الاقتصاد الجزائري.. طفرة نوعية بالانتقال إلى النموذج التنموي المتعدّد الموارد
الاستقلالية المالية والتحول الطاقوي.. أوراق قوية في معادلة الاقتصاد العالمي
تقدمت الجزائر في مسارها الاقتصادي ونهضتها التنموية بشكل لافت، وتحولت إلى فاعل اقتصادي هام على الصعيد الإقليمي، لتحتل مكانة بارزة على خارطة التنمية القارية، واستندت في ذلك إلى رؤية استراتيجية متبصّرة وتوجيهات دقيقة وحكيمة من طرف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، وينتظر أن يقودها هذا المسار الاستثنائي والتاريخي إلى بناء مستقبل زاهر، وفي غضون الخمس سنوات المقبلة التغيير الإيجابي سيكون كبيرا ومرسّخا بشكل عميق.
استندت الجزائر المنتصرة في انطلاقتها القوية إلى شراكات نوعية عكست ثقة متنامية في قدراتها وإمكاناتها، كما جسّدت ملامح تحول هيكلي عميق بدأ ينقل الاقتصاد الجزائري إلى نموذج تنموي متعدّد الموارد، يضعها في مصاف الدول الناشئة خلال السنوات القليلة المقبلة، وهو طموح تدعمه معطيات ميدانية ومؤشّرات ملموسة ستجعل من هذا المسار حقيقة مترجمة بذكاء على أرض الواقع.
إنّ الرّكيزة الأولى لهذا التحول التنموي، تتمثل في الإرادة الواضحة لتنويع مصادر الدخل الوطني ورفع حجم الصادرات خارج المحروقات، عبر تفعيل قطاعات الفلاحة والصناعات الصيدلانية ومواد البناء والمنتجات التحويلية، بما يحرّر الاقتصاد من التبعية التاريخية لإيرادات النفط والغاز. ويتكامل هذا التوجّه مع رهان استراتيجي آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تحقيق الأمن الغذائي من خلال استثمارات زراعية ضخمة، خاصة في ولايات الجنوب تستهدف إنتاج المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والذرة والنباتات الزيتية، إلى جانب تطوير سلاسل إنتاج الحليب والزراعات التحويلية، في مسار يحد تدريجيا من فاتورة الاستيراد ويمنح الجزائر سيادة غذائية تعزّز استقلال قرارها الاقتصادي والسياسي على حدّ سواء.
آفـــــاق تجاريــــــة نحـــــو العمــــق الإفريقـــــي
يمكن تشريح أبعاد هذه النهضة التنموية، من خلال الوقوف على المشاريع التعدينية الكبرى التي أطلقتها الجزائر المنتصرة، والتي تمثل نقلة نوعية في استغلال الثروات الباطنية. فمشروع منجم غارا جبيلات للحديد بولاية تندوف، الذي سيغذي مركّب بلارة ومركّب طوسيالي مع تصدير الفائض نحو الأسواق الخارجية، ومشروع الفوسفاط المدمج بشرق البلاد في تبسة وسوق أهراس لتطوير صناعة الأسمدة، إلى جانب استغلال منجم الزنك والرصاص بوادي أميزور ببجاية، كلها ورشات كبرى ستجعل من الجزائر قطبا صناعيا وتعدينيا إقليميا، وتوفّر عشرات الآلاف من مناصب الشغل التي تمتص البطالة وتدمج الشباب في دينامكية اقتصادية حقيقية.
ومن أجل نجاح هذه المشاريع، يعكف في الوقت الراهن على استكمال بناء بنية تحتية حديثة وشبكة لوجستية قادرة على ربط مواقع الإنتاج بمراكز التوزيع وأسواق التصدير، ومن بينها الجهود الجارية، بهدف توسيع شبكة السّكك الحديدية لربط الشمال بمناطق التعدين في أقصى الجنوب، واستكمال الطريق العابر للصحراء، الذي يفتح آفاقا تجارية واسعة نحو العمق الإفريقي، وتطوير الموانئ وتحديث الخدمات اللوجستية. وهذا الربط البري والبحري يخدم الاقتصاد الوطني، وفي نفس الوقت يعزّز تموقع الجزائر كبوابة هامة بين أوروبا وإفريقيا، ويعمّق دورها كجسر تجاري واستثماري في فضاء جيوسياسي يشهد تنافسا متزايدا على الممرات التجارية.
أوراق قويــــــــــــــــــــة..
يشكّل قانون الاستثمار الجديد وتفعيل الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، إشارة قوية على عهد جديد فُتح فيه المجال أمام المستثمرين المحليّين والأجانب، في إطار شفاف ومحفّز، ويتعزّز هذا المسار برقمنة قطاعات المالية والضرائب والجمارك وأملاك الدولة، وبدعم متنام للمؤسّسات الناشئة والمؤسّسات المصغّرة، التي تمثل رافعة للابتكار وإدماج الكفاءات الشابة. وهذه الإصلاحات مجتمعة تبعث برسالة واضحة إلى الشركاء الدوليّين مفادها أنّ الجزائر تحوّلت إلى بيئة أعمال تنافسية وموثوقة.
ويكتسب هذا التحول الاقتصادي بعدا استراتيجيا على ضوء الحفاظ على التوازنات المالية وتجنّب اللّجوء إلى الديون الخارجية، وهو خيار يمنح القرار الجزائري استقلالية كاملة، وفي نفس الوقت، تواصل الجزائر تعزيز دورها كمورد موثوق للغاز الطبيعي في الأسواق العالمية، مع انفتاح طموح على برامج الطاقات المتجدّدة والهيدروجين الأخضر، ما يجعلها شريكا لا غنى عنه في معادلة التحول الطاقوي العالمي، ويمنحها أوراق تفاوض قوية في المحافل الدولية.
إنّ القراءة المتأنية في مجموع هذه المعطيات تكشف أنّ الجزائر تبني مستقبلا متكاملا تتقاطع فيه الأبعاد الاقتصادية والجيوستراتيجية والاجتماعية. فالشراكات التي بنتها الجزائر هي اعتراف بأنها تمتلك مقوّمات القوة الصاعدة، من ثروات طبيعية هائلة، موقع جغرافي محوري، استقرار مالي، وإرادة سياسية قوية للتحول. ومن هذا المنطلق، تبدو مكانة الجزائر المرتقبة إقليميا ودوليا واعدة إلى حدّ بعيد، كقطب فاعل، يفرض حضوره في عالم يتّجه بثبات نحو إعادة توزيع مراكز الثقل الاقتصادي





