يومية الشعب الجزائرية
السبت, 4 يوليو 2026
  • الأولى
  • الحدث
    • الوطني
    • المحلي
    • الرياضي
    • المجتمع
    • مؤشرات
    • الثقافي
    • الدولي
  • الملفات الأسبوعية
    • الشعب الدبلوماسي
    • الشعب الإقتصادي
    • الشعب الرياضي
    • الشعب المحلي
    • الشعب الثقافي
    • ملفات خاصة
  • الإفتتاحية
  • أعمدة ومقالات
    • مساهمات
    • حوارات
    • إستطلاعات وتحقيقات
  • صفحات خاصة
    • إسلاميات
    • صحة
    • ندوات
    • تاريخ
    • القوة الناعمة
    • فوانيس
    • علوم وتكنولوجيا
    • صوت الأسير
  • النسخة الورقية
    • أعداد خاصة
  • أرشيف
لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
  • الأولى
  • الحدث
    • الوطني
    • المحلي
    • الرياضي
    • المجتمع
    • مؤشرات
    • الثقافي
    • الدولي
  • الملفات الأسبوعية
    • الشعب الدبلوماسي
    • الشعب الإقتصادي
    • الشعب الرياضي
    • الشعب المحلي
    • الشعب الثقافي
    • ملفات خاصة
  • الإفتتاحية
  • أعمدة ومقالات
    • مساهمات
    • حوارات
    • إستطلاعات وتحقيقات
  • صفحات خاصة
    • إسلاميات
    • صحة
    • ندوات
    • تاريخ
    • القوة الناعمة
    • فوانيس
    • علوم وتكنولوجيا
    • صوت الأسير
  • النسخة الورقية
    • أعداد خاصة
  • أرشيف
لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
يومية الشعب الجزائرية
لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
الرئيسية أعمدة ومقالات مساهمات

المجاهـد صالـــح قوجيــل يكتــب عـبر «الشعب»:

المجاهد الشهيد محمد الصديق بن يحـــي.. مسـار ملهم لرجل الرؤية الجامعـةـ

بقلم: المجاهد صالح قوجيل
الأربعاء, 17 جوان 2026
, مساهمات
0
مشاركة على فيسبوكمشاركة على تويتر

رفض أي مقاربة تقوم على تجزئة القضية الجزائرية أو الالتفاف على مرجعية نوفمبر

قامة أكبر من أن يحيط بها مقال..وسيرة أوسع من أن تختزلها ذكرى

في الثالث من ماي المنصرم، عاد ككل عام اسم محمد الصديق بن يحيى ليطرق أبواب الذاكرة الوطنية بقوة لا يملكها إلا الرجال الذين تجاوزوا حدود الزمن وأصبحوا جزءاً من تاريخ الأمم.
أكتب في ذكرى رحيل بطولي لرفيق نضال، عن رجل دولة استثنائي، وعن دبلوماسي حمل اسم الجزائر إلى أعلى المنابر الدولية، وعن إنسان عرفته عن قرب في لحظات النجاح كما عرفته في لحظات المحنة.
وكلما هممت بالكتابة عنه، وجدتني أمام قامة أكبر من أن يحيط بها مقال، وأمام سيرة أوسع من أن تختزلها ذكرى، وأمام رجل لم يعد ملكاً لجيله فقط، بل أصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية للأمة الجزائرية. فبعض الرجال لا تستوعبهم التواريخ.
يأتي يوم رحيلهم ليذكرنا بهم، لكن حضورهم الحقيقي يظل ممتداً في الزمن، حياً في المؤسسات التي ساهموا في بنائها، وفي المبادئ التي دافعوا عنها، وفي الأثر الذي تركوه في وطنهم وفي العالم. ومن هذا الطراز كان محمد الصديق بن يحيى.

