بــين بــراءة روســـو ورشــد كانــــط.. الفعــل التّعليمـي حصـن ضـــد الاغـــتراب
رهانـات الوعـي الحضــاري.. جدليـــة التكويــن الشّامــل وصناعــة الهويّـة
تكتسي قضية الثقافة في الفضاء الفلسفي المعاصر أبعادا وجودية وإنسانية بالغة التعقيد، متجاوزة الأطر الضيقة للتعريفات السطحية والأنماط التجريبية التي تحصرها في مجرد مظاهر فولكلورية أو نتاجات مادية معزولة.. إنها تبرز بوصفها صيرورة تشكيل كلي، وبنية ديناميكية متكاملة تعمل على صياغة الوعي الإنساني في أبعاده الثلاثية: الفكرية والجمالية والأخلاقية.. هذا المنظور الشامل ينقل الثقافة من دائرة الاستهلاك الهامشي إلى قلب الفلسفة، حيث تغدو الأداة الأساسية التي تحدد أصالة الوجود البشري وتمنحه معناه الحقيقي، مشكلة الهوية الجماعية للمجتمعات في أعمق وأرقى تجلياتها التاريخية والحضارية.
ينقسم التشكيل الثقافي إلى بعدين متكاملين يؤسّسان لفلسفة الكينونة الاجتماعية؛ حيث يتجلى البعد الأول – موضوعيا – في منظومة الأعمال الفكرية، والإنجازات العلمية، والمؤسسات القائمة التي تعكس عبقرية مجتمع ما وأصالته التاريخية، ويمتد هذا البعد ليتصل بالجانب الذاتي والروحي الكامن في “قلوب البشر” كما وصفه جان جاك روسو، وهو المجال غير المرئى الذي يوجه العادات، ويرسم الممارسات الأخلاقية، ويصوغ الرأي العام.
وتتحرك الثقافة في هذا الفضاء الفلسفي كقوة واعية توازن بين المادة والروح، محولة الوجود الإنساني من حالة العفوية الغريزية إلى حالة الوعي الحضاري المنظم.
كوزمولوجيـــا الثّقافـــة
تكشف القراءة المعمّقة للتاريخ الفلسفي، خصوصا مع نهايات القرن الثامن عشر، أن فكرة الثقافة لا تنبع من مجرد تجميع تجريبي لظواهر متفرقة، وإنما تؤسّس لصفة المثالية والعالمية، ما يجعلها فكرة واحدة متضامنة بنيويا مع فكرة الإنسان ذاتها، وقد تحول مركز الثقل المعرفي في الفكر الأوروبي نحو جعل الإنسان العلة الغائية والفاعل الأساسي في توجيه صيرورة الثقافة وتحديد مساراتها المستقبيلة.
ويقود هذا التلاحم الوجودي بين المفكر والمنتج إلى تأسيس فضاء معرفي كوني يربط الهويات المحلية بالوعي الإنساني الشامل، ويحمي الفكر من الانزلاق نحو التجريد الآلي الذي قد يفرغ الظاهرة الإنسانية من عمقها الأخلاقي والروحي.
وقد يكون متاحا القول إن هذه البنية الفلسفية تقود إلى مجابهة صريحة مع الإفرازات السلبية لبعض الأنماط المجتمعية التي تنتج ثقافة زائفة، تمنح الأولوية للمظاهر والـ “برستيج” الخارجي، على حساب جوهر الكينونة الداخلي، ومن هذا المنطلق، تبرز الأهمية القصوى للفعل التربوي والبيداغوجي في مفهومه الشامل، بوصفه الأداة الأساسية لتعلم كنه الحياة وتحقيق الاستقلالية الفكرية، ويتجلى هذا التوجه في الفلسفة التنويرية من خلال الدعوة إلى إيجاد موجه ذكي يتيح للوعي البشري النشوء في رحاب الطبيعة وبراءتها الأولى، بعيدا عن المفسدات الهيكلية للمجتمعات المصنعة، ما يسهم في صقل “الروح الفلسفي” الذي يعيد الاعتبار للمضمون الأخلاقي والعمق الإنساني الفارق.
