استقلالية القرار السياسي وسيادته..وتوسيع للشراكات الاقتصادية والأمنية
شريـــك مــوثــوق فـــي منطقــة تشهــد تحــولات متسارعــة
ثــروات طاقويــــة ومعدنيـة وقاعـدة بشريــة شابـة ومتعلمــــة
مشاريع كبرى ترسّخ تعزيز الأمن الغذائــي وتقليـــص فاتـــورة الاستـــيراد
الحقيبة الطاقويــة لم تعــد تقتصر علــى النفط والغـــــاز الطبيعـي فقط
قدّم مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي (CSIS)، في تقرير صدر خلال شهر جوان الجاري بعنوان «التحديث الاقتصادي والتموقع الاستراتيجي للجزائر»، قراءة معمقة للتحولات التي تشهدها الجزائر خلال السنوات الأخيرة.
تكمن أهمية التقرير في كونه صادرا عن مركز بحثي مؤثر في واشنطن، معروف بمتابعته للملفات الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية، ما يضفي على قراءته للواقع الجزائري وزنا خاصا ويمنحها قدرا من الموضوعية والحياد. كما أن التقرير يتجاوز وصف الوضع الراهن، حيث يربطه بمسار أوسع يتعلق بمكانة الجزائر ودورها في محيطها الإقليمي والدولي.
وأشار التقرير إلى أن الجزائر تمتلك عناصر قوة حقيقية، تتجسد في موقعها الجغرافي الاستراتيجي الرابط بين البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا ومنطقة الساحل، فضلا عن ثرواتها الطاقوية والمعدنية، وقاعدتها البشرية الشابة والمتعلمة. كما توقف عند الأهمية المتزايدة للجزائر بالنسبة لأوروبا عقب أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا، حيث أصبحت من أبرز موردي الغاز الطبيعي للاتحاد الأوروبي، وهو ما عزز مكانتها ضمن معادلة أمن الطاقة وأعاد إبراز دورها كشريك موثوق في منطقة تشهد تحولات متسارعة.
ولا يمكن فصل هذه القراءة عن المؤشرات الاقتصادية المسجلة خلال الفترة الأخيرة، إذ قدمت عدة مؤسسات دولية وإقليمية توقعات إيجابية بشأن أداء الاقتصاد الجزائري، من بينها البنك الإفريقي للتنمية الذي رجح تحقيق نمو يتجاوز 4 بالمائة خلال السنة الجارية، بما يعكس تحسن الأداء الاقتصادي، خاصة في القطاعات خارج المحروقات. ويرتبط هذا المسار أيضا بإصلاحات داخلية بدأت تؤتي ثمارها تدريجيا في مجالات الاستثمار، وتبسيط الإجراءات، وإعادة تنظيم بعض القطاعات التي عانت لسنوات من أعباء إدارية وبيروقراطية.
اقتصاد يتجه نحو التنويع
ومن أبرز ما سجله التقرير أنه يضع الجزائر ضمن مسار أوسع لتنويع مصادر النمو. فالحقيبة الطاقوية الجزائرية لم تعد تقتصر على النفط والغاز الطبيعي، وإنما تشمل الغاز المنقول عبر الأنابيب، والغاز الطبيعي المسال، وغاز البترول المميع، إلى جانب استثمارات معتبرة لتطوير الحقول
الحالية وفتح آفاق جديدة للاستكشاف. كما أن الحديث عن الغاز الصخري، الذي تمتلك الجزائر أحد أكبر احتياطاته في العالم، يعكس توجها نحو توسيع الخيارات الطاقوية مستقبلا، مع الحفاظ على مبدأ السيادة في تسيير الموارد الوطنية.