ليس مجرد وزير خارجية

هو ليس مجرد وزير خارجية طبع مرحلة من تاريخ الجزائر الحديث، ولا مجرد مفاوض بارع نجح في أصعب الملفات الدولية، ولا مجرد مجاهد التحق مبكراً بصفوف الثورة التحريرية.
إنه واحد من أولئك الرجال الذين صنعوا لأنفسهم مكانة خاصة في تاريخ الجزائر، لأنهم جعلوا من حياتهم كلها مشروعاً لخدمة الوطن.
وعندما نستحضر ذكرى استشهاده في الثالث من ماي 1982، فإننا لا نستحضر حادثة أليمة فحسب، بل نستحضر مسيرة كاملة من الكفاح والعطاء والإخلاص، ونستحضر جيلاً من الرجال الذين حملوا الجزائر في قلوبهم حتى آخر لحظة من حياتهم.
وأقولها كشاهد عرف الرجل وعمل معه وتقاسم معه مسؤولية بناء الدولة والدفاع عن مصالحها: إن الحديث عن محمد الصديق بن يحيى ليس استعادةً للماضي، بل هو حديث عن قيم ما تزال الجزائر في حاجة إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ قيم الوطنية، والاستقامة، والوفاء للدولة، واستقلال القرار، والإيمان بأن الجزائر تستطيع أن تكون قوية بمبادئها قبل أي شيء آخر.
وعندما أستعيد صورته اليوم، فإن أول ما يتبادر إلى ذهني هو ذلك التلازم النادر بين صفاء المناضل، وحكمة السياسي، وبعد نظر رجل الدولة، وحنكة الدبلوماسي.
كان من أبناء نوفمبر الأوفياء، ومن أولئك الشباب الذين آمنوا مبكراً بأن العلم والمعرفة لا يكتمل معناهما إلا عندما يوضعان في خدمة الوطن.
في صفوف الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين برز اسمه كأحد القيادات الطلابية الشابة التي ساهمت في تأطير الحركة الطلابية الوطنية، وتحويل الجامعة الجزائرية إلى فضاء للنضال الوطني بقدر ما كانت فضاء للتحصيل العلمي.

جمع الجزائريين حول الأهداف الكبرى

ولم يكن الاتحاد يومها مجرد تنظيم طلابي، بل كان مدرسة وطنية حقيقية تخرج منها العديد من إطارات الثورة والدولة…ومنذ تلك المرحلة المبكرة، ظهرت فيه خصلة سترافقه طوال حياته؛ القدرة على جمع الجزائريين حول الأهداف الكبرى وتغليب المصلحة الوطنية على كل اعتبار آخر…ثم لبى نداء التاسع عشر ماي 1956، يوم قررت نخبة الجزائر أن تغادر مقاعد الدراسة لتلتحق بمدرسة أكبر وأعظم اسمها ثورة نوفمبر 1954.
فهناك تشكل وعيه السياسي، وبرزت مواهبه الاستثنائية في الحوار والتنظيم والتفاوض، ولم يكن غريباً أن يحظى بثقة قيادة الثورة وأن يكون ضمن الوفد الجزائري الذي شارك في مفاوضات إيفيان، تلك المحطة التاريخية التي انتقلت فيها الثورة من ميدان المواجهة إلى ميدان تثبيت مكاسب النصر واسترجاع السيادة الوطنية…فحضور محمد الصديق بن يحيى في مسار التفاوض لم يكن مجرد حضور تقني أو بروتوكولي، بل كان امتداداً لمسار طويل من الالتزام بمبادئ الثورة وثوابتها.
وأستحضر هنا محطة ذات دلالة خاصة في مسيرته النضالية، عندما شارك رفقة الشهيد أحمد بومنجل في لقاء مولان مع السلطات الفرنسية. يومها حاولت الإدارة الاستعمارية أن تفتح ثغرات في جدار الوحدة الوطنية وأن تدفع ببعض الأطراف إلى مسارات جانبية تمس بشرعية جبهة التحرير الوطني ووحدة تمثيلها للشعب الجزائري.
لكن محمد الصديق بن يحيى رفض، منذ تلك المرحلة المبكرة، أي مقاربة تقوم على تجزئة القضية الجزائرية أو الالتفاف على مرجعية الثورة. وعندما اتضح له ولرفيقه أحمد بومنجل أن اللقاء يراد له أن يتحول إلى أداة للمناورة السياسية وشق الصف الوطني، انسحبا منه بكل وضوح، مؤكدين أن الثورة الجزائرية لا تفاوض إلا وهي موحدة، ولا تتحدث إلا بصوت واحد.
وقد بقي هذا الموقف راسخاً في شخصيته طوال حياته. ولذلك عندما انتقل بعد سنوات إلى مفاوضات إيفيان، لم يذهب بعقلية الباحث عن تسوية بأي ثمن، بل بعقلية المناضل المؤمن بأن التفاوض الحقيقي هو الذي يحفظ وحدة الثورة ويصون السيادة الوطنية ويترجم تضحيات الشهداء إلى مكاسب سياسية ثابتة.