جدليـــة الحريّـــة والتّكويــن الشّامــــل
يتوّج هذا المسار المعرفي بربط الثقافة بقيمة الحرية التي تتطلب كفاحا فكريا مستمرا، ومقاومة واعية ضد أشكال الاستلاب والتبعية كافة، ولقد بلغت هذه الفكرة ذروتها مع أطروحات المثالية الألمانية، من كانط إلى هيغل وشيلر وفيتشه، عبر بلورة مفهوم التكوين الشامل والذاتي للإنسان (Bildung)، وهو مفهوم يعبر عن صيرورة ديناميكية متكاملة تلخص الارتقاء الفكري والجمالي والأخلاقي للكائن البشري، محولا الفلسفة من نظريات مجردة إلى علم فاعل في الواقع المعيش، وبذلك تصبح الثقافة عملية إحياء مستمرة، تصون الذاكرة التاريخية للأمم، وتثبت دور الفكر الإنساني كصوت أصيل للحقيقة، وضمانة وجودية لاستمرار الموثوقية في مواجهة مادية العصر المعقدة.
وتكشف المقاربات الفلسفية – على اختلافها – أن الثقافة تؤسس كينونتها المستقلة بعيدا عن الأصول التجريبية القائمة على تجميع وتوليف الأشكال الحياتية المتنوعة، أو رصد العادات السلوكية السطحية.. إنّها تقرر منذ البدء صفتي المثالية والعالمية كركيزتين أساسيتين لفهم الظاهرة الإنسانية، ما يجعلها فكرة جوهرية واحدة متضامنة بنيويا مع كينونة الإنسان ذاته، وينأى هذا التلاحم المفاهيمي بالثقافة عن كونها انعكاسا آليا للمحيط المادي، ليرقى بها إلى مرتبة الشرط الوجودي الذي يسبق الممارسة ويمنحها الشرعية والمعنى والاتجاه الحركي في التاريخ.
وقد يكون واضحا أنّ هذا الوعي العميق يمثل المنعطف الذي تنبهت إليه الفلسفة الأوروبية في نهاية القرن الثامن عشر، حين نقلت مركز ثقلها المعرفي ومنهجها التحليلي من دراسة المصنوعات الجماعية والآثار المادية الظاهرة، إلى استنطاق فكرة الإنسان في كليتها وجوهرها المجرد، وجاء هذا التحول الجذري ليعيد ترتيب الأولويات الفكرية، جاعلا من الذات الإنسانية الواعية المحرك الفعلي والوحيد الذي يوجه صيرورة الثقافة برمتها، ويشكّل – في الوقت ذاته – علتها الغائية، ومبرر وجودها الأسمى، ما سمح بصياغة فلسفة جديدة تعنى بـ “الإنسان الصانع لثقافته” عوضا عن “الإنسان الناتِج عن الثقافة”.
للإغــراق في التّجريــد.. مخاطـر
تقود هذه المراجعة النقدية الهامة إلى كشف الهواجس المرتبطة بالانفراط في التجريد الفكري، وتحويل الكائن الإنساني إلى معادلة رياضية جافة، أو رقم إحصائي ضمن أنظمة تسييرية باردة..
إنّ إفراغ الإنسان من خصوصيته الروحية والوجدانية، وإخضاعه لمنطق الحسابات الكمية الصارمة، يفضي إلى توليد ممارسات عنيفة وإقصائية تقيد حرية الفكر وتلغي التعددية الثقافية، ويحذر الفلاسفة من هذا المنزلق الذي يحول العقل التنويري من أداة للتحرر والانعتاق إلى سلطة هيكلية تمارس الوصاية على الوعي البشري وتنمطه وفق قوالب جاهزة.
وتتجلى خطورة المقاربات الأداتية في صياغة أنماط تكنوقراطية تدعي العقلانية، وتعمل على حظر الأسئلة الوجودية والجمالية الكبرى، لحساب الكفاءة المادية الآنية، ويؤدي هذا المنحى الانكماشي إلى تجريد الثقافة من دورها التنويري والنقدي، مستبدلا إياه بوظيفة خدماتية تابعة لمنطق السوق والإنتاجية الطاغية، ما يهدّد بخلخلة التوازن النفسي والاجتماعي للشعوب، ويشكل الالتفات إلى المضمون الأخلاقي والعمق الإنساني الفارق، الضمانة الوحيدة لمواجهة هذا الاغتراب، ولحماية المجتمعات من التبعية لآليات تكنولوجية منزوعة القيم.
