اعتبر الباحث الأكاديمي والناقد السينمائي والمسرحي بجامعة تلمسان، الدكتور بدير محمد، أنّ الذكاء الاصطناعي يمثل واحدة من أهم الفرص في تاريخ السينما لظهور جيل جديد من صناع الأفلام، بعدما أعاد توزيع فرص الوصول إلى أدوات الإنتاج، ومكّن الشباب وطلبة السينما والمخرجين المستقلين من تحويل أفكارهم إلى مشاريع بصرية بتكاليف أقل وفي وقت أقصر، لكنه حذر، في المقابل، من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في تطور الذكاء الاصطناعي، وإنما في أن يتحول الإنسان إلى مجرد منفذ لاقتراحات الآلة.
أوضح الدكتور بدير أنّ الحكم على دور الذكاء الاصطناعي في السينما يرتبط أساسا بكيفية فهم الإبداع نفسه، مشيرا إلى أنه “إذا كان الإبداع يعني إنتاج أفكار جديدة أو تركيب عناصر بطريقة غير مألوفة، فقد يبدو الذكاء الاصطناعي شريكا في العملية الإبداعية، أما إذا كان فعلا إنسانيا نابعا من الوعي والذاكرة والتجربة والانفعال، فإنه يبقى أداة متطورة لا ترقى إلى مرتبة الشريك الحقيقي”.
وأضاف بدير في تصريح لـ “الشعب” أنّ السينما “ليست مجرد تجميع للصورة والصوت والمؤثرات، بل هي تعبير عن رؤية فكرية وجمالية تجاه الإنسان والعالم”، وأوضح أن المخرج “لا ينقل أحداثا فقط، وإنما يحول تجربته وذاكرته الشخصية والاجتماعية إلى خطاب بصري يحمل موقفا من الحياة والوجود”.
وأشار المتحدّث إلى أنّ الذكاء الاصطناعي “أصبح قادرا على المساعدة في مراحل متعددة من صناعة الفيلم، من كتابة مسودات السيناريو إلى اقتراح زوايا التصوير وتصميم الشخصيات وإنتاج المؤثرات البصرية”، مستشهدا بالفيلم القصير “Sunspring” الذي كتب سيناريوه نظام ذكاء اصطناعي، وبعدد من الأدوات الحديثة مثل “Sora” و«Runway” و«Google Veo”، لكنه أكد أن “هذه النماذج تثبت قدرة الآلة على تنفيذ المهام، وليس على إنتاج التجربة الإنسانية، معتبرا أن القيمة الحقيقية لهذه التقنيات تكمن في كونها امتدادا لقدرات الفنان لا بديلا عنه”.
وحذّر الناقد السينمائي من أنّ “فقدان الفنان لاستقلاليته الفكرية أمام الذكاء الاصطناعي قد يقود إلى أعمال متشابهة تفتقر إلى الخصوصية والرؤية”، مؤكّدا أن “العلاقة المثالية تقوم على التكامل، بحيث يقود الإنسان العملية الإبداعية، بينما يظل الذكاء الاصطناعي أداة توسع إمكاناته دون أن تصادر هويته الفنية”. وشدّد على أن “الإبداع السينمائي لا يقاس بقدرة الآلة على إنتاج الصورة، بل بقدرة الإنسان على إنتاج المعنى”.
وعن مستقبل الصناعة السينمائية، توقّع بدير أن يقود الذكاء الاصطناعي “تحولا عميقا قد يعيد تعريف مفهوم الإنتاج السينمائي بأكمله، من خلال تسريع مراحل الإنجاز وخفض التكاليف ومنح المخرجين المستقلين فرصا أكبر لتنفيذ مشاريع كانت مرتبطة سابقا بإمكانات الاستوديوهات الكبرى، فضلا عن فتح المجال أمام أشكال جديدة من السرد السينمائي”.
وفي المقابل، لفت إلى أنّ هذا التحول “يطرح تحديات قانونية وأخلاقية تتعلق بحقوق الملكية الفكرية وحماية صورة الفنان وصوته”، وضرب مثالا باستخدام “تقنيات الاستنساخ الرقمي لإعادة بناء وجه الممثل الراحل Peter Cushing في فيلم Rogue One: A Star Wars Story، وتجديد ملامح عدد من النجوم رقميا، وهي ممارسات تفتح النقاش حول حدود استخدام التكنولوجيا في المجال الفني”.
ودعا بدير مؤسسات التعليم السينمائي إلى “الجمع بين تعليم أدوات الذكاء الاصطناعي وترسيخ التفكير النقدي وأخلاقيات الممارسة”، وقال إن “المستقبل لن يكون لمن يمتلك أفضل خوارزمية، بل لمن يمتلك أفضل فكرة، وأصدق رؤية، وأعمق فهم للإنسان”.