قدرة على التفاوض وخطوط لا تقبل التجاوز

ومن عرف محمد الصديق بن يحيى عن قرب، يدرك أن قوة الرجل لم تكن في قدرته على التفاوض فحسب، بل في وضوح الخطوط التي لا يقبل تجاوزها… لقد كان مرناً في الأسلوب، لكنه ثابت في المبادئ. وكان مستعداً للحوار مع الجميع، لكنه لم يكن مستعداً أبداً للمساومة على وحدة الجزائر أو على شرعية ثورتها.
ومنذ تلك المرحلة برز فيه ما سيصبح لاحقاً إحدى أبرز خصاله: الإيمان العميق بالجزائر المستقلة صاحبة القرار الحر، الجزائر التي لا تتبع أحداً ولا تخضع إلا لمصالح شعبها ومبادئ ثورتها…فقد تولى العديد من المسؤوليات خلال مرحلة الثورة الجزائرية وفي مختلف المستويات في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في مرحلة دقيقة من تاريخ الثورة، ويبقى دوره فاعلا كواحد من الذين شاركوا في صياغة مواثيقها وقراراتها المختلفة (ميثاق طرابلس 1962)… ثم واصل أداء مسؤولياته في الدولة المستقلة بروح المناضل ذاته.
وبعد الاستقلال، انتقل من معركة التحرير إلى معركة البناء. فحمل اسم الجزائر سفيراً في موسكو خلال واحدة من أكثر فترات الحرب الباردة تعقيداً، فكان من الوجوه التي جسدت استقلالية السياسة الخارجية الجزائرية وقدرتها على إقامة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية دون التفريط في استقلال القرار الوطني.
ثم تولى حقيبة الإعلام والثقافة، حيث ارتبط اسمه بإحدى أكثر المبادرات إشعاعاً في تاريخ الجزائر المستقلة، عندما كان من أبرز مهندسي المهرجان الثقافي الإفريقي سنة 1969.
ولم يكن ذلك الحدث مجرد تظاهرة ثقافية، بل كان إعلاناً حضارياً بأن الجزائر التي انتصرت في معركة التحرير قررت أن تكون أيضاً عاصمة للتحرر الثقافي الإفريقي ومنبراً لأصوات القارة ومثقفيها ومناضليها.
كما تولى مسؤولية التعليم العالي في مرحلة مفصلية من تاريخ الجامعة الجزائرية. ولم يقتصر دوره على تطوير الهياكل والمؤسسات الجامعية، بل امتد إلى إعادة تنظيم البيت الطلابي نفسه. ..كان من المؤمنين بأن الجامعة لا تؤدي رسالتها كاملة إلا في ظل حركة طلابية موحدة وقادرة على الإسهام في بناء الدولة الوطنية.
ومن هذا المنطلق، كان دوره هو الأبرز في الجهود التي أفضت سنة 1975 إلى توحيد التنظيمات الشبانية الطلابية الجزائرية داخل إطار الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية، واضعاً بذلك حداً للحالة التي عرفتها الساحتين الشبانية والطلابية، ومؤسساً لمرحلة جديدة قوامها وحدة الصف الشباني الطلابي وخدمة المشروع الوطني.
وعندما ننظر إلى هذه المحطات مجتمعة، ندرك أننا لا نتحدث عن مسؤول تقلد مناصب متعددة، بل عن رجل شارك في بناء الدولة الجزائرية في الجامعة والثقافة والدبلوماسية والسياسة على حد سواء، قبل أن يتولى لاحقاً حقيبة الشؤون الخارجية ويصبح أحد أبرز وجوه الدبلوماسية الجزائرية في العالم. ولذلك اكتسبت الجزائر في تلك المرحلة احترام العالم.

