اختـزال مسيرتــه في صفــة «ممثـــل» لا ينصــف تجربتـــه
على امتداد أكثر من ستة عقود، ظل اسم سيد أحمد أقومي حاضرا في المشهد الفني الجزائري، متنقلا بين الخشبة والشاشة، وبين التمثيل والتسيير الثقافي، وشاهدا على تحولات المسرح والسينما والتلفزيون في الجزائر، رحل تاركا وراءه رصيدا فنيا وإنسانيا يمتد من الأعمال التي رافقت بدايات الفن الجزائري بعد الاستقلال، إلى أعمال تلفزيونية عرفتها أجيال جديدة من المشاهدين.
عاش أقومي مراحل مختلفة من تاريخ الفن الجزائري، وشارك في تشكيلها من مواقع متعددة، ممثلا ومديرا ومثقفا، وظل اسمه مرتبطا بأعمال وشخصيات استقرت في ذاكرة الجمهور.
ولد سيد أحمد مزيان، المعروف فنيا باسم سيد أحمد أقومي، في 5 أكتوبر 1940 ببولوغين في الجزائر العاصمة. اختار الفن منذ ستينيات القرن الماضي، في مرحلة كانت فيها الجزائر المستقلة تبني مؤسساتها الثقافية، وكان المسرح يبحث عن لغته الخاصة، مستندا إلى الذاكرة الوطنية وأسئلة المجتمع والإنسان.
من الخشبة بدأت الرحلة، ومنها فتح له الطريق نحو السينما والتلفزيون، قبل أن يتولى مسؤوليات في عدد من المؤسسات الثقافية والمسرحية، ليجمع في مسيرته بين حرفة الممثل ومسؤولية المسير واهتمام المثقف.
مـــــن بولوغـــــــين إلى الركـــــــح
احتضن المسرح البدايات الأولى لتجربة سيد أحمد أقومي، ومن فوق الخشبة تشكلت ملامح فنان سيصبح لاحقا أحد الوجوه المعروفة في السينما والتلفزيون.
شارك في أعمال مسرحية عديدة، من بينها «أبناء القصبة»، و«وردة حمراء من أجلي»، و«الجثة المطوقة»، و«الحياة حلم»، و«الشيوخ»، إلى جانب «حسان طيرو»، و«المرأة المتمردة»، و«عنبسة»، و«الريح»، و«احمرار الفجر»، و«الرجل صاحب النعل المطاطي».
وقد أتاح له المسرح الاحتكاك بأسماء وأجيال مختلفة من المبدعين، في فترة كان فيها الركح فضاء أساسيا للتعبير عن التحولات التي عاشها المجتمع الجزائري، واستعادة الذاكرة الوطنية وبناء علاقة جديدة بين العمل الفني والجمهور.
غير أن علاقة أقومي بالمسرح تجاوزت حدود الأداء. فقد تولى إدارة دار الثقافة والمسرح بمدينة تيزي وزو، كما أدار مسرحي عنابة وقسنطينة خلال سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يتولى إدارة المسرح الوطني الجزائري لاحقا.
وهكذا عاش المسرح من جهتين؛ ممثلا يقف أمام الجمهور، ومسيرا يشارك في إدارة المؤسسة الثقافية. وهي تجربة منحته معرفة أوسع بعالم المسرح، من تفاصيل العمل الفني إلى مقتضيات التسيير والمسؤولية الثقافية.
مـــــــن الخشبـــــة إلى الشاشــــــة
لم يتوقف حضور أقومي عند المسرح، فقد قادته تجربته فوق الركح إلى السينما والتلفزيون، حيث استطاع أن يجسد شخصيات مختلفة، متنقلا بين الدراما والكوميديا والأعمال الاجتماعية والتاريخية.
ومن أبرز محطاته السينمائية فيلم «زاد» للمخرج كوستا غافراس، إلى جانب «الخارجون عن القانون»، و«الطاحونة»، و«كحلة وبيضاء»، و«موريتوري»، و«على الجانب الآخر من البحر»، و«رواة الحقيقة»، وغيرها من الأعمال التي حملت اسمه خلال مسيرته.
كما عرفه الجمهور الجزائري من خلال أعمال تلفزيونية وسلاسل متعددة، واستمر حضوره أمام الكاميرا حتى سنواته الأخيرة، وصولا إلى «عاشور العاشر»، الذي كان من آخر الأعمال المعروفة التي ظهر فيها.
هذا التنقل بين المسرح والسينما والتلفزيون منح تجربته امتدادا خاصا. فقد خاطب أجيالا مختلفة من الجمهور، وانتقل بين شخصيات متباينة، محتفظا في كل مرة بحضوره الخاص. ولهذا ارتبط وجهه بذاكرة المشاهد الجزائري الذي تابع أعماله في مراحل عمرية مختلفة.
