التجــارب الاقتصاديــة العالمية الناجحة مـــرّت عـــبر بوابـــة البنيــة التحتيــة
الخـــط المنجمــي الشّرقـــي نمــوذج للاقتصــاد القائــم علــى القيـمة المضافـــــة
شكّل اجتماع مجلس الوزراء الأخير الذي ترأّسه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، محطة أخرى في مسار ترسيخ الرؤية الاقتصادية للبلاد، من خلال التأكيد على الدور الاستراتيجي لقطاع الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية في دعم التحول الاقتصادي، خاصة مع انتقال الجزائر إلى مرحلة جديدة، صارت فيها البنية التحتية أداة مركزية لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني.
أكّد المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، عبد الرحمن هادف، أنّ الإشادة التي خصّ بها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، عمال وإطارات قطاع الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية، وعلى رأسهم الوزير، وكذا الشّركاء المنفّذين للمشاريع الكبرى، حملت رسالة استراتيجية واضحة مفادها أن البنية التحتية أصبحت في صميم مشروع الجزائر الجديدة الاقتصادي، وأحد أهم أدواتها لترسيخ السيادة الاقتصادية.
وأوضح الخبير الدولي في تصريح لـ «الشعب»، أنّ الاهتمام الرئاسي المتواصل بمشاريع السكك الحديدية والطرق والمنشآت اللوجستية يعكس قناعة راسخة بأن معركة التنمية في القرن الحادي والعشرين، لم تعد تحسم بوفرة الموارد الطبيعية أو الإمكانات المالية، وإنما بقدرة الدول على بناء منظومات متكاملة للنقل واللوجستيك والربط الاقتصادي، وتحويل الموارد إلى ثروة، والاستثمارات إلى قيمة مضافة، والموقع الجغرافي إلى نفوذ اقتصادي.
وفي هذا الإطار، أبرز هادف التقدم المسجل في المشاريع الهيكلية الكبرى، وعلى رأسها الخط المنجمي الشرقي الرابط بين مناجم جبل العنق وبلاد الحدبة وميناء عنابة، باعتباره نموذجا عمليا للرؤية الجديدة التي تعتمدها الجزائر، والتي تقوم على جعل البنية التحتية أداة لإنتاج الثروة وليست مجرد وسيلة للتنقل.
وأشار الخبير إلى أنّ التجارب الاقتصادية العالمية تؤكّد أنّ جميع القوى الاقتصادية الكبرى مرت عبر بوابة البنية التحتية، مذكّرا بأن الصين التي أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم، استثمرت لعقود في شبكات النقل والسكك الحديدية والموانئ العملاقة، كما أن نجاحات كوريا الجنوبية وتركيا ودول أخرى ارتبطت ارتباطا مباشرا بقدرتها على بناء بنى تحتية متطورة حولتها إلى منصات إنتاج وتجارة واستثمار عالمية.
ومن هذا المنطلق، شدّد الخبير على أنّ ما تشهده الجزائر اليوم من استثمارات ضخمة في السكك الحديدية والطرق والموانئ والمنشآت اللوجستية يمثّل استثمارا مباشرا في النمو الاقتصادي المستقبلي، وفي بناء اقتصاد أكثر تنوعا وقدرة على الصمود أمام التقلبات الخارجية.
السّكك الحديدية.. رافعة الاقتصاد الإنتاجي
وسجّل هادف أنه إذا كانت الطرق السريعة قد ساهمت خلال العقدين الماضيين في تعزيز الربط الوطني، فإنّ المرحلة الجديدة من التنمية الاقتصادية الجزائرية تجعل من السكك الحديدية أولوية استراتيجية بامتياز، مفسّرا ذلك بأنّ السكك الحديدية تعد عالميا الوسيلة الأكثر كفاءة لنقل المواد الأولية والمنتجات الصناعية بكميات كبيرة وتكاليف منخفضة، وهو ما يوضّح الرهان الكبير الذي تضعه الدولة على هذا القطاع.
وفي هذا الصّدد، شدّد محدّثنا على أن الخط المنجمي الشرقي يكتسي أهمية استثنائية؛ لأنّه يتجاوز مفهوم النقل التقليدي ليصبح أداة لتثمين الثروات الوطنية، حيث سيربط مناجم الحديد والفوسفات بمراكز التحويل الصناعي والموانئ التصديرية، بما يسمح بإنشاء منظومات صناعية متكاملة تشمل صناعة الحديد والصلب والأسمدة والصناعات الكيميائية.
