النقـــل واللوجستيـــــك والمناجــم قاطــرة اقتصــاد المستقبـــل
أكد الخبير الاقتصادي، بوشيخي بوحوص، أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية، تقوم على إنجاز مشاريع هيكلية كبرى في مجالات النقل، اللوجستيك والصناعة المنجمية، معتبرا أن هذه المشاريع لا تقتصر على تطوير البنية التحتية، بل تهدف إلى تحويل الجزائر إلى منصة إقليمية للتجارة والاستثمار تربط بين أوروبا وإفريقيا وآسيا.
أوضح بوحوص في تصريح لـ «الشعب»، أن الدولة شرعت في تنفيذ برنامج واسع لتوسيع شبكة السكك الحديدية، يشمل إنجاز أكثر من 6000 كيلومتر من الخطوط الجديدة، من بينها خط بشار-تندوف عبر بني عباس الذي تم استلامه، إضافة إلى خط شرق البلاد الذي يربط بئر العاتر وتبسة وسوق أهراس وعنابة، والذي يوجد في مراحله الأخيرة.
وأضاف أن المشروع الأبرز يتمثل في الخط الاستراتيجي الرابط بين الجزائر العاصمة وتمنراست على مسافة تقارب 2300 كيلومتر، حيث انطلقت الأشغال والدراسات في عدة مقاطع، ليشكل مستقبلا شريانا اقتصاديا يربط شمال البلاد بجنوبها، ويفتح المجال لربط الجزائر بدول الساحل وإفريقيا.
وأشار إلى أن هذه الشبكة ستتعزز أيضا بخط يربط عنابة بالحدود الجزائرية الليبية وصولا إلى غدامس ثم النيجر وتشاد، وهو ما سيسهل نقل البضائع والثروة الحيوانية والقطن والمواد الأولية بين الجزائر وعمقها الإفريقي، وأوضح أن هذا الامتداد يعزز الربط اللوجستي بين الجزائر والدول الإفريقية، ويفتح آفاقا أوسع للتبادل التجاري وتنقل السلع عبر الممرات البرية نحو أسواق القارة.
وفي السياق ذاته، أبرز الخبير الاقتصادي أن مشروع الطريق السيار الصحراوي، الممتد على أكثر من 2400 كيلومتر بين الجزائر العاصمة وتمنراست، يعد من أكبر المشاريع الاستراتيجية، موضحا أنه سيكون طريقا مزدوجا بثلاثة مسارات، مزودا بمحطات خدمات عصرية كل مائة كيلومتر، مع تشجير جانبيه للحد من زحف الرمال، فضلا عن إنشاء فضاءات دائمة لعرض وتسويق المنتجات الوطنية.
وأكد أن هذا الطريق، لن يكون مجرد مرفق للنقل، بل ممرا دوليا يربط أوروبا وإفريقيا، ويمنح الجزائر مكانة محورية في سلاسل الإمداد والتجارة العالمية، بفضل موقعها الجغرافي وموانئها الكبرى.
وأوضح بوحوص أن تطوير شبكات النقل سيقضي على مشكلة كساد المنتجات الفلاحية، من خلال تسهيل نقل الفائض إلى المناطق التي تعرف نقصا، مما يساهم في تقليص الخسائر وتحسين مردودية الإنتاج الوطني.
وأضاف أن دول إفريقيا تزخر بموارد طبيعية مهمة، على غرار الثروة الحيوانية والكاكاو والقطن والمعادن النادرة، مؤكدا أن مرور هذه المنتجات عبر الجزائر سيقلص تكاليف النقل نحو الأسواق الأوروبية والعالمية، ويمنح جميع الأطراف مكاسب اقتصادية وفق مبدأ «رابح-رابح».
كما أشار إلى أن الجزائر ستستفيد بدورها من ارتفاع حركة العبور عبر موانئها، لاسيما موانئ الجزائر العاصمة وجن جن ووهران وعنابة، وهو ما سينعكس على خلق مناصب شغل جديدة وتوسيع النشاط اللوجستيكي وزيادة الصادرات الوطنية.
وفي جانب آخر، أكد الخبير أن تطوير المبادلات التجارية مع دول الساحل يتطلب تحديث وسائل الدفع، مشيرا إلى أن دخول البنوك الجزائرية إلى هذه الأسواق واعتماد الحلول الرقمية سيسمح بالانتقال من نظام المقايضة إلى تجارة حديثة تعتمد على التحويلات الإلكترونية والبطاقات البنكية، بما ينسجم مع الاتفاقيات الاقتصادية الإفريقية.
وعلى صعيد آخر، اعتبر بوحوص أن مشروع تطوير صناعة الفوسفات يمثل أحد أهم رهانات الاقتصاد الوطني، موضحا أن الجزائر تمتلك احتياطات ضخمة في منطقة جبل العنق تفوق 4 مليارات طن، وهو ما يؤهلها لتصبح من أبرز المنتجين العالميين للأسمدة الفوسفاتية.
وأوضح أن القيمة المضافة الحقيقية لا تكمن في تصدير الفوسفات الخام، بل في تحويله إلى أسمدة ومخصبات، حيث لا يتجاوز سعر طن الفوسفات الخام نحو 100 دولار، بينما قد تتجاوز قيمة طن الأسمدة 800 دولار، وهو ما يرفع العائدات بشكل كبير.
وأشار إلى أن الجزائر تعمل على إقامة صناعة متكاملة تشمل الاستغلال والتحويل والتخزين والنقل والتصدير، مع استقطاب شركاء دوليين من سلطنة عمان والهند والصين وإندونيسيا لإنجاز مشاريع مشتركة ونقل التكنولوجيا وتعزيز الاستثمار في هذا القطاع.
وشدد بوشيخي على أن نجاح هذه المشاريع يتطلب الاعتماد على الكفاءات الوطنية، داعيا إلى ربط قطاع المناجم بالجامعات ومراكز البحث ومعاهد التكوين المهني، والاستفادة من خبرات الباحثين الجزائريين داخل الوطن وخارجه، وأكد أن بناء صناعة منجمية قوية ومستدامة يمر عبر الاستثمار في التكوين والبحث العلمي.
وأشار الخبير الاقتصادي ختاما، إلى المجلس العلمي للجالية العلمية الوطنية بالخارج، الذي جاء تنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية، يمثل خطوة مهمة لتعبئة الخبرات الوطنية ونقل التكنولوجيا الحديثة، مؤكدًا أن الاستثمار في العنصر البشري، إلى جانب إنجاز المشاريع الكبرى، يمثل الركيزة الأساسية لبناء اقتصاد وطني متنوع ومستدام، قادر على مواكبة التحولات الاقتصادية وخلق فرص تنموية حقيقية. فتنمية الكفاءات وتأهيل الموارد البشرية تعدان المحرك الرئيس لتعزيز الإنتاجية ورفع مستوى التنافسية في مختلف القطاعات.
وأوضح أن نجاح برامج التنمية لا يقاس بحجم المنشآت والمرافق المنجزة فحسب، بل بقدرتها على صناعة الإنسان وتمكينه من المساهمة الفاعلة في مسار التنمية، من خلال توفير التعليم والتكوين والتأهيل المهني، بما يواكب متطلبات سوق العمل ويستجيب لتحديات المستقبل.
وأضاف أن الجمع بين الاستثمار في البنية التحتية والاستثمار في رأس المال البشري يشكل معادلة متكاملة لتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ أسس اقتصاد متنوع أقل اعتمادًا على الموارد التقليدية، وأكثر قدرة على الابتكار وخلق الثروة وتحسين مستوى معيشة المواطنين.