الجزائر تتحدث فيستمع إليها العالم

احتراماً لم يكن قائماً على النفوذ أو القوة العسكرية، بل على الثقة التي كانت تحظى بها لدى الجميع…لقد كانت الجزائر تتحدث فيستمع إليها العالم، لأنها كانت تقول ما تفعل وتفعل ما تقول.
وكان محمد الصديق بن يحيى أحد أبرز صناع تلك المكانة الدولية المرموقة. ولعل التاريخ سيظل يحتفظ له بأحد أعظم الإنجازات الدبلوماسية في العصر الحديث، حين نجحت الجزائر في التوسط بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية لإنهاء أزمة الرهائن الأمريكيين سنة 1981.
وأذكر هنا واقعة عشت تفاصيلها بحكم مسؤوليتي وزيراً للنقل آنذاك… فعندما كانت ترتيبات إنهاء أزمة الرهائن الأمريكية تدخل مراحلها الأخيرة، اقترحتُ أن يتم نقل الرهائن من طهران إلى الجزائر على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية الجزائرية.
وقد وجد هذا الاقتراح دعماً كاملاً من الأخ محمد الصديق بن يحيى الذي كان يدرك، كما كنت أدرك، أن الأمر لا يتعلق بمجرد وسيلة نقل، بل برمز سياسي ودبلوماسي بالغ الدلالة.
كنا نريد أن يرى العالم أن الضمانة الجزائرية لم تكن مجرد توقيع على وثيقة أو دور وساطة من بعيد، بل كانت حاضرة في أدق تفاصيل العملية. ولذلك أصبحت الطائرة الجزائرية يومها جزءاً من الصورة التاريخية التي وثقت نجاح الجزائر في بناء جسر الثقة بين واشنطن وطهران.
يومها عجزت قوى كبرى عن إيجاد الحل، بينما نجحت الجزائر في فتح أبواب الحوار وإعادة بناء الثقة بين طرفين كانا يبدوان بعيدين عن أي اتفاق…أتذكر اليوم كيف سارعت واشنطن إلى توشيح طاقم الطائرة التي أقلّت الرهائن الأمريكيين وكيف أبدت سهولة غير محدودة من أجل توفير ثلاث طائرات من طراز بيونغ 730 وطائرة واحدة من طراز بوينغ 747 للجزائر، بشروط ميسّرة وتبقى زيارة مسؤولي شركة بيونغ الأمريكية وإغزيم بنك للجزائر آنذاك أكبر دليل على النجاح والاحترام الجمعي الأمريكي الذي أثمرته حلحلة قضية الرهائن الأمريكان، حتى أن الأمريكيين اقترحوا عليّ آنذاك كوزير للنقل الترخيص بفتح خط جوي بين الجزائر ونيويرك.
فلم يكن ذلك النجاح وليد الصدفة، بل كان ثمرة مدرسة كاملة في العمل الدبلوماسي، وكان محمد الصديق بن يحيى أحد أبرز مهندسيها.
لقد أثبتت الجزائر آنذاك أن النفوذ الحقيقي لا يصنعه امتلاك القوة فقط، وإنما تصنعه المصداقية والاحترام والقدرة على بناء الجسور بين المتخاصمين

نجاحات دبلوماسية وإنسانية عميقة وإحساس بالمسؤولية

ما كان يثير إعجابي في المجاهد الشهيد محمد الصديق بن يحي..
في الرجل أكثر من نجاحاته الدبلوماسية، هو إنسانيته العميقة وإحساسه العالي بالمسؤولية الوطنية.
وأستحضر هنا حادثة لا تزال حاضرة في ذاكرتي رغم مرور السنين. فقد تعرض محمد الصديق بن يحيى لحادث طائرة في مالي، وكانت إصاباته يومها بالغة.
وعندما تنقلت للاطمئنان عليه بصفتي وزيراً للنقل آنذاك، كنت أتوقع أن أجده منشغلاً بحالته الصحية أو بتداعيات الحادث. لكنني وجدت رجلاً يفكر في شيء آخر تماماً.
كان يفكر في مالي. وكان يفكر في العلاقات الأخوية التي تربط الجزائر بهذا البلد الشقيق.
يومها تحدث معي مطولاً، وأوصاني بمتابعة التحقيق في الحادث بكل جدية ومسؤولية، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة الحفاظ على علاقات الأخوة والصداقة التي تجمع الجزائر ومالي…لقد كان يخشى من غلق مطار باماكو لعدم توفّره على الاشتراطات اللازمة للملاحة الجوية الآمنة، فلقد كان خارجاً لتوه من تجربة قاسية كادت تودي بحياته، ومع ذلك لم يكن يفكر في نفسه بقدر ما كان يفكر في مصلحة بلده وفي مستقبل علاقاته مع الأشقاء.
عندها أدركت مرة أخرى أن محمد الصديق بن يحيى لم يكن يحمل الدبلوماسية في موقعه الوزاري فقط، بل كان يحملها في وجدانه وفي سلوكه وفي نظرته إلى العالم..كان رجل دولة حتى في لحظات الألم، وكان وفياً لقيم الجزائر حتى وهو يصارع آثار الحادث.

