المكننة ركيـــزة أساسيـة في مسـار تحديــث القطاع الفلاحـي
تشهد ولاية وهران تعبئة مكثفة لإنجاح موسم الحصاد، في إطار خطة وطنية شاملة، تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي باعتباره أولوية استراتيجية وركيزة أساسية لترسيخ السيادة الوطنية، وضمان الاستقرار الاقتصادي على المدى البعيد.
تأتي الجهود انسجاما مع التوجهات العليا، الرامية إلى تطوير القطاع الفلاحي وتحديث آلياته، إدراكا لأهميته في تحقيق النمو المستدام وتوفير التوازن الغذائي، بما يعزز مكانته كأحد الأعمدة الرئيسة للاقتصاد الوطني.
وخلال اجتماع مجلس الوزراء الأخير، شدّد السيد رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، على ضرورة التحضير الجيد لموسم الحصاد عبر توفير العتاد العصري، وضمان جاهزية المخازن والمستودعات وكافة الوسائل اللوجستية.
كما أبرز وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، ياسين وليد، خلال زيارته الأخيرة إلى سيدي بلعباس، أهمية تزويد الحاصدات بأجهزة متطورة لرصد فقدان الحبوب، بما يساهم في تقليص ضياع الإنتاج وتحسين المردودية.
الشعير يتصدّر المساحات المزروعة
وتبدو المؤشّرات هذا الموسم واعدة في عاصمة الغرب الجزائري، حيث تجاوزت كمية الأمطار 253 ملم مقارنة بـ 164 ملم العام الماضي، وهو ما اعتبره خبراء الفلاحة دليلا إيجابيا يعزّز التفاؤل بحصاد وفير بعد سنوات من الجفاف.
في هذا السياق، أوضحت فريدة بلاش، التقنية السامية المكلفة بملف الحبوب على مستوى مديرية المصالح الفلاحية، أن “المساحة المزروعة خلال الموسم الفلاحي 2025-2026 بلغت 24,318 هكتارا، منها 4,494 هكتار مخصصة للقمح الصلب، و1,115 هكتار للقمح اللين، إضافة إلى 18,050 هكتارا من الشعير الذي يتماشى مع الخصائص المناخية للولاية، بينما خصصت مساحة قدرها 653.59 هكتار لزراعة الخرطال”.
كما كشفت بلاش في تصريح لـ “الشعب”، أن “الديوان الوطني المهني للحبوب والبقول الجافة، سخّر إمكانيات معتبرة لإنجاح الحملة الفلاحية، حيث تم تسويق ما يقارب 19,770 قنطارا من البذور إلى جانب كميات هامة من الأسمدة لفائدة المنتجين”.
دعم غير مسبوق بالمكننة
وأشارت إلى أن “قطاع المكننة الفلاحية عرف دعما غير مسبوق خلال السنة الماضية، بفضل تزويده بـ 20 آلة حصاد جديدة، إضافة إلى جرارات وآلات زرع ومعالجة، الأمر الذي جعل ولاية وهران تتحول إلى قطب بارز في هذا المجال”.
وفي إطار التحضير لموسم الحصاد الحالي، جرى تسخير 78 آلة حصاد وعدد معتبر من الجرارات لضمان نجاح العملية، بداية من المناطق ذات المناخ الحار مثل بوفاطيس، على أن تستهل بمحصول الشعير، كما قالت.
السّقـــــي التكميلــي.. سر الإنتاجيـــــة المستقـــــرّة
وشدّدت بلاش على أن “توزيع التساقطات المطرية عبر الموسم الزراعي أهم من كميتها الإجمالية”، مشيرة إلى أن “تأخر الأمطار في بدايته بوهران دائما أدى إلى تأخر عمليات الحرث والبذر، حيث تمت زراعة 70 بالمائة من المساحة في أواخر ديسمبر ويناير”. وأضافت أن “كمية الأمطار المسجلة إلى غاية أبريل بلغت 253 ملم، وهو مؤشر إيجابي مقارنة بالسنوات الخمس الماضية، رغم تسجيل تراجع في التساقطات خلال مرحلة التسنبل وتكوّن الحبوب ونضجها”.
واعتبرت المتحدثة أن الموسم الفلاحي الحالي يبشّر بـ “إنتاج وفير”، مشيرة إلى أن مردودية الفلاحين الذين اعتمدوا على تقنية السقي التكميلي منذ بداية الموسم ستكون “قياسية”. وأوضحت أن “المساحة المستفيدة من هذا الأسلوب بلغت نحو 2500 هكتار عبر إقليم الولاية، وهو ما يعكس أهمية هذه الممارسة في ضمان إنتاجية مستقرة، رغم تقلبات المناخ”.
خطط استباقية لحماية المحاصيل
كما شددت على “ضرورة احترام المسار التقني في زراعة المحاصيل الكبرى، باعتباره عاملا أساسيا في تحسين المردودية”، مستشهدة بموجة الرياح الساخنة الأخيرة التي تجاوزت 30 درجة مئوية، والتي أثرت على بعض النباتات، بينما كانت أقل ضررا على المساحات التي استفادت من السقي التكميلي، وفق تعبيرها.
تقنيات دقيقة لتقليص الهدر
من جانبه، أكد الأمين العام لغرفة الفلاحة لوهران، ميمون فاطمي، أن “المكننة تعدّ ركيزة أساسية في مسار تحديث القطاع الفلاحي، خاصة في شعب المحاصيل الكبرى”.
وشدّد فاطمي في تصريح لـ “الشعب” على “أهمية العتاد الزراعي ولواحقه، مثل الجرارات وآليات السقي المزودة بأنظمة أمان متطورة، في ضمان سلامة عمليات الحصاد وحماية المحاصيل من المخاطر الطبيعية”.
واعتبر محدثنا أن “الجزائر تبذل جهودا متواصلة لمواكبة أحدث التقنيات الزراعية”، مشيرا إلى أن “ضياع الحبوب أثناء الحصاد الآلي يمثل تحديا كبيرا قد تصل خسائره إلى 20 بالمائة أو أكثر، وهو ما يجعل إدماج التكنولوجيا الحديثة ضرورة ملحّة لتقليص هذه الخسائر وتعزيز المردودية”.
كما أوضح أن “عدد المؤسسات الناشطة في مجال المكننة يشهد نموا ملحوظا، خاصة في أنظمة الزراعة الدقيقة المعتمدة على الطائرات بدون طيار”، كاشفا عن “مؤسسة ناشئة بوهران تستعد لبدء نشاطها في مجال التعشيب والتسميد الزراعي بواسطة الدرون، في انتظار الحصول على شهادة الإعتماد الرسمية”.
وأضاف أن “هذه الابتكارات من شأنها رفع الإنتاجية، تقليص التكاليف وتوفير الوقت، فضلا عن ترشيد استعمال الأسمدة والأدوية، بما يعكس توجه الجزائر نحو تحديث القطاع الفلاحي ومسايرة التطورات العالمية.”





