حـوار سياسي وتعـاون اقتصــادي ومعالجـة التحديــــات الأمنيـة
تعمل الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، على تعزيز حضورها في إفريقيا من خلال تحركات تجمع بين الحوار السياسي والتعاون الاقتصادي والمساهمة في معالجة التحديات الأمنية، إلى جانب توسيع التبادل العلمي وتكوين الطلبة الأفارقة. يأتي ذلك في وقت تباشر اليوم مهمتها في قيادة مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي طيلة شهر أوت الجاري.
استقبل وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف خلال هذه الأيام، سفير جمهورية مالي لدى الجزائر، محمد أماغا دولو، الذي أدى له زيارة مجاملة عقب استئناف مهامه في الجزائر. وخصص اللقاء لبحث علاقات الأخوة وحسن الجوار بين البلدين وسبل تعزيزها وتوطيدها.
ويؤكد استئناف السفير المالي مهامه عودة الحركية إلى العلاقات الثنائية، بالنظر إلى أهمية التواصل بين بلدين تربطهما حدود مشتركة وعلاقات تاريخية واجتماعية، إلى جانب مواجهتهما تحديات متقاربة في منطقة الساحل. كما أن استقرار مالي يمثل عاملا أساسيا بالنسبة لأمن المنطقة ككل، وهو ما يجعل التنسيق بين الجزائر وباماكو ضروريا لمعالجة الملفات الأمنية والسياسية والتنموية في منطقة الساحل الافريقي.
وتتمسك الجزائر في تعاملها مع أزمات الساحل بالحوار والحلول السياسية، مع احترام سيادة الدول ووحدتها الترابية، ورفض الخيارات التي توسع دائرة النزاعات التدخلات العسكرية. كما تدافع عن معالجة أسباب عدم الاستقرار، من خلال دعم التنمية وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للسكان، بالتوازي مع مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار غير الشرعي بالأسلحة والمخدرات.
وفي سياق متصل، تتجه العلاقات الجزائرية التشادية نحو توسيع التعاون في قطاع المناجم والصناعة المنجمية، فقد جدد وزير المناجم والصناعة المنجمية، مراد حنيفي، التزام الجزائر بوضع خريطة طريق عملية تضمن تنفيذ التوافقات القائمة بين البلدين، خلال جلسة إحاطة وحوصلة نظمت عقب زيارة وفد من وزارة المناجم والبترول والجيولوجيا التشادية إلى الجزائر دامت خمسة أيام.
وأكد حنيفي استعداد الجزائر مشاركة خبراتها المؤسساتية والتقنية مع تشاد، بما يجسد إرادة قيادتي البلدين في إقامة تعاون اقتصادي قوي ومتكامل، كما سمحت الزيارة للوفد التشادي بالاطلاع ميدانيا على طرق عمل الهيئات والمؤسسات الجزائرية الناشطة في القطاع المنجمي، وبحث مجالات التكوين ونقل الخبرة والاستفادة من التجربة الجزائرية في تسيير الموارد المنجمية.
الوقاية من الأزمات قبل توسعها
وعلى المستوى القاري، تستعد الجزائر أن تتولى ابتداء من الفاتح أوت القادم الرئاسة الدورية لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، ضمن التزاماتها بالدفاع عن أهداف الاتحاد، وفي مقدمتها تحقيق السلم والأمن، وتسوية النزاعات بالطرق السلمية وتعزيز التضامن والعمل الإفريقي المشترك.
وأعدت الجزائر برنامجا يقوم على ثلاث أولويات ومحاور رئيسية، تتمثل في تقييم وضع السلم والأمن في القارة من مختلف الجوانب، ومعالجة بؤر الأزمات من خلال الحضور الميداني، إلى جانب تحسين التنسيق بين مجلس السلم والأمن وبقية أجهزة الاتحاد الإفريقي.
ويتضمن البرنامج 12 اجتماعا، منها تسعة على مستوى السفراء، فضلا عن مهمة ميدانية، مع تخصيص اجتماعات لقضايا الأمن والحوكمة وحقوق الإنسان والتنمية الاجتماعية والاقتصادية. ويهدف هذا التحرك إلى جعل مجلس السلم والأمن أكثر قدرة على متابعة الأزمات واتخاذ إجراءات عملية بدل الاكتفاء بتسجيل المخاطر بعد تفاقمها.
كما تركز الجزائر على تطوير نظام الإنذار المبكر القاري، وربطه باستجابة سريعة تسمح بمنع النزاعات قبل توسعها. وفي هذا الإطار، سيجتمع المجلس مع المركز الإفريقي للدراسات والبحوث حول الإرهاب، وآلية التعاون الشرطي الإفريقي «أفريبول»، والهيئات المعنية بالإنذار المبكر والتقييم، لبحث الوسائل التقنية والمؤسساتية التي تساعد على الانتقال من رصد التهديدات إلى التحرك الميداني.
وكان مجلس السلم والأمن قد أكد، خلال الرئاسة الجزائرية للمجلس في أوت 2025، أهمية تعزيز نظام الإنذار المبكر ومواجهة المخاطر المرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة والتغييرات غير الدستورية للحكم والتهديدات الإلكترونية والمعلومات المضللة. كما دعا إلى تحسين التعاون بين أجهزة الاتحاد الإفريقي والدول الأعضاء لمنع الأزمات قبل تحولها إلى نزاعات مفتوحة.
كذلك، ستبحث اللجنة الفرعية لمجلس السلم والأمن المعنية بمكافحة الإرهاب المبادئ الخاصة بإدراج الأفراد والكيانات في القوائم ورفعها منها، تنفيذا لإحدى التوصيات المرتبطة بمهمة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، بصفته رائد الاتحاد الإفريقي في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف.
وتعكس هذه الأولويات تمسك الجزائر بمبدأ “الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية”، وبناء أدوات قارية قادرة على التعامل مع الأزمات دون ترك المجال أمام تدخلات خارجية لا تراعي دائما مصالح دول القارة. كما تعمل الجزائر على تحسين التنسيق بين مجلس السلم والأمن والدول الإفريقية الأعضاء في مجلس الأمن الأممي، حتى تكون المواقف القارية حاضرة بصورة أوضح داخل الهيئة الأممية. وقد أكد المجلس سابقا ضرورة تقوية هذا التنسيق وضمان التعبير عن المواقف الإفريقية المشتركة في القضايا المتعلقة بأمن القارة.
الجامعة جسر للتعاون الإفريقي
ويمتد الحضور الجزائري في إفريقيا إلى مجال التعليم العالي، حيث كشف وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، أن منصة “أدرس في الجزائر” استقطبت أكثر من 1500 طالب دولي جديد من 34 دولة.
ويسمح استقبال الطلبة الأفارقة بتوسيع الإشعاع العلمي والحضور الثقافي للجامعة الجزائرية، إلى جانب بناء علاقات دائمة مع الأجيال الجديدة في دول القارة، كما أن توفير التكوين في تخصصات الطب والهندسة والتكنولوجيا والعلوم الاقتصادية يمكن أن يساهم في دعم القدرات البشرية الإفريقية وتعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحث. وتجمع المقاربة الجزائرية في إفريقيا بين عدة مكونات ومستويات منها الدبلوماسية والأمن والاقتصاد والتعليم، وهي مجالات مترابطة، لأن استقرار القارة يحتاج إلى الحوار السياسي، لكنه يحتاج أيضا إلى مشاريع إنتاجية وتكوين بشري ومؤسسات قادرة على الوقاية من النزاعات ومعالجة أسبابها.





