تتجه العلاقات الجزائرية-المالية نحو مرحلة جديدة من استعادة التنسيق وتوسيع التعاون، بعد أن أكد الوزير الأول المالي، اللواء عبد الله مايغا، وجود «تطابق تام في وجهات النظر» بين رئيس المرحلة الانتقالية في مالي، ورئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، ويعكس هذا التصريح توجها واضحا في باماكو نحو إعطاء دفع جديد للعلاقات مع الجزائر، على أساس احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وتكتسب تصريحات مايغا أهميتها بالنظر إلى طبيعة العلاقة بين البلدين اللذين تجمعهما حدود طويلة وتشابك أمني واجتماعي واقتصادي يجعل التعاون بينهما ضرورة تتجاوز طبيعة الظرف السياسي، فاستقرار مالي يرتبط بصورة مباشرة بأمن المنطقة الحدودية وبالوضع العام في الساحل، كما أن الجزائر تظل بالنسبة إلى مالي جارا أساسيا وفاعلا إقليميا لا يمكن تجاوزه أو القفز عليه ويمتلك خبرة طويلة في التعامل مع ملفات المنطقة ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
وفي هذا السياق، جاء الاتصال الهاتفي الذي أجراه الوزير الأول سيفي غريب، بتكليف من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، مع نظيره المالي عبد الله مايغا، ليترجم هذه الإرادة إلى مستوى سياسي وعملي، فقد جدد الطرفان التمسك بعلاقات الأخوة والتضامن وحسن الجوار، إلى جانب الإرادة المشتركة لإضفاء ديناميكية جديدة على العلاقات الثنائية وإعادة بعث التعاون في مختلف المجالات، كما وجه الوزير الأول دعوة رسمية إلى نظيره المالي للقيام بزيارة عمل إلى الجزائر.
وتبرز أهمية هذا المسار في أن البلدين لا ينظران إلى العلاقة الثنائية بمعزل عن المحيط الإقليمي، فقد أكد الجانبان تطلعهما إلى تعزيز مكانة منطقة الساحل باعتبارها فضاء للتعاون والتبادل والتنمية المشتركة في بيئة يسودها الأمن والاستقرار. وتعيد هذه المقاربة وضع التعاون الاقتصادي والتنموي إلى جانب التنسيق الأمني، لأن التحديات التي تواجه الساحل لم تعد قابلة للمعالجة من زاوية أمنية فقط.
أمـن الساحـل يفــرض توسيـع التعاون
ويأتي التقارب الجزائري-المالي في وقت تواجه فيه منطقة الساحل ضغوطا أمنية وإنسانية متزايدة، وفي إحاطة قدمها الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لغرب إفريقيا والساحل، ليوناردو سانتوس سيماو، أمام مجلس الأمن في شهر جويلية الماضي، أكد أن التهديد الذي تمثله الجماعات الإرهابية والمسلحة لا يزال مرتفعا، خاصة في الساحل الأوسط، مع تزايد الترابط بين النشاط الإرهابي والجريمة المنظمة العابرة للحدود وتجارة المخدرات، كما أشارت الأمم المتحدة إلى أن نحو 6.8 ملايين شخص كانوا نازحين داخليا في المنطقة حتى نهاية فيفري، فضلا عن قرابة 1.28 مليون لاجئ وطالب لجوء.
وتكشف هذه الأرقام أن التعاون بين دول المنطقة ليس خيارا مرتبطا فقط بتحسين العلاقات السياسية، وإنما أصبح جزءا من متطلبات التعامل مع تهديدات تتحرك عبر الحدود، فالجماعات الإرهابية تطور أساليبها وتستفيد من شبكات التهريب والجريمة المنظمة والتكنولوجيا الحديثة، في وقت تمتد فيه تداعيات عدم الاستقرار من الأمن إلى الاقتصاد والهجرة والأمن الغذائي والخدمات الأساسية.
وأكدت الأمم المتحدة في تقييمها الأخير أن المنطقة تشهد في الوقت نفسه عودة زخم الحوار والتعاون بين دولها، إلى جانب تنامي دور الاتحاد الإفريقي في تقريب المواقف وتعزيز الاتصالات مع مالي وبقية دول الساحل.
وبالنسبة للجزائر، يتقاطع هذا التحرك الثنائي مع نشاطها على المستوى القاري من خلال رئاستها لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي خلال شهر أوت الحالي. وقد خصص المجلس اجتماعا لتطورات الأوضاع في الساحل، تناول الجوانب السياسية والأمنية والإنسانية والاقتصادية، إلى جانب سبل مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتعزيز أمن الحدود وتبادل المعلومات.
ويكتسب هذا المسار أهمية إضافية لأن الجزائر تدفع باتجاه مقاربة إفريقية تقوم على تعزيز الحوار مع دول الساحل واحترام سيادتها، مع معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية لعدم الاستقرار أي « الأمن من خلال التنمية « وهي رؤية تتفق مع التقييمات الأممية التي تؤكد أن الحلول الأمنية وحدها لا تكفي، وأن الاستقرار المستدام يحتاج كذلك إلى الاستثمار في التنمية والخدمات وفرص العمل وتقوية مؤسسات الدولة، كما أن تطور العلاقات بين الجزائر ومالي يمكن أن يفتح المجال أمام استعادة مستويات أوسع من التعاون الاقتصادي والتبادل والتنسيق الحدودي، خاصة وأن المناطق الجنوبية للجزائر والشمالية لمالي ترتبط تاريخيا بحركة بشرية وتجارية تجعل استقرار الحدود مصلحة مشتركة للطرفين.
إن إعلان باماكو عن التقارب في وجهات النظر يحمل مؤشرات إيجابية لعودة التنسيق وتجنب فرض مقاربات تجاوزها الزمن وترفضها الجزائر، لاسيما وأن التنسيق بين الجزائر ومالي، ضروري من أجل بناء تعاون إقليمي أكثر فعالية في الساحل الأوسع والذي يشمل النيجر وتشاد وحتى موريتانيا، سواء في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود أو في تحريك المشاريع الاقتصادية والتنموية.