الجزائـــــــر التـــــــي حملهـــــــا معـــــــه
امتدت تجربة سيد أحمد أقومي خارج الجزائر، ولا سيما خلال فترة إقامته في فرنسا، حيث واصل نشاطه في المسرح والسينما وشارك في أعمال وتظاهرات فنية مختلفة. غير أن الابتعاد الجغرافي لم يقطع صلته بالوطن وبالثقافة الجزائرية.
ظل يحمل معه ذاكرة بلاده وأسماء كتابها وشعرائها ومبدعيها، وظلت التجربة الجزائرية حاضرة في اهتماماته وشهاداته. وكان ارتباطه بالوطن جزءا من تكوينه الفني والثقافي، ومن علاقته بجيل عاش بدايات الجزائر المستقلة والتحولات التي عرفها الفن والمجتمع.
ويعتبر الناقد السينمائي محمد عبيدو أن اختزال أقومي في صفة «ممثل» لا ينصف تجربته، بالنظر إلى تعدد مجالات حضوره بين المسرح والسينما والتلفزيون والعمل الثقافي والإدارة.
ويشير عبيدو إلى أن الراحل عايش تحولات الفن الجزائري منذ السنوات الأولى للاستقلال، وشارك في أكثر من خمسين عملا، كما تولى مسؤوليات في مؤسسات ثقافية وفنية كبرى. وبالنسبة إليه، لم يكن المسرح عند أقومي مجرد فضاء للتمثيل، وإنما مؤسسة ثقافية ومشروعا مجتمعيا، وهو ما جعله يجمع بين الفنان والمسؤول الثقافي.
ويضيف أن تجربة الإقامة خارج الوطن لم تقطع صلته بالمسرح الجزائري، فقد حمل معه ذاكرة أجياله وكتاباته وممثليه، لتصبح سيرته في جانب منها جزءا من سيرة الفن الجزائري نفسه.
«واحد من عمالقة التمثيل»
في شهادات الفنانين والنقاد الذين عرفوا سيد أحمد أقومي أو تابعوا تجربته، تحضر صورة الفنان بعيدا عن الأدوار التي جسدها فوق الخشبة وأمام الكاميرا.
رئيس المجلس الوطني للفنون والآداب سليمان جوادي وصفه بأنه «واحد من عمالقة التمثيل»، مؤكدا أن حضوره الفني لم يكن منفصلا عن شخصيته الإنسانية.
ويرى جوادي أن ما زاد من قيمة أقومي، إلى جانب تمكنه من أدوات التمثيل وحضوره في المسرح والسينما، تواضعه وقربه من الناس. فقد ظل، رغم المكانة التي بلغها، محتفظا ببساطته، وهو ما جعل علاقته بالفنانين والأجيال الجديدة تقوم على التواصل ونقل الخبرة.
وبالنسبة إلى جوادي، فإن قيمة الفنان لا تختزل في عدد الأدوار التي يؤديها، وإنما فيما يتركه من أثر في الذاكرة الفنية والإنسانية، وهو أثر يبدو اليوم واضحا في حجم الشهادات التي يستعيد بها زملاؤه ومحبو فنه تجربته.
«الفنـان لا نريـده أن يرحـل علينا مرتـــين»
أما المخرج محمد والي، فاختار عبارة «الفنان لا نريده أن يرحل علينا مرتين» عنوانا لشهادته عن الراحل، مستحضرا تجربة فنان وصفه بأنه «قامة سامقة» في الجزائر والوطن العربي.
ويتوقف والي عند حضور أقومي أمام الكاميرا، واهتمامه بالقراءة والثقافة، ورفضه حصر الممثل داخل قالب جاهز. ويستعيد عبارة بقيت عالقة في ذاكرته: «لا ينبغي أن نصحح رسما أنجزه طفل»، معتبرا أنها تعكس جانبا من نظرته إلى الفن والإنسان وحرية التعبير.
كما يستحضر علاقته بالجزائر والأدب والشعر، ويتوقف عند آخر لقاء جمعهما ضمن فيلم وثائقي حول المناضل والمسرحي محمد بوديا، حيث تحدث أقومي عن معلمه قائلا إن محمد بوديا «كوّنه سياسيا».
وتكشف هذه الشهادة جانبا من تكوين الفنان، ومن الأشخاص والتجارب التي ساهمت في تشكيل وعيه، كما توثق لعلاقة أقومي بجيل من المسرحيين الذين جمعوا بين الفن والوعي الثقافي والوطني.
ذاكرة السينما والدراما الجزائرية
من جهته، يعتبر الناقد والسيناريست ياسين بوغازي أن الحديث عن سيد أحمد أقومي هو استعادة لجزء من تاريخ السينما والدراما الجزائرية.
