تشهد شبكة الإنترنت العالمية تحوّلات تكنولوجية عميقة أثارت قلق الهيئات الرقابية والأكاديمية والفاعلين في قطاع الرقميات، جراء التدفّق المتسارع للمحتويات التوليدية الرديئة المنتجة عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهي الظاهرة التي باتت تعرف تقنيا بـ«النفايات الرقمية الاصطناعية” (AI slop)، مهدّدة بحدوث تحوّل جذري نحو شبكة ويب اصطناعية بالكامل تفتقر إلى الموثوقية والتفاعل الإنساني الطبيعي.
محمد لعرابي
وتسهم الأدوات التكنولوجية الحديثة التي تتيحها كبريات الشركات العالمية، وفي مقدمتها أداة “موز” (Muse) التابعة لمجموعة “ميتا”، في تيسير صناعة وتداول المواد السمعية والبصرية غير الأصيلة عبر منصات التواصل الاجتماعي الواسعة الانتشار مثل فيسبوك وواتساب وإنستغرام، وأدى هذا الانتشار إلى خفض تكلفة إنتاج مقاطع الفيديو المفبركة وأدوات التزييف العميق (Deepfakes) من آلاف الدولارات إلى مستويات متدنّية لا تتجاوز دولارات معدودة، الأمر الذي سرّع من وتيرة الجرائم الإلكترونية وعمليات انتحال الهوية وتزييف تقييمات المنتجات.
وتتجلى خطورة هذا المنحى التسارعي في التقارير المالية والأمنية الأخيرة، حيث تؤكد دراسة حديثة صادرة عن مؤسسة “سيرف شارك” المتخصّصة في الأمن السيبراني، أن حجم خسائر الاحتيال الرقمي عالميا قفز إلى عتبة قياسية بلغت 1.1 تريليون دولار خلال عام 2025، ويعزّز هذا الواقع المخاوف المرتبطة بما يصطلح عليه بـ«نظرية الإنترنت الميت”، حيث تتداول البرمجيات الآلية والروبوتات محتويات مصمّمة تلقائيا فيما بينها، محوّلة الفرد البشري إلى مجرد مشاهد سلبي في فضاء رقمي مغلق ومكرر.
وفي استقراء دقيق لتوجهات الرأي العام الرقمي وسلوكيات المتصفّحين، كشف استطلاع إحصائي موسّع أجرته مؤسسة “ريفرس لوك آب” أن نسبة 64 بالمائة من رواد الشبكة يسجلون تكرارا لافتا، ورداءة واضحة في المضامين المنشورة خلال السنتين الأخيرتين، ما دفع نسبة 42 بالمائة منهم إلى اتخاذ إجراءات حمائية حازمة قضت بحظر الحسابات المشتبه في اعتمادها على الإنشاء الآلي، في حين وثّق الاستطلاع ذاته، رغبة عارمة لدى فئة واسعة من المجتمعات الرقمية في التحرّر من التبعية الخوارزمية، حيث أبدت نسبة 61 بالمائة من الفئات المستطلعة عزمها على تقليص فترات تصفّحها اليومي للإنترنت، والعودة إلى الأنشطة الواقعية هربا من هذا الطوفان الاصطناعي المتدفّق.
وأمام هذا التلوث المعرفي الرقمي وتوقّع توليد ما يفوق 300 مليار صورة اصطناعية في المدى القريب، تواجه الشركات المطوّرة للذكاء الاصطناعي معضلة ندرة البيانات الإنسانية “النظيفة” اللازمة لتحديث خوارزمياتها، وسارعت مؤسسات رائدة مثل “غوغل” و«أوبن أيه آي” إلى إبرام شراكات واتفاقيات تجارية مجزية مع منصات تفاعلية مثل “ريديت” للاستفادة من تدفق النقاشات البشرية الحقيقية وتفادي تغذية نماذجها ببيانات اصطناعية مكرّرة تؤدي إلى انهيار دقة الأنظمة الذكية.
بدائل خالة من الذكاء الاصطناعي
في مقابل هذا التحوّل القسري نحو الأنظمة التوليدية، برزت حركية مضادة تقودها محركات البحث البديلة الرافضة للاندماج الكلي في المنظومة الذكية، حيث شهدت الساحة الرقمية اهتماما متناميا بخدمات محركات مستقلة بالتزامن مع قيام شركة “غوغل” بتعميم ميزة الإجابات التوليدية الملخصة (Overviews) في أكثر من 120 دولة مع نهاية شهر ماي المنصرم.
وترجم هذا الاهتمام المتزايد على شكل قفزات رقمية لافتة في أسواق التحميل والتصفّح، حيث سجلت منصة “إيكوزيا” الأوروبية نموا قياسيا في عمليات البحث داخل الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة بلغت 40 بالمائة خلال الأسبوع الأول فقط من شهر جوان المنصرم، توازيا مع قفزة نوعية أخرى بلغت 30 بالمائة في إجمالي تنزيلات تطبيق المحرك الحمائي “دك دك غو” عقب انعقاد المؤتمر السنوي لشركة غوغل وتدشينها للتحوّل الذكي الشامل، ما يعكس توجها جماهيريا متصاعدا نحو إيجاد بيئات بحثية مستقلة ونظيفة.