ولفت هادف إلى أنّ القيمة الحقيقية لهذا المشروع تكمن في الانتقال من تصدير المواد الخام إلى تصدير المنتجات ذات القيمة المضافة، وهو جوهر التحول الاقتصادي المنشود، وقال إنّ «الجزائر تشهد اليوم تحولا نوعيا في إدراك وظيفة البنية التحتية، حيث صارت تنظر إليها كأداة مباشرة لترسيخ السيادة الاقتصادية. ففي ظل التحولات الجيو-اقتصادية العالمية، أصبحت الدول التي تمتلك شبكات نقل ولوجستيك فعالة أكثر قدرة على التحكم في تدفقات التجارة، واستقطاب الاستثمار، وتعزيز أمنها الاقتصادي».
ومن هذا المنظور، يقول هادف إنّ مشاريع الأشغال العمومية تشكّل ركيزة أساسية لدعم السياسات الوطنية في مجالات الصناعة، المناجم، الفلاحة، الطاقة، والسياحة، مؤكّدا أنّ المستثمر اليوم يبحث عن بيئة متكاملة تضمن له الكفاءة اللوجستية وسهولة النفاذ إلى الأسواق.
إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية
وفي هذا الإطار، اعتبر محدّثنا أنّ الانتقال نحو منطق الممرات الاقتصادية يمثّل أحد أهم التحولات في السياسة التنموية الجزائرية، حيث صارت المشاريع محاور تنموية تربط بين مناطق الإنتاج والتحويل والتخزين والتصدير بما يسمح بخلق سلاسل قيمة متكاملة.
وجدّد هادف التأكيد على أنّ الخط المنجمي الشرقي يعد نموذجا لممر اقتصادي متكامل، يربط بين الموارد الطبيعية والصناعة والموانئ، ويؤسس لظهور أقطاب صناعية جديدة، مبرزا أن مشاريع الربط بين الشمال والجنوب تندرج ضمن الرؤية نفسها، بما يسمح بإدماج الأقاليم الداخلية والجنوبية في الدورة الاقتصادية الوطنية.
وحول أبعاد هذه الرؤية، أكّد هادف أنّ هذه المشاريع تساهم في تقليص الفوارق الجهوية وتعزيز العدالة التنموية، من خلال فتح مناطق جديدة للاستثمار والإنتاج وربطها بالبنية الاقتصادية الوطنية، وبذلك تتحول البنية التحتية إلى أداة لإعادة التوازن الجغرافي والاقتصادي.
الجزائر في قلب الممرّات الإقليمية
من جهة أخرى، أشار هادف إلى أنّ الموقع الجغرافي الاستراتيجي للجزائر يلعب دورا محوريا كجسر بين أوروبا وإفريقيا، وهو ما تعززه مشاريع السكك الحديدية والموانئ والطرق الكبرى، لافتا إلى تطور منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، ما يجعل الجزائر محورا لوجيستيا وتصديريا قادرا على ربط الأسواق الإفريقية بالمتوسطية.
وفي السياق ذاته، أكّد محدّثنا أنّ مشاريع الأشغال العمومية تساهم في خلق آلاف مناصب الشغل، وتنشيط الصناعات الوطنية، وتحسين إنتاجية الاقتصاد من خلال تقليص التكاليف اللوجستية، كما تخلق ديناميكية اقتصادية ممتدة تشمل مواد البناء والنقل والخدمات، ما يعزز النمو على المدى القصير والمتوسط، وأشار إلى أنّ التوجيهات الرئاسية الأخيرة تكشف أن الجزائر انتقلت من منطق إنجاز المشاريع إلى منطق هندسة التحول الاقتصادي، حيث أن البنية التحتية أصبحت أداة استراتيجية لبناء السيادة الاقتصادية، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز التنافسية، وترسيخ موقع الجزائر كقوة اقتصادية صاعدة في محيطها الإقليمي والقاري.
وخلص هادف إلى التأكيد على أنّ ما يجري إنجازه اليوم من سكك حديدية وطرق وموانئ وممرات اقتصادية يشكّل الأساس الفعلي لاقتصاد الجزائر الجديدة التي تبنى على الكفاءة والربط والقيمة المضافة.



