ميلـود حكيــم: الشاعـر يحمــل ذاكـرة المنفى وأسئلـة الخـــلود
احتضنت قاعة مصطفى كاتب بالمسرح الوطني الجزائري محيي الدين بشطارزي، أول أمس، أمسية شعرية مميزة أحياها الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير، المدير العام لمعهد العالم العربي بباريس، بحضور مدير المسرح الوطني محمد يحياوي، وممثل عن وزيرة الثقافة والفنون، إلى جانب نخبة من الكتاب والمثقفين والشعراء ومحبي الكلمة الجميلة.
تحولت الأمسية التي نشطها الشاعر والأستاذ الجامعي ميلود حكيم إلى لحظة ثقافية استثنائية، استعادت ذاكرة شاعر ارتبط اسمه بتجربة شعرية عربية وإنسانية ممتدة لأكثر من خمسة عقود، كما أعادت الحنين إلى البلاد التي عاش فيها سنوات شبابه الأولى بين 1970 و1974.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد ميلود حكيم أن مثل هذه اللقاءات الثقافية، تتيح العودة إلى “نداء الأرواح” وإلى الشعر باعتباره بحثا دائما عما يفلت من اللغة ويظل صامتا في تفاصيل الحياة.
ووصف ضيف الأمسية بـ«الشاعر الرحالة” الذي ظل يحمل الجزائر في ذاكرته ويعود إليها باستمرار، باعتبارها إحدى المحطات المؤسسة في مساره الإنساني والإبداعي.
واستعرض ميلود حكيم المسار الثقافي والأدبي لشوقي عبد الأمير، المولود بمدينة الناصرية العراقية سنة 1949، والحاصل على الماجستير في الأدب المقارن من جامعة السوربون. كما توقف عند أبرز محطات حياته المهنية والثقافية بين الجزائر وباريس واليمن والعراق ومنظمة اليونسكو، فضلا عن دوره الحالي على رأس معهد العالم العربي بباريس.
كما أبرز القيمة الأدبية لتجربته الشعرية التي تضم أكثر من عشرين ديوانا شعريا، إلى جانب أعماله في الترجمة والبحث والسرد، مشيرا إلى أن شعره يستمد جذوره من الحضارات السومرية والبابلية القديمة ومن أساطير وادي الرافدين، حيث تتجاور في نصوصه شخصيات جلجامش وعشتار ونابو مع أسئلة الإنسان المعاصر حول الحرية والمنفى والهوية والخلود.
ورأى ميلود حكيم أن خصوصية تجربة شوقي عبد الأمير تكمن في عودتها المستمرة إلى النصوص الأولى المؤسسة للحضارة الإنسانية، وإلى الذاكرة العميقة للغة والشعر، معتبرا أن الشاعر نجح في بناء مشروع شعري متفرد جعله يحظى بحضور مميز في العالم العربي وأوروبا على حد سواء.
من جانبه، عبر شوقي عبد الأمير عن تأثره الكبير بالعودة إلى الجزائر، مؤكدا أن هذا البلد يحتل مكانة خاصة في وجدانه، وقال مخاطبا الحضور: “ثمة إحساس عميق بأن هذا المكان لا يشبه أي مكان في العالم العربي بالنسبة لي، هو عودة لسنوات طويلة، وهو حنين، وهو لقاء متصل وإن كان متباعدا”.
وخلال الأمسية قرأ الشاعر مجموعة من نصوصه التي تنتمي إلى مراحل مختلفة من مسيرته الشعرية، فاستهل اللقاء بقصيدة “السنين”، التي استحضر فيها أسئلة الزمن والغياب والكتابة والمنفى، قبل أن ينتقل إلى قصيدة “في الطريق إلى مسقط”، وهي نص تأملي كتبه قبيل عودته إلى العراق بعد سنوات طويلة من الاغتراب، حيث تتقاطع فيه أسئلة الرحيل والبحث عن المعنى والمصير.
كما ألقى الشاعر خلال هذه الأمسية قصائد متفرقة أبرزها” الطوفان”، وقصيدته الشهيرة “حديث القرمطي”، التي وصفها بأنها شكلت منعطفا في تجربته الشعرية، واستلهمها من ثورة “القرامطة” في القرن العاشر الميلادي، مستحضرا من خلالها قضايا التمرد والتغيير والسعي إلى بناء واقع عربي مختلف.
ولم تقتصر الأمسية على الشعر فقط، إذ تخللتها فواصل موسيقية قدمها عازف العود بغدادي سنسبيل، الذي رافق القراءات الشعرية بمجموعة من المعزوفات، من بينها “شرود” و«غزال جُرزُلي”، ما أضفى على اللقاء أجواء فنية مميزة جمعت بين الكلمة والنغم.
وفي تصريح خص به “الشعب”، أكد شوقي عبد الأمير أن “الأمة العربية أمة حية ومبدعة، والحياة والإبداع لا يتمان دون حرية”، وأضاف أن الحرية ليست حدثا عابرا أو منحة جاهزة، بل هي “تجربة وتربية وسيرورة” تحتاج إلى تراكم طويل حتى تؤتي ثمارها.
وعن عودته إلى الجزائر بعد سنوات طويلة، أبدى الشاعر سعادته بما لمسه من حيوية وأمل، قائلا: “أنا سعيد لأنني أرى الجزائر بلد ينبض بالحياة والأمل، وهذا شيء يثلج الصدر. سلام للجزائر التي تنهض كل يوم”.
كما تطرق إلى مشروع “كتاب في جريدة” الذي ارتبط باسمه لسنوات طويلة، معربا عن أمله في عودته مستقبلا بصيغ جديدة تتلاءم مع العصر الرقمي، مؤكدا أن النشر الورقي والرقمي يمكن أن يتكاملا لخدمة الثقافة والقراءة.
وفي ختام الأمسية، أشاد ميلود حكيم بالتجربة الشعرية العميقة لشوقي عبد الأمير، معتبرا أن ما قُدم للحضور ليس سوى جزء يسير من مشروع إبداعي واسع ومتنوع.
وتم بالمناسبة تكريم الشاعر العراقي من طرف ممثل وزيرة الثقافة والفنون، ميلود حكيم بمعية مدير المسرح الوطني محمد يحياوي، في لفتة احتفت بمسار أحد أبرز الأصوات الشعرية العربية المعاصرة، الذي عاد إلى الجزائر حاملا معه ذاكرة نصف قرن من الحنين، ومؤمنا بأن الثقافة تظل الجسر الأجمل بين الشعوب.