إن تحويل عملية البحث الكلاسيكية القائمة على التقصي النشط والروابط المتعدّدة إلى مجرد إجابة فريدة وملخصة تولدها الآلة، يكرس نمط الاستهلاك السلبي للمعلومة، والباحثون يتطلعون إلى تمكين المستخدم من حقه الأساسي في الاختيار وتصفّح الويب الأصلي دون قيود تفرضها الخوارزميات الاحتكارية.
محرك البحث البيئي “إيكوزيا”
ولتجسيد هذه المقاومة التقنية على أرض الواقع، أتاحت منصة “دك دك غو” لمستخدميها رابطا مخصّصا يحمل تسمية (noai.duckduckgo.com) يتكامل مع ملحقات برمجية متطورة تضمن حجب وإلغاء كافة الملخصات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بنقرة واحدة، وإعادة تقديم نتائج البحث التقليدية القائمة على الفهرسة البشرية والمصادر الإخبارية الموثوقة.
وفي السياق ذاته، اعتمد محرك البحث المستقل “موجيك” خيار الإقصاء الكامل للأنظمة الذكية والمحافظة على واجهة كلاسيكية مبسطة تعرض المراجع والروابط بصفة موضوعية ودون تدخل خوارزمي للتوليد أو التلخيص الذاتي، مؤكدا الالتزام بالقيم التعددية وحماية أمن البيانات الفردية.
تُثبت المؤشرات المتلاحقة في المشهد الرقمي أن المعركة الراهنة من أجل صون الهوية الإنسانية للشبكة العنكبوتية وحماية موثوقيتها قد بلغت مرحلة حاسمة من مراحل التحوّل التاريخي.. هذا المنعطف الجديد يتخذ طابع الصراع الوجودي الحقيقي حول طبيعة المعرفة البشرية ومصادرها، ويظهر هذا التحوّل بوضوح في تنامي الوعي الجماعي لدى مستخدمي الفضاء الرقمي بضرورة التصدي لمحاولات تنميط الفكر، والسعي الجاد لتخليص الفضاء السيبراني من الهيمنة الأحادية التي تسعى لفرضها الكيانات التكنولوجية الكبرى.
وتتجلى الحركية الرقمية الجديدة في الرفض المتزايد الذي تبديه فئات واسعة من المجتمعات الرقمية لكل أشكال الوصاية الاصطناعية التي تحاول خوارزميات التوليد الآلي فرضها على العقل البشري، فقد صار المستخدم يدرك خطورة الخضوع لتوجيه صامت يملي عليه ما يقرأ وكيف يفكر، وهو ما أفرز مقاومة فكرية واعية تعبّر عن نفسها من خلال مقاطعة المنصات التي تلغي الخصوصية الفردية وتصادر حرية الاختيار، ويأتي هذا السلوك كاستجابة طبيعية للدفاع عن الحق في الوصول إلى معلومة نقية ومستقلة، بعيدا عن التزييف والقولبة التي تمارسها أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وفي مقابل هذا الزحف التكنولوجي الممنهج، تسجّل البيئة الرقمية تمسكا قويا ومستمرّا بنماذج تصفّح أصيلة تقوم على احترام العقل الإنساني وتقدير كفاءته المعرفية الذاتية، ويفضّل ملايين الباحثين وصنّاع المحتوى العودة إلى قنوات البحث التقليدية والمصادر الأولية الموثقة، رغبة منهم في تتبّع مسارات التفكير البشري الحي الذي يحمل بصمة الوجدان والروح، ويشكّل هذا التوجّه إعلانا صريحا عن أهمية التفاعل البشري المباشر مع المعرفة، وضرورة إبقاء الإنسان محورا أساسيا في عملية إنتاج وتلقي المعلومات عبر الويب.
ويترتب على هذا التمسّك الحفاظ على حيوية التقصّي الإنساني الحر، وصون شغف الاستكشاف والفضول العلمي الذي ميز مسيرة المعرفة البشرية عبر العصور.. إن القيمة الحقيقية للبحث تكمن في الجهد الذي يبذله الفرد في التحليل والربط والمقارنة بين الأفكار المتناقضة، وهي عملية حية تمنح العقل مرونته وقدرته على الابتكار وصناعة الفارق، وتعدّ حماية هذا الشغف من التدخّل الخوارزمي ضمانة أساسية لاستمرار التطوّر الفكري الطبيعي للمجتمعات، وحماية الأجيال الناشئة من الوقوع في فخ الكسل المعرفي والاعتماد الكلي على إجابات جاهزة ومبرمجة مسبقا.
وتتكامل هذه الجهود المشتركة لتشكل جبهة دفاع متماسكة في مواجهة الاحتكار التكنولوجي الذي تمارسه الشركات العملاقة المسيطرة على البنية التحتية للإنترنت وسوق البرمجيات العالمية، من خلال السعي إلى إعادة توزيع القوة داخل العالم الرقمي، ودعم الحلول البرمجية مفتوحة المصدر، وتشجيع المبادرات التقنية المستقلة التي تحترم سيادة المستخدم على بياناته وعقله.
ويمثل هذا الالتزام الجماعي بالديمقراطية المعرفية السبيل الأوحد لبناء إنترنت أكثر عدلا وتوازنا، يحفظ للإنسان مكانته القيادية ويضمن بقاء الفضاء الرقمي ساحة رحبة للتنوّع والاختلاف البناء.