رجل توافق بامتياز

ولهذا لم يكن غريباً أن يكون أيضاً رجل التوافق بامتياز( un homme de synthèse)، ولعل ما يؤكد المكانة التي كان يحظى بها محمد الصديق بن يحيى في الساحة الدولية، تلك الحادثة التي قلّما يتوقف عندها الناس رغم دلالتها العميقة.
فخلال فترة علاجه في باريس بعد حادث الطائرة الذي تعرض له في مالي، أوفد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان مبعوثاً خاصاً برتبة سفير متجوّل، كان يحمل رتبة جنرال، للاطمئنان على حالته الصحية…وقد استوقفني هذا الأمر كثيراً في حينه، لأنه لم يكن مجرد تصرف بروتوكولي عابر، بل كان تعبيراً عن الاحترام والتقدير اللذين اكتسبهما الرجل لدى أعلى دوائر القرار الدولي..فالدول قد تختلف في المصالح والمواقف، لكنها لا تختلف في تقدير الرجال الكبار.
لقد كان محمد الصديق بن يحيى واحداً من أولئك الرجال الذين نجحوا في أن يفرضوا احترامهم على الجميع بفضل نزاهتهم ومصداقيتهم ووفائهم لكلمتهم…وقد أدركت يومها أن ما حققه لم يكن نجاحاً دبلوماسياً عابراً، بل كان رصيداً من الثقة الدولية بنته الجزائر عبر سنوات طويلة، وكان هو أحد أبرز صناع ذلك الرصيد وأحد أكثر من جسدوه في سلوكهم وممارستهم اليومية.
وليس من قبيل المصادفة أن يبعث رئيس أكبر قوة في العالم من يطمئن على صحته، بينما كان هو، كما عرفته دائماً، يفكر في الجزائر أكثر مما يفكر في نفسه، وينشغل بمصالح وطنه وعلاقات بلاده أكثر مما ينشغل بآلامه الشخصية.
وتلك في تقديري إحدى السمات التي صنعت فرادة محمد الصديق بن يحيى، وجعلت منه رجل دولة بالمعنى النبيل للكلمة..لقد عملت معه في الحكومة وشهدت شخصياً العديد من النقاشات المتعلقة بقضايا وطنية ودولية معقدة، وكان أمراً لافتاً أن الرجل كلما ازدادت الملفات تعقيداً ازداد هدوءاً، وكلما تباعدت الآراء استطاع أن يجد الطريق الذي يجمع بينها.
لم يكن يبحث عن الانتصار لرأي شخصي، وإنما كان يبحث عن الانتصار للمصلحة الوطنية..كان يمتلك تلك الموهبة النادرة التي تجعل من الخلاف مدخلاً إلى الحل، لا سبباً للانقسام.
وعندما انتقل إلى مهمته الأخيرة للوساطة بين العراق وإيران، كان يحمل الرسالة نفسها التي حملها طوال حياته: رسالة السلام. ذهب باسم الجزائر، وباسم مبادئها، وباسم تاريخها في نصرة الحوار وتقريب وجهات النظر.
