سجل العملاق الأمريكي المتخصص في صناعة الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات “إنفيديا” (Nvidia)، حضورا متميزا ضمن فعاليات صالون الابتكار والتكنولوجيا العالمي “فيفاتيك” (VivaTech) المنظم بباريس، باستعراض مسار استثنائي انطلق من فكرة داخل مطعم متواضع بوادي السيليكون، ليصل إلى ريادة قطاع الذكاء الاصطناعي وتحقيق قيمة سوقية تاريخية، مدفوعا بثقافة مؤسساتية صارمة ترفع شعار التأهب الدائم لمواجهة الأزمات.
وتعود الجذور التأسيسية للمجمع العالمي إلى شتاء عام 1993، حيث تبلورت الفكرة الأساسية في مطعم “ديفيز” بمدينة سان خوزيه بولاية كاليفورنيا الأمريكية، على يد المهندسين الثلاثة جين-سون هوانغ، كريس مالاتشوسكي، وكورتيس بريم الذين طوّروا رؤية مشتركة ترمي إلى إحداث ثورة في الرسوميات الحاسوبية، وتكللت مسيرتهم – بعد ثلاثة عقود – بوضع لوحة تذكارية تكرم الموقع الذي شهد ولادة مؤسسة تجاوزت قيمتها السوقية عتبة الـ5000 مليار دولار في أكتوبر 2025.
وتواجه المجموعة المتواجد مقرها بـ«سانتا كلارا”، اتهامات وتدقيقا من هيئات مكافحة الاحتكار ومخاوف من فقاعة استثمارية، بالمقابل سجلت نتائجها المالية قفزة نوعية في الربع الأخير من العام، بتحقيق أرباح صافية بلغت 58.3 مليار دولار، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف النتائج المحققة خلال الفترة المماثلة من السنة المنصرمة، مستفيدة من الطفرة التي أحدثها إطلاق نظام “تشات جي بي تي” (ChatGPT) نهاية سنة 2022.
وتضمن المسار التاريخي للشركة محطات حرجة كادت تعصف بوجودها، ففي عام 1995، طرحت المؤسسة الناشئة أولى رقائقها “إن في 1” (NV1) المعتمدة على الأشكال الرباعية عوضا عن المثلثات الكلاسيكية المستخدمة في الرسوميات ثلاثية الأبعاد، وهي الإستراتيجية الهندسية التي لم تحظَ بقبول برمجيات ميكروسوفت والألعاب المعاصرة، ما وضع الشركة على حافة الإفلاس وجعل رئيسها التنفيذي جين-سون هوانغ يخوض مغامرة تجارية مع رئيس شركة “سيغا” اليابانية، شويشيرو إيريماجيري، للحصول على تمويل بقيمة 5 ملايين دولار أسهم في استمرار النشاط وتطوير الرقاقة الناجحة “ريفا 128” (Riva 128).
وشكل إطلاق منصة البرمجة “كودا” (Cuda) عام 2006 نقطة تحول استراتيجية قوبلت في البداية بفتور واضح من المستثمرين وتراجع لقيمة أسهم الشركة بنسبة 70 بالمائة، إلا أن المنصة فتحت آفاقا جديدة للباحثين والمبرمجين لاستغلال معالجات الرسوميات في الحسابات العلمية المعقدة، مثل النمذجة الجزيئية والفيزيائية، متجاوزة الاستخدامات التقليدية في ألعاب الفيديو.
وفي مطلع العقد الثاني من القرن الحالي، وتحديدا في سنة 2012، قاد الأب الروحي للذكاء الاصطناعي البروفيسور جيفري هينتون رفقة تلميذيه أليكس كريجيفسكي وإيليا سوتسكيفر طفرة علمية باستخدام بطاقتين من نوع “جي فورس” (GeForce) لتدريب الشبكة العصبية الاصطناعية “أليكس نت” (AlexNet)، ما أسفر عن نتائج باهرة في مسابقة “إيميج نت” (ImageNet) للتعرف على الصور، ودفع كبريات الشركات العالمية مثل “غوغل” إلى مراجعة خططها التكنولوجية والاعتماد على عتاد “إنفيديا”.
وأقرت المجموعة خيارا استراتيجيا حاسما في صيف 2013 بالتوجه الكامل نحو توفير البنية التحتية لمعالجة الشبكات العصبية، وتوجت هذه الجهود في عام 2016 بتقديم أول حاسوب فائق مخصص للذكاء الاصطناعي “دي جي إكس 1” (DGX-1)، وهو الجهاز الذي حظي باهتمام فوري من أقطاب التكنولوجيا، حيث بادر الملياردير إيلون ماسك بطلبه لصالح مشروع “أوبن إيه آي” (OpenAI) الناشئ آنذاك.
وتواصل الشركة تطوير عتادها التكنولوجي من خلال طرح أجيال متطورة من المعالجات والمنصات، مثل الرقاقة “إتش 100” (H100) ومعمارية “بلاك ويل” (Blackwell) وصولا إلى منصة “فيرا روبين” (Vera Rubin)، وسط نقاشات حادة وتساؤلات مستمرة من المنظمات البيئية بخصوص الاستهلاك العالي والمكثف للطاقة الكهربائية والموارد المائية التي تتطلبها مراكز البيانات الحديثة.





