تحول قاري من سوق استهلاكي إلى قطب إنتاجي
البنية التحتية.. شرايين التكامل من الصحراء إلى لاغوس
كانت ولازالت الجزائر النبض الحيوي للقارة الأفريقية، لأنها استمرت في ذات النهج، حيث ارتقت بعلاقاتها مع دول القارة السمراء من تحرير الأرض إلى بناء المستقبل وشق مسارات التنمية عبر التبادل والتكامل الاقتصادي القاري. ويستند أكبر بلد إفريقي على إرث هام باعتبار أنه بالأمس، سطع كـ»مكة للثوار» وملاذ للأحرار، حيث قدمت الجزائر الغالي والنفيس لكسر قيود الاستعمار ومحو الفصل العنصري، مدافعة عن حق الشعوب في تقرير مصيرها. واليوم، تواصل مسيرة التحرر ببعد اقتصادي وتنموي طموح.
تتصدر الجزائر في الوقت الراهن مشهد التكامل القاري عبر مشاريع البنية التحتية الضخمة، والتموقع المالي، وتفعيل التجارة البينية. إنها تنتقل بذلك من تحرير الإنسان سياسيا إلى تحرير الاقتصاد وبناء سيادة تنموية شاملة، مقدمة للعالم نموذجا إيجابيا وملهما يثبت أن إفريقيا قادرة على صناعة ازدهارها ووحدتها بسواعد أبنائها.
وصفت الجزائر بالأمس بـ»مكة الثوار» بعد مساهمتها في تحرير الشعوب المستعمرة، وتردد آنذاك عرفانا بدورها الكبير، بأن المسلمين يحجون إلى مكة، والمسيحيين إلى الفاتيكان، أما الثوار فيحجون إلى الجزائر.
فقد تحولت العاصمة الجزائرية، فور نيل الاستقلال عام عقب ثورة نوفمبر المجيدة 1954-1962 إلى قبلة عالمية وقاعدة خلفية إستراتيجية لكل مناهضي الاستعمار، والتمييز العنصري، والإمبريالية في عالم الجنوب. وقد تجاوز الدعم الجزائري لحركات التحرر حدود الخطابات الدبلوماسية التقليدية ليتجسد في دعم مالي وعسكري ولوجستي مباشر ومحسوس، حيث وفرت الجزائر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ملاذا آمنا ودعما قويا لقادة غيروا مجرى التاريخ، وعلى رأسهم نيلسون مانديلا، وأميلكار كابرال، وسامورا ماشيل.
ولم يقتصر هذا الدور على الجانب الميداني، بل امتد إلى الدبلوماسية الدولية، حيث لعبت الجزائر دورا محوريا في طرد نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) في جنوب أفريقيا من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974، مكرسة ثوابتها في دعم حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو ما تجلى بوضوح في المواقف الثابتة تجاه القضية الفلسطينية والقضية الصحراوية، ومختلف قضايا التحرر في القارة الأفريقية والعالم.
أضخم المشاريع القارية
إن التحرر الحقيقي، كما تؤكد التجربة التاريخية والسياق المعاصر، لا يكتمل إلا بالسيادة الاقتصادية، وهو المبدأ الذي تقوده الجزائر اليوم كنموذج ملهم للعديد من الدول الأفريقية الساعية إلى فك قيود التبعية والخروج من دائرة الاستغلال الخارجي.
وبعد التبعية للمحروقات، تبنت الجزائر إستراتيجية جادة لتنويع مصادر الدخل عبر قطاعات حيوية كالفلاحة والصناعة، مما أسهم في قفز الناتج المحلي الإجمالي ليكسر حاجز 266 مليار دولار، محتلة المرتبة الثالثة على المستوى الأفريقي، في مؤشر يعكس إرادة وطنية واضحة في تحصين الاقتصاد الوطني من تقلبات الأسواق العالمية للمواد الخام.
ولا تقف هذه الرؤية عند الحدود الوطنية، بل تؤمن الجزائر بأن التحرر الاقتصادي للقارة يمر حتما عبر تعزيز التكامل البنيوي واللوجستي الداخلي، وهو ما تجسد في قيادتها لأضخم المشاريع القارية، وعلى رأسها الطريق العابر للصحراء الذي يمتد من الجزائر إلى لاغوس كشق طريق بري حيوي يربط شمال القارة بعمقها عبر النيجر ومالي ونيجيريا وتشاد، ومشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بأوروبا مرورا بالجزائر بما يعزز الأمن الطاقوي المشترك، بالإضافة إلى مد شبكات الألياف البصرية القارية التي تضمن السيادة الرقمية والاتصالية للدول الإفريقية.
