تحل الذكرى الرابعة والستون لاسترجاع السيادة الوطنية، الموافق لـ 5 جويلية 1962، والجزائر تمضي بخطى ثابتة نحو ترسيخ الاستقلال الاقتصادي، من خلال تجسيد مشاريع إستراتيجية كبرى وعملاقة في البنية التحتية والمناجم والسكك الحديدية.
وتعكس هذه الإنجازات، التي تقودها الحكومة بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، انتقال البلاد من مرحلة استرجاع السيادة السياسية إلى مرحلة تكريس السيادة الاقتصادية، عبر بناء اقتصاد أكثر تنوعا وتنافسية، يرتكز على تثمين الثروات الوطنية، وتعزيز الربط بين مختلف جهات الوطن، والانفتاح على الأسواق الإفريقية والدولية.
وتواصل الجزائر تنفيذ واحدة من أكبر الورشات التنموية من خلال إنجاز مشاريع هيكلية أعادت رسم خريطة البنية التحتية الوطنية، وربطت الشمال بالجنوب والشرق بالغرب، في إطار رؤية إستراتيجية تجعل من شبكات النقل واللوجستيك ركيزة للتنويع الاقتصادي وتحقيق التوازن التنموي وتعزيز الاندماج الوطني، بما يرسخ مكانة الجزائر كمحور اقتصادي ولوجستي يربط أوروبا بإفريقيا.
وتقوم هذه الرؤية على استثمار الموقع الجغرافي المتميز للجزائر، وما تزخر به من ثروات طبيعية ومعدنية وزراعية، لإنشاء شبكة حديثة من السكك الحديدية والطرقات والمنشآت اللوجستية، تسمح بربط مناطق الإنتاج بمراكز التحويل والموانئ والأسواق، وتوفير الظروف الملائمة لرفع الإنتاج الوطني وترقية الصادرات خارج المحروقات.
50 مشروعا للبنية التحتية
كان رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، قد أكد أن الجزائر تواصل تنفيذ ما لا يقل عن 50 مشروعا رئيسيا في مجال البنية التحتية، ضمن إستراتيجية وطنية طموحة تهدف إلى تطوير الاقتصاد الوطني وتعزيز تنافسيته. وشدد على أن البنية التحتية أصبحت شرايين للتنمية ومفاتيح للتكامل الاقتصادي، وركيزة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وأجندة الاتحاد الإفريقي 2063.
كما تتوفر الجزائر على شبكة بنية تحتية متكاملة تضم 36 مطارا و45 ميناء، منها 20 ميناء تجاريا، بالإضافة إلى شبكة سكك حديدية هامة وشبكة طرقات واسعة وعصرية، مما يسمح بربط مختلف مناطق الوطن بمراكز الإنتاج والتصدير.
السكك الحديدية… رافعة للتنمية وربـط مناطـق الإنتاج
وضعت الجزائر قطاع السكك الحديدية في صدارة أولوياتها باعتباره الوسيلة الأكثر كفاءة لنقل الأشخاص والبضائع والمواد الأولية، والأداة الأساسية لربط مختلف مناطق الوطن، خاصة الولايات الجنوبية التي تعرف توسعا في الأنشطة الفلاحية والمنجمية والاستثمارية.
وفي هذا الإطار، يتقدم مشروع خط السكة الحديدية غارا جبيلات–بشار، الممتد على 950 كيلومترا، قائمة المشاريع الإستراتيجية، باعتباره الحلقة الأساسية لاستغلال واحد من أكبر مناجم الحديد في العالم، وربطه بالمناطق الصناعية وموانئ التصدير، بما يسمح بإنشاء سلسلة صناعية متكاملة في مجال الحديد والصلب، وتقليص فاتورة الاستيراد، وتعزيز الصادرات خارج المحروقات.
كما يشمل البرنامج الوطني إنجاز الخط المنجمي الشرقي الممتد على 420 كيلومترا بين ميناء عنابة ومنطقة جبل العنق بولاية تبسة، بما يسمح بنقل الفوسفات وربط المناجم بمنشآت التحويل والتصدير، في إطار سياسة ترتكز على تثمين الموارد المنجمية محليا ورفع قيمتها المضافة قبل توجيهها إلى الأسواق.
وفي هذا السياق، تتواصل أشغال خط الأغواط–غرداية–المنيعة، إلى جانب مشروع الجزائر–تمنراست الذي يعد من أكبر المشاريع الإستراتيجية باعتباره «مشروع القرن» بالنظر إلى امتداده الجغرافي وأبعاده الاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن مشروع المنيعة–تيميمون–أدرار الذي أمر رئيس الجمهورية بالشروع في تجسيده، بما يعزز ربط ولايات الجنوب بالشبكة الوطنية ويدعم الحركة الاقتصادية عبر مختلف المناطق.
