أكثر من 20 ألف سرير ومشاريع كبرى لتعزيز الأمن والخدمات
تواصل وهران رسم ملامحها كمدينة تجمع بين عبق التاريخ وحيوية المستقبل، لتغدو وجهة سياحية واستثمارية تتألق في مشهد حضاري متكامل، يعكس هويتها الأصيلة ويمنحها حضورا بارزا على الساحة الدولية.
تقدّم وهران تجربة سياحية متكاملة؛ فهي تمنح عشاق البحر فسحة من السحر على شواطئها البديعة، وتفتح أبواب التاريخ أمام الباحثين عن الجذور، كما تحتضن المغامرين في فضاءات طبيعية آسرة، لتظل محطة استثنائية تترك بصمتها في ذاكرة كل زائر.
وقد حازت الولاية بجدارة لقب “الولاية النموذجية” في عدة مجالات حيوية، بفضل المشاريع التنموية والمبادرات الطموحة التي تنطلق من رؤية استراتيجية واضحة، هدفها ترسيخ التنمية المستدامة وتحقيق الرفاه الشامل.
طـاولات مجانية تروّج للمنتوج المحلي
وفي هذا السياق، أعدّت السلطات المحلية برنامجا متكاملا لموسم الاصطياف 2026، يركز على تحسين الخدمات المقدمة للزوار من داخل الوطن وخارجه، بما يعزز مكانة وهران كوجهة سياحية رائدة، ومركزا للإشعاع الثقافية والاقتصادي.
وفي خطوة وصفت بالسابقة وطنيا، أطلقت ولاية وهران مبادرة نوعية تهدف إلى تحسين تجربة المصطافين على الشواطئ، من خلال تجهيزها بالمظلات والكراسي والطاولات وتوفيرها مجانا للزوار.
ويجري تنفيذ المشروع بالتنسيق مع مختلف الجهات المعنية، وعلى رأسها مديريات السياحة، التجارة والصناعة، ما يعكس حرص السلطات على ترسيخ مفهوم الخدمة العمومية في أرقى صورها.
لم تقتصر هذه المبادرة على بعدها الخدمي فحسب، وإنما اتسع أثرها ليشمل جانبا اقتصاديا وترويجيا يعكس روح الشراكة بين مختلف الفاعلين المحليين. فقد شهدت مشاركة مستثمرين ومتدخلين اقتصاديين ساهموا في توفير التجهيزات والمرافق اللازمة، مقابل إتاحة الفرصة لإبراز علاماتهم التجارية على هذه المنشآت، في صيغة تجمع بين دعم المصلحة العامة، وتعزيز الحضور التسويقي للمنتجات والخدمات المحلية.
وأضفى هذا النموذج التشاركي قيمة مضافة للمبادرة، من خلال تحقيق توازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وخدمة المواطن. فمن جهة، أسهم في التعريف بالمؤسسات الاقتصادية المحلية وتشجيع استهلاك منتجاتها، ومن جهة أخرى عزز مفهوم المسؤولية المجتمعية للمؤسسات، وأبرز الدور الذي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص في تحسين نوعية الخدمات العمومية وتطوير الفضاءات المشتركة، بما ينعكس إيجابا على صورة المدينة ورفاهية سكانها وزوارها.
تكوين.. توجيه وخدمة متميّزة
ولضمان نجاح هذه التجربة، تمّ إشراك نحو 250 شابا من موظفي البلديات والمؤسسات التابعة للولاية، بعد تلقيهم تكوينا متخصصا في مجالات التنظيم والتأطير والاستقبال والتوجيه، وذلك بالتعاون مع قطاع التكوين والتعليم المهنيين.
وفي هذا السياق، أكد والي وهران، إبراهيم أوشان، أن هذه الإجراءات تمثل تجربة رائدة، تهدف إلى تعزيز البعد الاجتماعي للقطاع السياحي وضمان راحة المواطنين، مع تقديم نموذج متكامل للتنمية المحلية يجمع بين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية.
