع، من خلال إنشاء مزيد من مراكز البيانات، وتطوير خدمات الحوسبة السحابية، وتكوين المزيد من الكفاءات الجزائرية المتخصصة في هذه المجالات، معتبرا أن الهدف النهائي هو جعل السيادة الرقمية مشروعا وطنيا مشتركا يشارك فيه الجميع.
وأكّد مسؤول الشركة ختاما، أنّ هذا الإدراج يمثل ثمرة مسار امتد لنحو عشرين سنة، بفضل جهود فريقها ومرافقة شركائها وثقة المؤسسات الجزائرية منذ 2009، معتبرة أن هذه الخطوة تفتح مرحلة جديدة في مسار تعزيز السيادة الرقمية الوطنية.