اختار الراحل الفن والمسرح في سن مبكرة، وظل وفيا لهذا الشغف حتى نهاية حياته. وبالنسبة إلى بوغازي، لم ينظر أقومي إلى التمثيل باعتباره مجرد مهنة، وإنما تعامل معه باعتباره حضورا إنسانيا وشهادة أمام الكاميرا وفوق الركح عن الإنسان وأحلامه وآلامه.
وتلتقي هذه الرؤية مع ما تراه الناقدة ليندة بن سايح، التي تشير إلى أن تجربة أقومي جمعت بين الإبداع والعمل المؤسساتي. فلم يفصل الراحل، بحسبها، الممارسة الفنية عن المسؤولية الثقافية، وجمع بين التمثيل وتولي مسؤوليات إدارية في مؤسسات ثقافية ومسرحية.
وترى بن سايح أن هذه التجربة تبرز أهمية أرشفة مسارات أعلام الفن الجزائري وحفظها من الاختزال، بالنظر إلى ما جمعته من حرفة الأداء وانضباط المسؤول الثقافي وأخلاق المثقف.
«أسد الشاشة ووحش المسرح”
ويستعيد محافظ المهرجان الثقافي الدولي لمسرح الصحراء بأدرار، عقباوي الشيخ، مسيرة أقومي، واصفا إياه بـ«أسد الشاشة ووحش المسرح»، في إشارة إلى الحضور الذي ميزه في المجالين.
ويشير عقباوي إلى ما كان يميز الراحل من بشاشة وسماحة وبساطة في التعامل، إلى جانب تواضعه وحرصه على نقل خبرته إلى الأجيال الشابة، دون أن يبخل بمعلومة أو نصيحة أو مشورة يمكن أن تفيد غيره.
ويكشف أن المهرجان كان قد برمج فقرة تكريمية خاصة للفنان ضمن افتتاح إحدى دوراته، تحت عنوان «وقفة المهرجان»، كان مقررا أن يقف خلالها المشاركون والضيوف والجمهور عرفانا بمسيرته، من خلال تصفيق مطول يدوم عشر دقائق، غير أن رحيل الفنان سبق موعد التكريم.
ستــة عقــود لا تغيــب
تتقاطع شهادات من عرفوا سيد أحمد أقومي عند صورة فنان تجاوزت تجربته حدود الأدوار التي أداها. كان ممثلا ومسرحيا ومسيرا ثقافيا، وعاش مراحل متعددة من تاريخ الفن الجزائري، من بدايات المسرح بعد الاستقلال إلى عصر التلفزيون والدراما الجماهيرية.
وقد نعت وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة الفنان الراحل، معتبرة أن حضوره على الخشبة وأمام الكاميرا كان إسهاما في صناعة ذاكرة الفن الجزائري، فيما أشاد الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة بمكانته ضمن أعلام المسرح والسينما الجزائرية وبالرصيد الذي راكمه على مدى عقود.
رحل سيد أحمد أقومي عن عمر ناهز 86 عاما، بعد مسيرة امتدت لأكثر من ستة عقود، تاركا خلفه أعمالا وشخصيات ومسارح ومؤسسات وشهادات تشكل، مجتمعة، جزءا من أرشيف الفن الجزائري.
من «أبناء القصبة» إلى «عاشور العاشر»، قطعت تجربته مسافة زمنية طويلة تغير خلالها الجمهور، وتطورت وسائل التعبير، وتبدلت أشكال الإنتاج الفني، بينما ظل هو حاضرا في المشهد، شاهدا على التحولات ومشاركا فيها.
واليوم، لا تختصر قيمة سيد أحمد أقومي في قائمة الأدوار التي أداها، وإنما في المسار الذي جمع بين الخشبة والشاشة والمؤسسة الثقافية، وبين حرفة الممثل ووعي المثقف ومسؤولية المسير.
ولعل عبارة محمد والي، «الفنان لا نريده أن يرحل علينا مرتين»، تختصر ما تفرضه هذه اللحظة من مسؤولية تجاه الذاكرة، فغياب الفنان لا ينبغي أن يعني غياب أثره. وما تركه أقومي من أعمال وشهادات وصور وأدوار وتجارب يستحق أن يحفظ ويوثق ويعاد قراءته، حتى لا تختزل مسيرته، مع مرور السنوات، في أسماء أعمال متناثرة.
رحل الرجل، وبقيت الشخصيات التي جسدها، والركحات التي وقف عليها، والشاشات التي حملت حضوره، والذاكرة التي صنعها عبر أجيال. وبين «أبناء القصبة» و«عاشور العاشر» يمتد خيط طويل من تاريخ الفن الجزائري، كان سيد أحمد أقومي أحد وجوهه البارزة وشهوده الذين عبروا الزمن وظلوا في ذاكرة الجمهور.