المناجم… ركيزة للتصنيع وتنويع الاقتصاد
وتحتل المشاريع المنجمية مكانة محورية ضمن الرؤية الاقتصادية الجديدة، التي تقوم على تثمين الموارد الطبيعية محليا وتحويلها إلى مصدر للقيمة المضافة والصادرات خارج المحروقات.
وفي هذا الإطار، يشكل مشروع استغلال منجم غارا جبيلات أحد أكبر المشاريع الإستراتيجية، بالنظر إلى احتياطاته الضخمة من خام الحديد، وما يوفره من آفاق لإقامة صناعة وطنية متكاملة في مجال الحديد والصلب.
كما يندرج مشروع الخط المنجمي الشرقي الرابط بين ميناء عنابة ومنطقة جبل العنق بولاية تبسة ضمن هذه الرؤية، بما يضمن نقل الفوسفات نحو وحدات التحويل وموانئ التصدير، ويعزز تثمين الموارد المنجمية داخل الوطن بدل تصديرها في شكلها الخام.
وتنسجم هذه المشاريع مع التوجه الوطني الرامي إلى بناء قاعدة صناعية تعتمد على استغلال الإمكانات المنجمية، وربطها بشبكات السكك الحديدية والموانئ، بما يضمن تكامل مختلف حلقات الإنتاج والتحويل والتصدير، ويخلق ديناميكية اقتصادية جديدة تسهم في توفير مناصب الشغل، وتعزيز التنمية في ولايات الجنوب والهضاب العليا.
الربط بشبكات النقل
وتراهن الجزائر على تحويل ثرواتنا المنجمية إلى صناعة وطنية متكاملة، من خلال ربط المناجم الكبرى بشبكات السكك الحديدية والموانئ، بما يضمن تسهيل نقل المواد الأولية نحو وحدات التحويل والتصنيع، ثم توجيه المنتجات النهائية إلى الأسواق الوطنية والخارجية.
وفي هذا الإطار، يشكل مشروع غارا جبيلات الأهم في الإستراتيجية المنجمية الجديدة، خاصة مع بلوغ نسبة تقدم الأشغال في وحدة المعالجة الأولية لخام الحديد 95 بالمائة، بما يؤشر على اقتراب دخول المشروع مرحلة الإنتاج.
كما يمثل خط بشار–تندوف–غارا جبيلات منصة لوجستية متكاملة تربط الجنوب بالمراكز الصناعية في الشمال، وتوفر الظروف الملائمة لإنشاء صناعات تحويلية جديدة، وخلق آلاف مناصب الشغل، وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني، إلى جانب تقليص تكاليف النقل ورفع مردودية استغلال المناجم وتعزيز ربط المناطق الجنوبية بالحركية الاقتصادية الوطنية.
وتواكب مشاريع السكك الحديدية والطرق الكبرى جهودا متواصلة لتطوير البنية التحتية المينائية واللوجستية، بما يعزز قدرة الجزائر على استيعاب الحركة التجارية المتزايدة، ويدعم تنافسية الاقتصاد الوطني في الأسواق الإقليمية والخارجية.
ويأتي تحديث الموانئ وتوسيع قدراتها التشغيلية ضمن رؤية متكاملة تهدف إلى تقليص آجال نقل البضائع، وتحسين الخدمات اللوجستية، وربط الموانئ مباشرة بمناطق الإنتاج والشبكات الوطنية للنقل.
كما ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة في ظل ارتفاع الصادرات خارج قطاع المحروقات، حيث تشكل البنية التحتية الحديثة عاملا مهما في تسهيل انسياب السلع نحو الأسواق الخارجية، وتعزيز جاذبية الجزائر كوجهة للاستثمار والإنتاج.
وتعكس هذه المشاريع الهيكلية توجها استراتيجيا يقوم على الاستثمار طويل المدى في البنية التحتية باعتبارها ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي المستدام. كما تساهم في خلق ديناميكية اقتصادية جديدة تقوم على تثمين الموارد الوطنية محليا، ورفع القيمة المضافة، وتحقيق اندماج أكبر بين شبكات الإنتاج والتحويل والتسويق، بما يدعم تنافسية الاقتصاد الوطني ويعزز قدرته على مواجهة التحولات الاقتصادية الإقليمية والدولية.
وفي الذكرى الرابعة والستين لاسترجاع السيادة الوطنية، تبرز هذه الإنجازات بوصفها امتدادا لمسار بناء الدولة الجزائرية الحديثة، وتجسيدا لمرحلة جديدة عنوانها ترسيخ السيادة الاقتصادية، من خلال الاستثمار في المشاريع المهيكلة، وتثمين الثروات الوطنية، وتوسيع شبكات الربط الداخلي والقاري، بما يفتح آفاقا أوسع لتحقيق تنمية متوازنة ومستدامة، وتعزيز حضور الجزائر كقوة اقتصادية ناشئة فاعلة في المحيط الإقليمي والدولي.





