تعتقد البروفيسور نعيمة سعدية، أستاذ اللسانيات وتحليل الخطاب بجامعة بسكرة أن التحدي الحقيقي أمام السينوغرافيا الرقمية هو أن تحافظ على جوهر المسرح وهو الجسد، والحضور، والفضاء، والزمن المشترك بين الممثل والمتفرج، حيث يمكن للتقنية أن توسع هذه العناصر وأن تعيد تشكيلها، لكنها لا ينبغي أن تلغيها.
تقول البروفيسور نعيمة سعدية في حديث لـ»الشعب» أن الحديث عن السينوغرافيا بوصفها مجرد مكون بصري للعرض لم يعد كافيا، فالسينوغرافيا، في كثير من التجارب المسرحية المعاصرة، أصبحت جزءا من عملية إنتاج المعنى نفسها، فالضوء لا يكتفي بإضاءة الممثل أو تحديد بؤرة المشهد، وإنما يستطيع أن يغير دلالته، وأن يوجه عين المتفرج نحو تفصيل دون آخر، أو أن يصنع إحساسا بالزمن والانتظار والخوف والاغتراب والأمر نفسه ينطبق على اللون والفضاء والكتلة والخامة وحركة العناصر داخل الخشبة.
وترى المتحدثة هنا، أن المعنى المسرحي لا ينتج عن الحوار وحده، بل يتشكل من تفاعل مجموعة من العلامات التي يشتغل بعضها مع بعض، وقد يصبح الفضاء، في بعض العروض، أكثر بلاغة من الكلام نفسه، فالمكان الضيق قد يحيل إلى الحصار، والفراغ قد يصبح علامة على الفقد، والظلمة قد تتحول من مجرد غياب للضوء إلى دلالة على المجهول أو القمع أو الذاكرة، لذلك فالسينوغرافيا لا تشرح العرض بقدر ما تشارك في كتابته بصريا، وتفتح أمام المتفرج إمكانات متعددة للتأويل.
واعتبرت البروفيسور سعدية أننا إذا تعاملنا مع السينوغرافيا باعتبارها خلفية جميلة يتحرك أمامها الممثل، فإننا نختزل وظيفتها اختزالا كبيرا، السينوغرافيا يمكن أن تكون عنصرا سرديا قائما بذاته، فهي لا تكتفي بتوفير المكان الذي تجري فيه الأحداث، بل تستطيع أن تكشف شيئا من الشخصيات، وأن تلمح إلى ما حدث أو ما سيحدث، وأن تصنع الانتقالات بين الأزمنة والأمكنة، بل وأن تحل أحيانا محل الحوار.
وقد تحمل قطعة واحدة من السينوغرافيا ذاكرة شخصية أو جماعية كاملة، كرسي فارغ، باب مغلق، نافذة، طاولة، أو حتى فضاء خال يمكن أن يتحول إلى حامل سردي إذا وضع داخل بنية العرض بطريقة واعية، وهنا يصبح المتفرج مدعوا إلى قراءة الأشياء كما يقرأ الكلام، والبحث عن العلاقات الخفية بين ما يُقال وما يُرى.
لذلك تقول محدثتنا «أميل إلى النظر إلى السينوغرافيا بوصفها كتابة أخرى داخل العرض، كتابة لا تستخدم الكلمات، وإنما تستخدم الضوء واللون والفضاء والجسد والأشياء والحركة وهذه الكتابة قد تتقاطع مع النص، وقد تضيف إليه، وقد تدخل معه أحيانا في علاقة توتر أو مفارقة، وهو ما يمنح العرض ثراءه الدلالي».
وأوضحت أيضا أن تجربة إشراك الجمهور وجعله جزءا من العرض، تبدأ من إعادة التفكير في موقع المتفرج داخل العرض، فالمتفرج التقليدي يجلس غالبا في مكان محدد وينظر إلى خشبة مستقلة عنه، لكن بعض التجارب السينوغرافية المعاصرة تحاول أن تزعزع هذه العلاقة، فتجعل الجمهور يتحرّك، أو تغيّر زاوية رؤيته، أو تحيط به العناصر البصرية والصوتية، أو تضعه داخل الفضاء نفسه الذي تجري فيه الأحداث.
عندما يحدث ذلك، لا يعود المتفرج مجرد عين تراقب، وإنما يصبح جسدا حاضرا داخل التجربة، وهنا تكتسب الإضاءة والصوت والفضاء أهمية خاصة، لأن طريقة توزيعها يمكن أن تؤثر في إحساس المتفرج بالقرب والبعد، بالأمان والتهديد، بالعزلة أو المشاركة وقد يجد المتفرج نفسه مضطرا إلى اختيار موضعه، أو إلى متابعة حدث من زاوية معينة، أو حتى إلى التفاعل مع الفضاء.
وتؤكد المحدثة هنا، أن السؤال لا يجب أن يكون هل نستخدم التكنولوجيا أم لا؟ وإنما لماذا نستخدمها، وماذا ستضيف إلى التجربة المسرحية؟ فالتقنيات الرقمية والإسقاطات البصرية والواقع المعزز والواقع الافتراضي يمكن أن توسع إمكانات السينوغرافيا، وأن تمنحها قدرة أكبر على الانتقال بين أمكنة وأزمنة ومستويات إدراكية مختلفة، لكن قيمتها الحقيقية لا تكمن في حداثتها التقنية وحدها.
موضحة أن المشكلة تبدأ عندما تتحول التكنولوجيا إلى استعراض مستقل عن العرض، فتغدو الشاشة أهم من الممثل، والمؤثر البصري أهم من الدلالة، ويصبح المتفرج منشغلا بما تفعله التقنية بدل أن ينخرط في العالم المسرحي، لذلك ينبغي أن تظل التكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، جزءا من الرؤية السينوغرافية لا بديلا عنها.