كان يعلم أن المهمة صعبة، لكنه كان يؤمن بأن الجزائر التي ولدت من رحم الكفاح لا يمكن أن تكون إلا في صف السلم والعدل والتقريب بين الشعوب.
وأجد نفسي، كلما استحضرت تلك المهمة الأخيرة، أعود بذاكرتي إلى الأيام التي أعقبت استشهاده واستشهاد أعضاء الوفد المرافق له في الثالث من ماي 1982.
فقد كلفت آنذاك برئاسة لجنة التحقيق التي أوكلت إليها مهمة متابعة ظروف وملابسات سقوط الطائرة الجزائرية التي كانت تقل وزير الشؤون الخارجية محمد الصديق بن يحيى ورفاقه وهم يؤدون واجباً وطنياً ودبلوماسياً بالغ الحساسية في إطار الوساطة الجزائرية الرامية إلى وضع حد للحرب العراقية الإيرانية.
وكان ذلك التحقيق من أصعب الملفات التي تعاملت معها في حياتي السياسية، ليس فقط بسبب هول الفاجعة التي أصابت الجزائر، وإنما أيضاً بسبب طبيعة الظروف الإقليمية والدولية المعقدة التي أحاطت بالحادث.
وفي إطار هذه المهمة، تنقلت إلى عدد من العواصم والتقيت مسؤولين معنيين بالملف، وكان من بين تلك اللقاءات لقائي بالرئيس العراقي صدام حسين، حيث طرحت مختلف الأسئلة المرتبطة بالحادث واستمعت إلى ما قدم من معطيات وتفسيرات بشأنه…الرئيس العراقي آنذاك لم يجد ما يقوله بخصوص إسقاط طائرة الفقيد محمد الصديق بن يحيى، التي ثبت أن الصاروخ الذي أسقطها تم إطلاقه من الأراضي العراقية..لقد قال لي صراحة : «في هذا الموضوع أنا أدعوكم إلى أن تعيروا اهتماما بالغا للعلاقات التاريخية بين الشعبين العراقي والجزائري»، كما أن هذا اللقاء كان سانحة للرئيس العراقي للحديث عن مشاركته في دعم الثورة الجزائرية حين كان طالبا زمنها في القاهرة…
غير أن ما ترسخ لدي مع مرور الزمن هو أن هذه القضية لم تكن حادثاً عادياً في سجل الطيران أو مجرد واقعة عابرة من وقائع الصراعات الإقليمية، بل كانت قضية تمس الجزائر نفسها، وتمس دورها ومكانتها ومساعيها لإحلال السلم في منطقة كانت تعيش واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخها المعاصر.
ولذلك فإنني ما زلت أعتقد أن هذا الملف يحتفظ ببعض نقاط الظل التي لم تكشف كل أسرارها بعد.
وقد تكون الوثائق المتاحة اليوم غير كافية للإجابة عن جميع التساؤلات التي طرحت آنذاك، لكن المؤكد بالنسبة إلي أن محمد الصديق بن يحيى لم يفقد حياته في مهمة دبلوماسية عادية، بل استشهد وهو يحمل رسالة الجزائر إلى طرفي نزاع أنهك المنطقة وأرهق شعوبها.