وفي السياق ذاته، يبرز قطاع التعدين كأحد أهم محاور التحول الاقتصادي. فالجزائر تتجه نحو تطوير مشاريع صناعية تسمح بتحويل هذه الموارد أو نصف تحويلها قبل تصديرها، بما يرفع القيمة المضافة ويوفر فرص عمل جديدة. وتعد مشاريع غار جبيلات بتندوف، والفوسفات في الشرق، والزنك والرصاص بوادي أميزور، نماذج بارزة لهذا التوجه. كما أن هذه المشاريع أصبحت مرتبطة بشبكات النقل والسكك الحديدية والموانئ والمناطق الصناعية، ما يمنحها بعدا تنمويا واقتصاديا أكثر تكاملا.
وتوقف التقرير كذلك عند قطاعات أخرى مرشحة لتكون محركات نمو حقيقية، على غرار الفلاحة، والصناعات الصيدلانية، والطاقات المتجددة، والتكنولوجيا، ومراكز البيانات. ففي المجال الفلاحي، تعكس المشاريع الكبرى الجاري تنفيذها توجها نحو تعزيز الأمن الغذائي وتقليص فاتورة الاستيراد، خاصة بالنسبة للمواد واسعة الاستهلاك. أما الصناعات الصيدلانية، فقد راكمت الجزائر فيها خبرة معتبرة خلال السنوات الأخيرة، ما يؤهل هذا القطاع للتحول إلى مصدر للتصدير إذا ما تم دعمه بالبحث والتطوير وتعزيز الشراكات النوعية.
كما أشار التقرير إلى قطاع السياحة باعتباره أحد المجالات التي لا تزال دون مستوى الإمكانات المتاحة، رغم ما تزخر به الجزائر من مؤهلات طبيعية وثقافية وتاريخية. فالساحل والصحراء والمواقع الأثرية والمدن الداخلية تمثل جميعها مقومات قادرة على جعل الجزائر وجهة سياحية متميزة، غير أن تحقيق ذلك يتطلب تطوير النقل الجوي، وتحسين الخدمات، وتوسيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، وتعزيز الترويج للوجهة الجزائرية في الخارج. وتبرز أهمية هذا القطاع في قدرته على استقطاب العملة الصعبة وخلق فرص عمل واسعة للشباب في مجالات الخدمات والنقل والفندقة والصناعات التقليدية.
فرص واعدة وتحديات قائمة
في المقابل، لم يغفل التقرير التحديات التي لا تزال مطروحة، حيث شدد على ضرورة مواصلة جهود الرقمنة للحد من العراقيل البيروقراطية، وتطوير منظومة التمويل والسوق المالية، وتعزيز مرافقة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ودعمها.
وتزداد أهمية التقرير من خلال ربطه بين الأداء الاقتصادي والتموقع الاستراتيجي للجزائر. فبحسب التقرير، تحافظ الجزائر على استقلالية قرارها السياسي وسيادته، وفي الوقت نفسه تعمل على توسيع شراكاتها الاقتصادية والأمنية مع مختلف الفاعلين الدوليين، من الولايات المتحدة وأوروبا إلى الصين وروسيا ودول الخليج وإفريقيا. ويمنح هذا التوازن الجزائر هامشا أوسع للحركة في بيئة دولية معقدة، بالنظر إلى موقعها الجيوسياسي الحساس بين المتوسط والساحل وشمال إفريقيا.
وبصفة عامة، يقدم تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية صورة إيجابية، لكنها واقعية ومتوازنة، حول التحولات التي تشهدها الجزائر خلال السنوات الأخيرة بقيادة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون. ويؤكد التقرير أن البلاد تمتلك مقومات قوية تؤهلها لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، شريطة مواصلة الإصلاحات الاقتصادية وربط الثروات الطبيعية بمشاريع إنتاجية وصناعية ذات قيمة مضافة. كما يشير إلى أن التحديات القائمة، مهما بلغت أهميتها، تبقى قابلة للتجاوز في ظل استمرار جهود التنمية والإصلاح، بما يعزز مكانة الجزائر كقوة إقليمية فاعلة ومسؤولة في محيطها.