ويخلص التحليل الفلسفي إلى حتمية صون التوازن الوجودي من خلال استعادة مركزية الإنسان كذات حرة، واعية، ومسؤولة، ترتبط مع العالم بروابط حية ومتعددة المستويات، ذلك أن تثبيت الأبعاد المثالية والعالمية للثقافة، يضمن استمرار ثقة المجتمعات في قدرتها على الإبداع وتجاوز نمطية العصر؛ إذ يظل الحضور الإنساني النقدي خلف كل منجز ثقافي بمثابة العقد الأخلاقي الذي يحفظ كرامة الكائن البشري، ويوجه مسارات المعرفة نحو غاياتها النبيلة المتمثلة في التحرر الشامل، وإرساء قيم الحق، وصون الحقيقة في الفضاء الحضاري المعاصر.
المفارقـــة الأخلاقيــــة وسلطــــة الاصطنــاع القيمـي
تصطدم فلسفة الثقافة في سياقها المعاصر بمفارقة أخلاقية حادة، ترتبط بارتباط وثيق بوجود منجزات حضارية ومؤسسات هيكلية كبرى تفرز – بطبيعتها الآلية – منظومة من القيم المزيفة، وتعمل هذه الكيانات على توجيه الوعي الجمعي نحو منح الأولوية المطلقة للمظاهر الخارجية والـ “برستيج” الاجتماعي والتقييمات الكمية، على حساب الجوهر الإنساني الأصيل والعمق الأخلاقي للكائن البشري، ولا شكّ أن هذا الاختلال البنيوي يحول المنتجات الثقافية من أدوات للارتقاء بالروح وتنوير العقل إلى وسائل لتعزيز الاستهلاك النمطي، وتسطيح الفكر، وإفراغ الذات من محتواها القيمي والوجداني.
البيداغوجيـــا في مواجهــــة الاغــــــتراب
يبرز هذا المأزق القيمي الدور الجوهري والحتمي للتربية والتعليم، بوصفهما الوسيلة البيداغوجية الكبرى والأداة السيادية الوحيدة المؤهلة لتعلم كنه الحياة، واستعادة التوازن المفقود.
إن الفعل التعليمي في عمقه الفلسفي، يتجاوز وظيفة التلقين الآلي للمعلومات أو شحن الذاكرة بالمعارف النفعية، ليتجه صوب بناء إنسان واعٍ قادر على مقاومة الاغتراب الاجتماعي والانسياق وراء قيم الاستلاب، وتتحول التربية التنويرية هنا إلى حصن فكري يمنح الفرد مهارات النقد والتحليل، ويعيد ربطه بجذوره الإنسانية المشتركة، بما يضمن تحصين المجتمع من الذوبان في نمطية العصر المادية.
ولقد تجلى هذا الطرح النقدي بقوة في الفكر التنويري لجان جاك روسو، خصوصا من خلال أطروحته التربوية المتمثلة في العودة إلى براءة الطبيعة الأولى كشرط لصون الإنسانية، فقد ركز روسو على حاجة الكائن البشري في مراحل تكوينه الأولى إلى مرشد مرن، عاقل، وحكيم، يتيح للوعي الانطلاق التلقائي والحر في رحاب الفضاء الطبيعي الخالص.
وتهدف هذه المقاربة إلى حماية الطفل والناشئ من التشوهات المبكرة والإنهاك النفسي الذي تلحقه به البنى المجتمعية المصطنعة، ما يسمح بنمو مهاراته الحسية والوجدانية في بيئة نقية تحافظ على أصالة الفطرة قبل الاصطدام بإكراهات التمدن المعقدة.
وفي مسار موازٍ، تعمق هذا التوجه التحريري في الفلسفة النقدية لإيمانويل كانط الذي ربط التربية بمسألة الاستقلالية الأخلاقية والتحرر من الوصاية الفكرية لآخرين، فقد سجل كانط أن الغاية القصوى من التشكيل الثقافي والتعليمي هي إيصال الإنسان إلى مرحلة “الرشد الفكري”، حيث يغدو قادرا على تشريع قوانينه الأخلاقية الخاصة، والالتزام بها بدافع من عقله الحر الخالص، دون توجيه خارجي أو تبعية عمياء للتقاليد والمظاهر، وينقل هذا التأسيس الفلسفي الفعل التربوي من دائرة الترويض السلوكي، إلى فضاء الانعتاق المعرفي، وجعل الذات الإنسانية غاية في حد ذاتها.
الرّوح الفلسفي.. صمّام الأمان
يخلص هذا التمازج الفكري بين أقطاب التنوير إلى تأسيس مفهوم “الروح الفلسفي” كمكوّن أصيل وركيزة ثابتة في بنية التشكيل الفكري للإنسان المعاصر، ويتشكّل هذا الروح عبر اكتساب أدوات التفكير النقدي الصارم واليقظة الدائمة أمام إغراءات الثقافة المزيفة، ما يمنح الفرد حصانة ذاتية للتحرر من ربقة التبعية الفكرية والتقليد الآلي، وبذلك يصبح الروح الفلسفي صمام الأمان الوجودي الذي يضمن استمرار ثقة المجتمعات في كفاءتها الابتكارية، ويثبت دور الإنسان كفاعل حر، يصنع ثقافته بوعي ومسؤولية، ويصون كرامته الإنسانية في مواجهة طوفان الاصطناع القيمي الممنهج.
ويرتبط هذا التشكيل الثقافي برابطة وجودية وثيقة وعميقة بقيمة الحرية، باعتبارها المحرك الأساسي لكل إبداع إنساني حقيقي وصادق، وفي هذا السياق الفلسفي، تتجاوز الحرية مفهوم المكتسب السهل أو الثمرة الناضجة التي يقطفها الفكر الإنساني دون عناء أو كد، لتستقر كمعركة مستمرة وكفاح متواصل تخوضه الذات الواعية لانتزاع سيادتها الكاملة، وتثبيت استقلاليتها المعرفية والأخلاقية، ما يجعل من الفعل الثقافي حركية تحرر دؤوبة تسعى لتفكيك القيود وصياغة الكينونة البشرية وفق إرادتها المستقلة الحرة.
تأسيــــــس المســار المعــــرفي للتّحــــرّر
لقد تعمّق هذا المسار المعرفي التحريري وتجذّر بصفة واضحة مع أطروحات المدرسة المثالية الألمانية، الممتدة تاريخيا وفكريا من إيمانويل كانط إلى فريدريش هيغل وفريدريش شيلر ويوهان فيتشه، وشهدت هذه الحقبة الخصبة تضافرا فريدا بين الفلسفة الصارمة والشعر الملهم، حيث سعى هؤلاء الفلاسفة والشعراء إلى صياغة بديل حضاري شامل يحقق النهضة الإنسانية من بوابات الثقافة العميقة والوعي النقدي، متجاوزين الانكسارات السياسية ومحولات التجزئة التي عاشتها مجتمعاتهم في ذلك الوقت، وأسفر هذا الجهد الفلسفي المتميز عن توليد مفهوم التكوين الشامل والذاتي للإنسان، والمعروف تاريخيا بمصطلح “البلدونغ” (Bildung)، كما سبق وقدمناه.
ويخلص هذا المسار الفلسفي الهام إلى صياغة وتشكيل هوية الأمة وتثبيت مقوماتها الحضارية الأصيلة، مستندة في ذلك إلى ركيزتين أساسيتين هما اللحمة اللغوية المتينة والوعي التاريخي المشترك، وتتحول اللغة – وفق هذا المنظور – من أداة تواصل وتعبير يومي جاف، إلى وعاء حي للثقافة ينقل القيم، ويصنع الروابط الوجدانية بين أبناء المجتمع، متكاملة مع وعي تاريخي واعٍ بالماضي ومستشرف للمستقبل، فتضمن استمرار المصداقية والثقة الوجودية للامتداد البشري في مواجهة التحديات المعاصرة، وتحصين الذاكرة الجمعية من الزوال والاندثار.






