يتزايد اعتماد المهندسين في مقاطعة كيبك الكندية على إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي، علوم البيانات، والتكنولوجيات الرقمية ضمن حقيبتهم المهنية، لمواجهة التحديات الهندسية المعقدة، وسط تأكيدات من أهل الاختصاص على حتمية المزاوجة بين الكفاءة التقنية العالية والتحلي بالحس النقدي والمسؤولية الأخلاقية، لضمان سلامة الخيارات الهندسية المنفذة.
وتشير الإحصائيات الصادرة عن نقابة مهندسي كيبك (Ordre des ingénieurs du Québec) إلى أن نسبة الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بلغت 46 بالمائة بين مهندسي الإقليم خلال سنة 2025، ما يعكس تحولا لافتا في الممارسات المهنية اليومية لقطاع الهندسة الاستشارية.
وفي هذا الصدد، أضحى اللجوء إلى المساعدات الرقمية سلوكا راسخا لدى الكفاءات الهندسية، حيث يوضح رئيس فريق هندسة الكهرباء والتنقل الذكي بمجموعة “ستانتيك” (Stantec)، عثمان تيكيتو، أنه يعتمد على نظام “كوبايلوت” (Copilot) للحصول على نظرة عامة وحلول أولية عند مواجهة مشكلات تقنية مستعجلة، مستدلا بنجاح هذه الآلية في معالجة تداخل معقد بين كتلة قنوات الضغط المنخفض التابعة لمؤسسة “هيدرو كيبك” وقاعدة إشارات سيارات المرور، ما أتاح تحديد أبعاد هندسية دقيقة تجاوزت هذا العائق اللوجستي دون تأخير ورشات الإنجاز.
ويستوجب استغلال الذكاء الاصطناعي التوليدي اتخاذ احتياطات منهجية صارمة، حيث يشترط الخبراء صياغة الطلبات الرقمية في سياقات محايدة لتجنب الانحيازات التأكيدية التي تؤثر على النتائج الخوارزمية، مع إخضاع مخرجات الآلة لعمليات تدقيق وتحقق دقيقة، وأكد المهندس عثمان تيكيتو أن المقترحات الرقمية لا تدمج مباشرة في توجيهات تعديل الأشغال، بل تعرض أولا على فحص دقيق من طرف مهندس مختص لتعديلها وفق الحاجة الميدانية، ما يسهم في اختصار نصف الوقت المخصص للبحوث الأولية.
وتشهد مجالات الصيانة التنبؤية طفرة تكنولوجية مماثلة، يقودها مهندسون متخصصون على غرار مدير العمليات والأدوات بشركة “أليستوم” (Alstom) العملاقة للنقل البري، بيرلوك تيبودو، الناشط في ورشات إدماج فرع “بومباردييه للنقل” المستحوذ عليه سنة 2021، حيث يسير المجمع نحو إطلاق قطار الأنفاق الجديد “نيو سابواي ترين” (NST) المبرمج لدخول الخدمة الفعلية في غضون عام 2027، مبرزا الانتقال من الأنظمة السلكية التقليدية إلى مقطورات ذكية ومترابطة تدعم شبكات “الواي فاي” وأنظمة الإشارات الرقمية، وتولد حجما ضخما من البيانات الآنية المتعلقة بحرارة العجلات، حالة الأبواب، وأداء المكيفات، ما يسمح بتوقع الأعطال وإجراء الصيانة الاستباقية قبل حدوث الخلل.
وتفرض هذه التحولات الرقمية المتعلقة بالنمذجة ثلاثية الأبعاد المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مراجعة شاملة لمتطلبات الموارد البشرية والمهارات الفنية داخل الشركات التكنولوجية، ويتجه عملاق النقل والسكك الحديدية “أليستوم” نحو توظيف كفاءات متخصصة في المعلوماتية وعلوم البيانات والتحليل المتقدم، لرفد الخبرات الهندسية التقليدية، ويشرف المهندس بيرلوك تيبودو، خريج المدرسة التكنولوجية العليا لعام 2009 والمشارك في تصميم قطار أنفاق تورونتو “روكيت”، على نشر برمجيات نمذجة متطورة تختصر سنوات البحث وتتيح الوصول السريع للمخططات والبيانات التقنية القديمة.
ويستبعد الفاعلون في الساحة الهندسية إمكانية تعويض المهندسين بالكامل بواسطة تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي، نظرا لارتكاز قطاع الهندسة الاستشارية على أبعاد إنسانية واجتماعية يستعصي على الآلة إعادة إنتاجها، وأوضح المهندسون أن مسؤولية المهندس تتجاوز حل المشكلات التقنية المحض إلى مرافقة الزبائن، فهم انشغالاتهم، وبناء مناخ من الثقة المتبادلة، فضلا عن القيام بدور الوسيط بين الحلول التكنولوجية المتاحة والاحتياجات الواقعية للمستخدمين.
وتظل ممارسة الحكم المهني العقلاني وتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن القرارات والخيارات المعتمدة، جوهر العمل الهندسي، لاسيما في حالات وقوع حوادث تقنية ناجمة عن خيارات برمجية، ويتحدد أفق العمل المستقبلي في هذا الفضاء الفاصل بين قوة الأدوات الرقمية وحتمية المساءلة الفردية، ما يصوغ ملامح مهندس الغد كإطار مؤهل يجمع بين التميز التقني، التحكم في التكنولوجيات الحديثة، وتغليب التقدير الإنساني النقدي.