صفحة من صفحات الذاكرة الوطنية

ومن هذا المنطلق، فإن استشهاده واستشهاد رفاقه لا يمثلان مجرد خسارة مؤلمة لأسرهم أو لرفاقهم، بل يشكلان صفحة من صفحات الذاكرة الوطنية الجزائرية المرتبطة بالدفاع عن السلم وعن استقلال القرار الوطني وعن الدور الذي اختارته الجزائر لنفسها في محيطها الإقليمي والدولي.
لقد كان محمد الصديق بن يحيى يومها في مهمة سلام، وكان يحمل أملاً في تقريب وجهات النظر وإخماد نيران الحرب، ولذلك فإنني أنظر إلى استشهاده باعتباره استشهاد رجل دولة ظل وفياً لرسالته حتى اللحظة الأخيرة من حياته، واستشهاد أحد أبناء الجزائر الذين جعلوا من خدمة الوطن قضية عمر كاملة لا تنتهي إلا بانتهاء العمر نفسه، لقد سقطت الطائرة في سماء المنطقة، لكن القضية بقيت معلقة في ضمير الأمة، لأن ما استهدف يومها لم يكن مجرد وفد دبلوماسي، بل كان أيضاً صوت الجزائر وهي تسعى إلى إيقاف الحرب وإعلاء منطق السلام.
وكم يبدو القدر معبراً عندما نستحضر أن الرجل الذي نجا من حادث مالي، وعاد يومها إلى وطنه محمولاً على محبة الجزائريين، سيعود بعد سنوات قليلة شهيداً وهو يؤدي مهمة سلام جديدة. ولازلت إلى اليوم عندما سافرت إلى طهران لمرافقة جثمانه وجثامين رفاقه في رحلتهم الأخيرة إلى الجزائر، أتذكر ذلك المشهد الجنائزي المهيب الذي أقامته السلطات الإيرانية للفقيد قبالة مبنى مجلس الشورى الإسلامي الإيراني.
لقد نجا من الموت وهو يعمل من أجل تعزيز العلاقات بين الأشقاء، واستشهد وهو يسعى إلى إطفاء نار حرب بين شعبين مسلمين…وكأن حياته كلها كانت تجسيداً لرسالة الجزائر نفسها: بناء الجسور حيث ترتفع الجدران، وإعلاء صوت الحوار حيث ترتفع أصوات المدافع…لقد كان استشهاد محمد الصديق بن يحيى خسارة كبيرة للجزائر، لكنه كان أيضاً شهادة جديدة على المكانة التي بلغها هذا الرجل في العالم…فقد نعته دول وقادة وشعوب باعتباره رجل سلام ورجل دولة ورجل حوار.
وإذا كان استحضار محمد الصديق بن يحيى وفاء لذاكرة رجل استثنائي، فإنه يظل أيضاً مناسبة للتأمل في مسار الجزائر التي ناضل من أجلها هو وجيله من المجاهدين والمناضلين…فالرجال الكبار لا تقاس قيمتهم بما أنجزوه في زمانهم فقط، وإنما أيضاً بقدرة الأجيال اللاحقة على صون ما دافعوا عنه وتطويره ومواصلة البناء عليه.
وعندما نستحضر اليوم القيم التي جسدها محمد الصديق بن يحيى؛ من سيادة وطنية، واستقلال في القرار، ووفاء للدولة، وإيمان بقدرة الجزائر على الاضطلاع بدور مؤثر في محيطها الإقليمي والدولي، فإننا نجد أن الجزائر تواصل منذ سنة 2019 مساراً متجدداً لإعادة بناء مقومات الدولة الوطنية وتعزيز حضورها ومكانتها.
فقد شهدت البلاد، تحت قيادة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، ورشات إصلاح عميقة مست مختلف جوانب الحياة الوطنية، انطلاقاً من إعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة وتعزيز شرعيتها الدستورية، مروراً بمراجعة الإطار الدستوري والتشريعي، وتدعيم استقلالية المؤسسات، وتحديث آليات الحوكمة العمومية، وصولاً إلى تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ومواجهة مختلف أشكال الفساد والانحراف في التسيير الإداري والمالي والمؤسساتي، ومعهم إيلاء ملف الذاكرة العناية التي تليق بالجزائر وشعبها من أجل صونها والارتقاء بها كأحد أهم ضمانات المستقبل الواعد المنشود.