رواق اقتصادي حيوي
ويتجلى هذا التوجه التنفيذي في قيادة الجزائر لأجندة تفعيل منطقة التجارة الحرة الأفريقية كخيار استراتيجي حتمي لرفع حجم المبادلات البينية لتقفز إلى الطموح المشترك، وذلك من خلال استضافة فعاليات قارية كبرى كمعرض التجارة البينية الأفريقية والصالون الأفريقي للأعمال، اللذين يهدفان إلى إبرام صفقات استثمارية وتجارية بمليارات الدولارات بين المتعاملين الأفارقة.
وترافق هذه الاستضافة بدفع دبلوماسي ومؤسسي نحو توحيد الأنظمة الجمركية، وتبني التحول الرقمي لتسهيل حركة رؤوس الأموال والسلع، وتوفير آليات تمويل مرنة بالتعاون مع البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد، في حين تم إطلاق مناطق تجارية حرة حدودية مع دول الجوار مثل موريتانيا ومالي والنيجر لخلق نقاط ارتكاز لوجستية تعفي المنتجات من القيود الجمركية التقليدية وتنعش المناطق الحدودية. كما تم تعزيز شبكة النقل البري والبحري والجوي عبر فتح خطوط جديدة تربط الجزائر بعواصم وقواعد اقتصادية افريقية مهمة كالسنغال والغابون وموريتانيا، بالتوازي مع العمل الدؤوب لتحويل الطريق العابر للصحراء من مسار جغرافي إلى رواق اقتصادي حيوي يربط الموانئ الجزائرية بالعمق النيجيري والأفريقي.
وفي إطار التموقع المالي والمؤسسي، خرجت المنظومة البنكية الجزائرية لأول مرة خارج الحدود الوطنية لتقديم الدعم المالي المباشر للمصدرين والمستثمرين، من خلال افتتاح فروع لبنوك وطنية كـ «البنك الجزائري» في السنغال و»بنك الاتحاد الجزائري» في موريتانيا، وهي خطوة إستراتيجية تذلل العقبات النقدية والمصرفية التي قد تعترض التجارة البينية وتسهل المعاملات المالية للمتعاملين الاقتصاديين.
مرجعية لقضايا العدل والسيادة
وتتماشى هذه الخطوة مع سياسة إقامة معارض مستدامة للمنتجات الجزائرية في العواصم الأفريقية لتقريب المنتج من المستهلك الأفريقي، وتعزيز سلاسل القيمة القارية التي تهدف إلى تصنيع المنتجات واستكمالها داخل القارة بالاعتماد على مواد أولية أفريقية، مما يحول الاقتصاد الإفريقي من استهلاكي إلى إنتاجي متكامل.
ولا يغفل هذا النموذج عن البعد الطاقوي والرقمي كأدوات تكامل أساسية، حيث تلعب الجزائر دورا محوريا في تأمين الطاقة
لجيرانها عبر تشييد محطات كهربائية جزائرية في دول شقيقة كتشاد بالتعاون مع مؤسسة سونلغاز، والمضي قدما في تجسيد مشروع القرن الضخم المتمثل في أنبوب الغاز العابر للصحراء، فضلا عن ربط شبكات الاتصالات عبر محور الألياف البصرية لتعزيز الاقتصاد الرقمي المشترك وتطوير التجارة الإلكترونية والخدمات الذكية بين الدول المستفيدة.إن المقاربة التنموية التي تقدمها الجزائر في الوقت الراهن، والتي تقوم على مبدأ المنفعة المتبادلة، تثبت أن اقتصادها الوطني وتنويعه منفتحان بقوة على الأسواق الإفريقية المجاورة، مما يحول القارة تدريجيا من سوق استهلاكية للمنتجات الأجنبية إلى قطب إنتاجي وتكامل حقيقي. ويذكر أن الجزائر التي كسرت بالأمس القيود العسكرية والاستعمارية عن القارة بكونها ملاذا للثوار وقاعدة للتحرر السياسي، تعمل اليوم على صياغة مفهوم جديد للتحرر قوامه الاستقلال الاقتصادي والتكامل القاري، مبرهنة بأرقامها ومشاريعها الميدانية ومبادراتها الرائدة أن قوة إفريقيا الحقيقية تكمن في سواعد أبنائها ومشاريعها المشتركة.