وشدّد خلال جولاته الميدانية واجتماعاته التنسيقية سبقت الاطلاق الرسمي لموسم الاصطياف، على ضرورة الالتزام الصارم بمبدأ مجانية الشواطئ، ومنع أي شكل من أشكال الاستغلال غير القانوني، مشيرا إلى أن الأجهزة الأمنية ستتكفل بالتصدي لهذه السلوكات حفاظا على الطابع العمومي للشواطئ، وضمان استفادة المواطنين منها بحرية كاملة.
ولم يغفل المسؤول التنفيذي الأول أهمية تنظيم مواقف السيارات ومداخل الشواطئ، باعتبارها من العناصر الأساسية التي تؤثر بشكل مباشر في جودة الخدمات المقدمة للمصطافين وراحة الزوار. وأكّد أن حسن تسيير هذه الفضاءات يساهم في الحد من الازدحام المروري، ويُسهل تنقل العائلات والمصطافين، خاصة خلال فترات الذروة التي تشهد توافداً كبيراً على الشواطئ والمناطق الساحلية.
وشدّد المسؤول ذاته على أنّ تنظيم المواقف ومنافذ الدخول والخروج يمثل إجراء ضرورياً لضمان انسيابية الحركة وتعزيز شروط السلامة والأمن، بما يسمح باستقبال الأعداد المتزايدة من الزوار في أفضل الظروف. كما يساهم هذا التنظيم في تقليص فترات الانتظار وتفادي الاختناقات المرورية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على تجربة الاصطياف، ويعزز جاذبية الوجهة السياحية خلال الموسم الصيفي.
وفي السياق ذاته، أوضح أنّ الحظائر الصغيرة التي تقل طاقتها عن خمسين مركبة ستتاح مجانا للمصطافين، بينما تم تحديد تسعيرة قصوى لا تتجاوز مئة دينار للحظائر الكبرى التي تتطلب تسييرا دائما ووجود يد عاملة.
وتأتي هذه التوحيهات امتدادا لسلسلة من التدخلات الميدانية التي نفذت خلال الأشهر الأخيرة، ضمن خطة شاملة، تهدف إلى تحسين المشهد الحضري وتأهيل الواجهة البحرية، استعدادا لموسم الاصطياف.
وتولي وهران باعتبارها ثاني أكبر مدينة في الجزائر وقطبا جهويا بارزا، أهمية خاصة لملف النظافة، حيث شدّد والي الولاية في أكثر من مناسبة على أن “النظافة مسؤولية جماعية لا تحتمل التهاون، وتهيئة المحيط واجب مشترك”، في إشارة إلى ضرورة إشراك مختلف الفاعلين والمواطنين في هذه الجهود.
وتسعى السلطات المحلية إلى ترجمة هذا التوجه عبر تخصيص اعتمادات مالية مهمة لاقتناء أحدث المعدات، وإنجاز مشاريع تهيئة شاملة، تشمل شبكات الإنارة العمومية، الأرصفة والطرقات، إضافة إلى الاهتمام بالمساحات الخضراء وإعادة تأهيل الفضاءات العمومية…
ويرتقب أن يحمل موسم الاصطياف لهذا العام طابعا مميزا، بفضل الإجراءات الصارمة التي استهدفت إزالة البنايات العشوائية المنتشرة على طول الساحل، بما يسهم في تحسين المشهد العمراني وإعادة الاعتبار للمناطق السياحية.
كما تمكّنت المصالح المختصة من استرجاع عدد من الخلجان الصغيرة والمساحات الساحلية التي ظلت لسنوات طويلة محجوزة أو مغلقة أمام العموم بفعل التعديات المختلفة المرتبطة ببعض الفيلات والمساكن الخاصة المشيدة بمحاذاة الشريط الساحلي. وقد شكّلت هذه العملية خطوة مهمة في إطار تكريس مبدأ الحق في دخول الفضاءات الطبيعية المشتركة، وإعادة الاعتبار للطابع العمومي للساحل باعتباره ملكاً جماعياً ينبغي أن يبقى متاحاً لجميع المواطنين دون استثناء.
وأفضت هذه الجهود إلى إعادة فتح عدد من الممرات القديمة التي كانت تستعمل تقليدياً للوصول إلى البحر، إلى جانب استحداث مسالك جديدة تراعي متطلبات السلامة وسهولة التنقل. ومن شأن هذه التهيئة أن تعزز جاذبية الساحل وترفع من قدرته على استقطاب الزوار، كما تساهم في توزيع حركة المصطافين على مختلف المواقع الشاطئية، بما يخفف الضغط على الشواطئ الأكثر ارتياداً ويوفر خيارات أوسع للاستمتاع بالمحيط الطبيعي في ظروف أكثر راحة وتنظيماً.
أكثر من 400 مليون دينار لتهيئة الشّواطئ
وفي هذا الإطار، يبرز دور قطاع الأشغال العمومية كركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، ومحرك رئيسي لتطوير البنى التحتية، بما يتيح خلق بيئة مثالية لاستقبال السياح في ظروف راقية ومتكاملة.
ولا تقتصر هذه الجهود على تحسين الطرق والشبكات فحسب، بل تمتد لتشمل تهيئة المناطق الساحلية وتوفير مختلف الخدمات الضرورية، بما يعزّز من جودة التجربة السياحية ويجعلها أكثر أمانا وراحة.
ويرى مدير الأشغال العمومية لولاية وهران، حسين ماحي، أنّ “الباهية تظل وجهة سياحية عالمية بامتياز، قادرة على إرضاء مختلف الأذواق، وتتميز بشريط ساحلي يمتد لأكثر من 226 كيلومترا، يضم 36 شاطئا، منها 32 مجهزة للسباحة، بما يعكس حجم التحدي.”
كما أوضح ماحي في تصريح لـ “الشعب”، أن “التحضيرات الخاصة بموسم الاصطياف، لا تختزل في فترة زمنية محدودة، بل تنجز على مدار العام، في إطار جهود منسجمة ومتكاملة لترسيخ مكانة وهران كوجهة عالمية قادرة على المنافسة والتميز.”
وكشف في هذا السياق عن “تسجيل ثلاث عمليات مموّلة من ميزانية الولاية بقيمة إجمالية بلغت 425 مليون دينار، مخصّصة لتهيئة الشواطئ تحضيرا لموسم 2026، على أن يتم استلامها جميعا في شهر جويلية المقبل كأقصى حد”.
أضاف أن “هذه العمليات نفّذت وفق تقسيم منهجي يشمل حصتين رئيسيتين: الأولى موجهة للجهة الغربية والثانية للجهة الشرقية، بما يضمن توزيعا متوازنا للأشغال وتحقيق أكبر قدر من الفعالية”. وأشار إلى أن “البرنامج الأول، الذي تم إنجازه مع نهاية سنة 2025 بكلفة بلغت 190 مليون دينار، خصّص للتحضير لموسم 2026، حيث وصلت نسبة إنجازه إلى 100 بالمائة”.
وقد “تضمّن هذا البرنامج عدة عمليات هامة، من بينها إنشاء مراكز للحماية المدنية والدرك الوطني والشرطة على مستوى شواطئ عين الترك، بما في ذلك سان روك، كاب فالكون، بوسيجور، سان جيرمان، كلان فونتان وبلطون…”. كما “شملت الأشغال إعادة تهيئة مقر للحماية المدنية ببلدية العنصر، وإنجاز مركز للحماية المدنية مع درج للولوج إلى البحر على مستوى الشاطئ الكبير وبومو ببلدية بوسفر، إضافة إلى إنجاز طريق بطول 400 متر لتسهيل الوصول إلى شاطئ الرأس الأبيض ببلدية عين الكرمة”.
وأكّد أن “البرنامج الثاني، الذي انطلقت أشغاله في 8 جوان الجاري بقيمة 30 مليون دج، يتضمن إنجاز 15 مركزا للحماية، منها إعادة تهيئة مركز للحماية المدنية و14 مركزا جديدا للدرك الوطني والشرطة والحماية المدنية، على أن تسلّم جميعها في غضون شهر”.
ونوّه بأن “البرنامج الثالث لمسجل لسنة 2026 بقيمة 205 مليون دج، يتضمن مشاريع كبرى على مستوى شاطئ لامادراك ببلدية عين الترك، تشمل إنجاز طريق جديد بالكامل مع وضع حواجز إسمنتية، تعزيز شبكة الإنارة العمومية، إضافة إلى تهيئة حظيرتين مخصصتين لركن المركبات…”. وأوضح أن “هذه التدخلات امتدت إلى شاطئ الرأس ببلدية عين الكرمة، حيث تم إنجاز طريق بطول 750 متر وإنشاء حظيرة بسعة 200 مركبة، فضلاً عن تدعيم الإنارة العمومية بشاطئ الأندلسيات وباقي الشواطئ المجاورة”.
وشملت المشاريع وفق تعبيره أيضا، إنجاز خمسة مقرات للحماية المدنية والشرطة والدرك الوطني عبر بلديات عين الترك، بوسفر ومرسى الحاج، في إطار تعزيز الأمن والخدمات العمومية بالمناطق الساحلية”. ونوّه إلى أن “نسبة الأشغال في مجمل المشاريع تجاوزت 60 بالمائة، وهو ما يعكس وتيرة عمل متسارعة لضمان جاهزية المرافق قبل بداية موسم الاصطياف”.
وختم المسؤول الأول على قطاع الأشغال العمومية بالولاية، حسين ماحي، بأن “هذه الجهود تعكس حرص السلطات المحلية على إنجاح الموسم السياحي، من خلال توفير بيئة ملائمة وآمنة تستجيب لتطلعات الزوار، وتعزز مكانة وهران كقطب سياحي بامتياز”.
الإيواء لدى السّاكن يعزّز القدرات
وعلى صعيد الإيواء السياحي، أكدت مديرية السياحة أن الحظيرة الفندقية بولاية وهران، تضم حاليا 191 مؤسسة فندقية مفتوحة، بطاقة استيعاب تفوق 20 ألف سرير، توفر نحو 5 آلاف منصب شغل مباشر، ما يعكس القدرات السياحية الكبيرة التي تتوفر عليها الولاية لاستقبال الزوار من داخل وخارج الوطن.
كما تعمل مصالح مديرية السياحة على تشجيع صيغة “الإيواء لدى الساكن” كبديل إضافي لدعم قدرات الاستقبال، حيث بلغ عدد السكنات المستغلة ضمن هذه الصيغة، 62 مسكنا، بطاقة إيواء تصل إلى 709 فرد في إطار تنظيم النشاط السياحي، وتوفير خيارات متنوعة أمام المصطافين خلال الموسم الصيفي المقبل.
وفي جانب التنشيط والترفيه، أمر والي وهران بإطلاق برنامج صيفي متنوع، تشرف عليه مديريات السياحة والثقافة والشباب والرياضة، يشمل تنظيم سهرات فنية، أنشطة ثقافية ورياضية عبر البلديات الساحلية، إضافة إلى معارض للصناعات التقليدية والحرف المحلية، وذلك بهدف تنشيط السياحة والتجارة والترويج للمنتوج التقليدي المحلي والوطني.
وتراهن السلطات المحلية على جعل موسم الاصطياف لهذا العام محطة فارقة، لا تقتصر على تحسين الخدمات وتوفير الراحة للعائلات فحسب، بل تسعى إلى ترسيخ صورة “الباهية” كمدينة تتجدّد مع كل صيف، لتكتب بذلك فصلا جديدا في مسارها كوجهة سياحية رائدة.