رؤية شاملة لتوجيه بوصلة الجزائر نحو المستقبل

ولم تكن هذه الجهود مجرد إجراءات ظرفية، بل جاءت ضمن رؤية شاملة تهدف إلى توجيه بوصلة الجزائر نحو المستقبل، وترسيخ دولة عصرية تستند إلى الشرعية الشعبية، وقوة المؤسسات، وسيادة القانون.
وقد شكل تجديد الشعب الجزائري ثقته في رئيس الجمهورية خلال الاستحقاق الرئاسي لسنة 2024 تأكيداً على مواصلة هذا المسار، وعلى الإرادة الجماعية في استكمال مشروع التحديث الوطني وتعزيز المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الماضية.
فعلى المستوى الخارجي، استعادت الدبلوماسية الجزائرية زخماً وحضوراً يعكسان المكانة التاريخية للجزائر ودورها التقليدي في الدفاع عن السلم والحوار وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
ولعل المتأمل في هذه المسيرة يدرك أن الخيط الناظم بينها وبين الإرث النوفمبري الخالد ومنه إرث رجال من طراز محمد الصديق بن يحيى هو خيط واحد يتمثل في الإيمان بالدولة الوطنية القوية، والسيادة المستقلة، والدبلوماسية الفاعلة، والتنمية المرتكزة على خدمة المواطن وصون المصالح العليا للوطن.
لقد تغيرت الظروف وتبدلت التحديات، لكن جوهر الرسالة بقي واحداً: بناء جزائر قوية بمؤسساتها، واثقة في قدراتها، مستقلة في قرارها، حاضرة في محيطها، ومتمسكة بالمبادئ التي دفع من أجلها جيل نوفمبر أغلى التضحيات..والجزائر الجديدة المنتصرة بقيادة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، تعكس اليوم ذلك في جميع تجلياتها وحولياتها..
إن استحضار محمد الصديق بن يحيى اليوم ليس مجرد وفاء لرجل رحل، بل هو وفاء لقيم جسدها طوال حياته.
قيم السيادة الوطنية، وقيم استقلال القرار، وقيم نصرة القضايا العادلة، وقيم جعل الجزائر دائماً في الجانب الصحيح من التاريخ.
رحم الله الأخ المجاهد محمد الصديق بن يحيى، ورحم رفاقه الذين استشهدوا معه.
سيظل اسمه واحداً من الأسماء الخالدة في سجل الجزائر، وواحداً من الرجال الذين جعلوا من الدبلوماسية الجزائرية مدرسة قائمة بذاتها، ومن خدمة الوطن رسالة عمر لا تنتهي.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.
تحيا الجزائر

المقال السابق

رفع المستوى القتالي وجاهزية قوام المعركة

المقال التالي

العدد 20108

الشعب

الشعب

ذات صلة مقالات

الميكانيكا الكمومية  ثورة علمية أم قطيعة إبستيمولوجية؟
مساهمات

مــن كتــاب «يوميــات 2019-2022: استكشــاف لبعــض الرّهانـــات المعاصــرة»

الميكانيكا الكمومية ثورة علمية أم قطيعة إبستيمولوجية؟

30 جوان 2026
خوادم الذكاء الاصطناعي  تبتلـع الميـاه العذبـــة
مساهمات

بين رهانات التطور التكنولوجي وتحديات الاستدامة والاستقرار البيئي

خوادم الذكاء الاصطناعي تبتلـع الميـاه العذبـــة

26 جوان 2026
أي حـدود للذكـــاء الاصطناعــي؟
مساهمات

بــين قـــــوة الخوارزميـــــات وحتميـــــة المساءلــــة

أي حـدود للذكـــاء الاصطناعــي؟

26 جوان 2026
مساهمات

تحولت إلى بنية حصرية للحوسبة الفائقة

”إنفيديا”.. رحلة غيرت وجه التكنولوجيا

26 جوان 2026
الصحافة في خطر..
مساهمات

الذكـاء الاصطناعــي التوليــدي يقتحــم غـرف الأخبــار العالميــة

الصحافة في خطر..

20 جوان 2026
الثّقافـــة..  ســــؤال  الوجــــود
مساهمات

كينونــــــة تتجـــاوز المقاربــات الاختزاليـة

الثّقافـــة.. ســــؤال الوجــــود

19 جوان 2026
المقال التالي
العدد 20108

العدد 20108

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • الأولى
  • الحدث
  • الملفات الأسبوعية
  • الإفتتاحية
  • أعمدة ومقالات
  • صفحات خاصة
  • النسخة الورقية
  • أرشيف
023.46.91.87

جريدة الشعب 2025

لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
  • الأولى
  • الحدث
    • الوطني
    • المحلي
    • الرياضي
    • المجتمع
    • مؤشرات
    • الثقافي
    • الدولي
  • الملفات الأسبوعية
    • الشعب الدبلوماسي
    • الشعب الإقتصادي
    • الشعب الرياضي
    • الشعب المحلي
    • الشعب الثقافي
    • ملفات خاصة
  • الإفتتاحية
  • أعمدة ومقالات
    • مساهمات
    • حوارات
    • إستطلاعات وتحقيقات
  • صفحات خاصة
    • إسلاميات
    • صحة
    • ندوات
    • تاريخ
    • القوة الناعمة
    • فوانيس
    • علوم وتكنولوجيا
    • صوت الأسير
  • النسخة الورقية
    • أعداد خاصة
  • أرشيف
موقع الشعب يستخدم نظام الكوكيز. استمرارك في استخدام هذا الموقع ، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط. تفضل بزيارة سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط