لا بديل عــن استراتيجيــة وطنيــة ومركـــز متخصّـص للنهــوض بالعمــل الترجمـي
احتفت الجزائر مؤخرا بشهر الترجمة، في وقت يفرض فيه هذا المجال تحديات جديدة مرتبطة بالإنتاج المعرفي والتكوين والذكاء الاصطناعي، وفي هذا الحوار مع “الشعب”، يتناول الدكتور نوار عبيدي، رئيس لجنة الترجمة بالمجلس الأعلى للغة العربية، واقع الترجمة في الجزائر، وأبرز رهانات تطويرها، داعيا إلى وضع استراتيجية وطنية وإنشاء مركز متخصص للنهوض بالعمل الترجمي وتعزيز حضور الإنتاج الجزائري بلغات أخرى.
– الشعب: تحتفي الجزائر بشهر الترجمة، وهو ما يطرح مجددا سؤال واقع الترجمة في الجزائر؛ كيف تقيمون اليوم مسار الترجمة الجزائرية، وما الذي تحقق فعليا في هذا المجال، وما الذي لا يزال ينتظر المعالجة؟
الدكتور نوار عبيدي: في البداية أشكر جريدة “الشعب” على هذه الاستضافة الطيبة،
بالنسبة لواقع الترجمة في الجزائر فهو لا يختلف عن واقع كثير من الدول العربية، وهو يعاني من عدم الفعل الترجمي مقارنة مع بعض الدول التي تترجم آلاف الكتب والوثائق سنويا، اليابان مثلا يترجم في السنة ثلاثة ملايين ورقة، وما ترجمه الإسبان في السنوات الأخيرة يعادل ما ترجمه العرب منذ قرون، والواقع صعب حتى في معاهد الترجمة الجزائرية، فغالبية الطلبة يتخرجون ولا يملكون من اللغات الثلاث إلا بعض الجمل والأساليب، وأغلب المخابر والمراكز التي تعنى بالترجمة لا تنتج إلا ما يعد على الأصابع، بلغة واضحة: لا يوجد إنتاج فعلي للترجمة من اللغات الأخرى، ما عدا بعض الكتب البسيطة كالروايات وقليل من الأعمال الفكرية. وإذا أردنا أن نقيم الترجمة في الجزائر يجب أن نكون صرحاء لنقول إننا متأخرون جدا، في كثير من الدول توجد مراكز لا تشتغل إلا للترجمة، هناك خبراء يتصيدون كل جديد من المؤلفات في العلوم، ويبحثون عن آخر التطورات في الطب والفيزياء والرياضيات والعلوم الإنسانية لترجمتها وتقديمها للقارئ، ونحن بكل صراحة بعيدون عن هذه الأحلام.
الذي تحقق نزر قليل، وهو لا يفي بالغرض للتنمية الفكرية التي نريدها، الذي ينتظر المعالجة اليوم هو إنشاء مراكز تتفرغ للترجمة، مراكز متخصصة في شتى المجالات العلمية، يسيرها خبراء وعلماء من مختلف التخصصات، تتابع آخر التطورات في التأليف وتترجمه للقارئ الجزائري.
– بصفتكم رئيس لجنة الترجمة بالمجلس الأعلى للغة العربية، ما أبرز الرهانات التي تواجه الترجمة في الجزائر، خاصة فيما يتعلق بترجمة الإنتاج العلمي والفكري والأدبي إلى العربية، وبالعكس؟
عندما ننظر إلى الدول المتقدمة التي اهتمت بعالم الترجمة سنجد أنفسنا أمام رهانات وتحديات كبرى، وللإجابة على هذا السؤال يجب أن ننظم ملتقى كبيرا يشارك فيه خبراء من كل التخصصات، ونحن متأكدون أنهم سيقولون إن العمل الترجمي في الجزائري غير منظم وغير واضح المعالم، بكل صراحة نحن نفتقد إلى سياسة وتخطيط واضحين للعمل الترجمي، نحن لا نملك خارطة طريق تفتح لنا آفاق الولوج إلى العالم الحديثة بآخر التطورات العلمية والتكنولوجية والفكرية، نحن في حاجة إلى جمع المجهودات المتفرقة تحت مركز وطني واحد يتابع الترجمة وينفذ خططه، هذا من ناحية، من ناحية أخرى يجب أن نفكر في إعداد مترجم محترف عالي الجودة، وكما ذكرت آنفا فإن المترجم الذي يتكون في الجامعة الجزائرية قد يصل إلى درجة الماستر وهو لا يسيطر على لغتين بقوة، فكيف عليه أن يتقن لغة ثالثة ورابعة، فضلا عن أن أغلب المترجمين لا يتجاوزون ترجمة النصوص العادية البعيدة عن التخصصات العلمية، نريد أن نكوّن مترجما يتقن كثيرا من المصطلحات العلمية ويحمل أكبر عدد من المعرفة الثقافية للغات التي يترجم منها وإليها. ومن أبرز الرهانات أيضا التوجه إلى الترجمة من وإلى اللغة الإنجليزية، وكذلك التمكن من برامج وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والترجمة الآلية وغيرها من الرهانات التي لا يمكن ذكرها جميعا هنا.
– تظل مسألة تكوين المترجم من القضايا الأساسية في تطوير هذا القطاع، هل ترون أن التكوين الجامعي الحالي يستجيب لحاجات سوق الترجمة ومتطلبات المرحلة، أم أن هناك حاجة إلى مراجعة المناهج والتخصصات بما يتماشى مع التحوّلات الجديدة؟
لا شك أن التكوين الجامعي في الترجمة في الجزائر أسهم في تكوين أجيال من المترجمين والباحثين الكبار، لكنني أرى أن المرحلة الراهنة تفرض علينا مراجعة هذا التكوين وتحيينه. فالمترجم الذي نحتاج إليه اليوم ليس مجرد خريج يتقن لغتين كما أسلفنا، وإنما هو متخصص في مجال معرفي أو أكثر، ومتمكن من أدوات الترجمة الحديثة، وقادر على التعامل مع التحوّلات الرقمية والذكاء الاصطناعي خاصة.
اليوم نرى أن طبيعة سوق الترجمة تغيرت بصورة كبيرة، الناس أصبحوا يعتمدون على أنفسهم في الترجمة باستعمال التطبيقات في الهواتف، ولم يبق للمترجم إلا مهنة المترجم الرسمي، وحتى مهنة المترجم الفوري أصبحت مهددة بفعل التطبيقات الآلية. وأعتقد أنه آن الأوان لإعادة النظر في برامج التكوين، يجب الاعتناء الجيد بالذكاء الاصطناعي، والاعتناء الفائق بثقافة اللغات المترجم منها وإليها.
وعلى الجامعة ومخابرها أن تفتح أبوابها للمختصين في العلوم الأخرى ولا تكتفي بترجمة (word by word) عليها إتقان الاختصاص والمعرفة لنقف جنبا إلى جنب مع تطورات الأمم الأخرى.
– في ظل الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي وأدوات الترجمة الآلية، هل يمثل هذا التطور تهديدا لمهنة المترجم، أم فرصة لتطويرها والارتقاء بأدائه؟ وأين يجب أن تتوقف الآلة وتبدأ مسؤولية المترجم؟
قد يرى بعض مطوري البرامج الذكية، وبعض الشركات الكبرى التي تشتغل على الذكاء الاصطناعي أن الآلة قد تسطو على مكانة المترجم البشري نهائيا في يوم من الأيام، ويرون أن الآلة قد تصل يوما إلى ترجمة الأحاسيس بدقة فائقة بالرغم من أن الأحاسيس بشرية بحتة، وهناك فريق يرى أن الآلة لا يمكن أن تعوض المترجم البشري، وأنا أرى أن فكرة زوال مهنة المترجم سابقة لأوانها، وأعتقد أنه يجب التفكير في كيفية الجمع بين الآلة والمترجم البشري، بل أدعو إلى استغلال الآلة بأقصى صور الاستغلال، والتمكن من آلية الذكاء الاصطناعي بصورة كاملة، والاستفادة من تقنياتها وسعة معرفتها وسرعتها في التنفيذ، فإذا كان المترجم سابقا يقضي الأشهر في ترجمة كتاب من 100 صفحة؛ فالذكاء الاصطناعي يترجم لك الكتاب كاملا في ثوان، وهذه النعمة التكنولوجية يجب أخذها بجدية للمضي في الإنتاج الترجمي بكثافة غير محدودة، ويبقى تدخل المترجم البشري ضروري لإنهاء الصفقة بنجاح.
بالنسبة للمسؤولية فهي تقع على عاتق المترجم البشري لأنه هو من طلب مساعدة الآلة. الآلة تساعد في النقل من لغة إلى أخرى، والمترجم يتحمل مسؤولية قرار موافقته على ترجمة الآلة، ونقصد بالقرار النهائي: قبول المعنى والأسلوب والمصطلح والسياق الذي تقدمه الآلة، ولا سيما في النصوص التي ينجر عنها أحكام قضائية وقرارات قانونية أو توجيهات طبية، فيجب أن يبقى القرار بيد مترجم مؤهل.
– تضطلع مجلة “معالم للترجمة” بدور في متابعة قضايا الترجمة والبحث فيها؛ ما هي الرؤية التي تحملونها اليوم لتطوير المجلة وتعزيز حضور البحث الجزائري في مجال الترجمة، عربيا ودوليا؟
مجلة معالم تُعدّ من أبرز المجلات العلمية التي تُعنى بالترجمة في الجزائر، وعندما جئتها وجدت أن كثيرا من المترجمين الجزائريين والكتاب والأدباء الكبار قدموا عصارة أفكارهم للمجلة، ففي الأعداد الأولى مثلا كتب: محمد يحياتن، ومرزاق بقطاش، وأزراج عمر، والسعيد بوطاجين، وأحمد منور، ورشيد بن مالك، وعبد العزيز بوباكير، ومحمد العربي ولد خليفة، وعبد الحميد بورايو، وصالح بلعيد، وغيرهم كثير من خيرة ما أنجبت الجزائر من مفكرين وأدباء وعلماء، نريد نحن اليوم أن نستقطب مثل هذه الأسماء، كما نريد أن نتفرغ لترجمة النصوص فعليا، وهذ ما يطلبه من البروفيسور صالح بلعيد رئيس المجلس الأعلى للغة العربية حاليا، والذي يولي هذه المجلة عناية فائقة، حيث يتابع نشاطها وعملها بصورة حثيثة، ويدعونا دائما أن نكون في مستوى تطلعات المجلس فيما يخص الترجمة من العربية وإليها؛ وهذا ما نشجع عليه أساتذتنا وباحثينا وطلابنا، نريد فعلا تطبيقيا لا كلاما نظريا عن الترجمة، وأود أن أفيدك بأمر آخر في الموضوع نفسه؛ وهو أننا في لجنة الترجمة وابتداء من السداسي الأول لهذه السنة شرعنا في ترجمة مقالات من (المجلة الأفريقية) التي نَشَرَتْ أزيد من (2300) مقالا باللغة الفرنسية في الفترة الاستعمارية الممتدة من سنة 1856 إلى 1962، وقد وضع المجلس الأعلى للغة العربية كشافا وفهرسا ذكيا لمقالات المجلة.
وأنا أدعو من هذا المنبر لجريدة “الشعب” أن يساهم المترجمون المختصون في ترجمة أكبر عدد من مقالات المجلة الأفريقية التي تناولت حياة الجزائر والشعب الجزائري بمختلف التوجهات الفكرية والإيديولوجيات. ومن شأن هذه الترجمة أن تكشف أسرارا عجيبة للمستعمر الغاشم، وأسرارا عجيبة للشعب الجزائري أثناء كفاحه الطويل في ظل آلة المسخ والتمييز والتفرقة العنصرية. ولا تزال هذه الكنوز طي الزمان تنتظر رفع أسها، ونحن مستعدون لمد يد المساعدة لكل من يرغب في المشاركة في هذا العمل التاريخي الكبير.
* في رأيكم، هل تحتاج الجزائر اليوم إلى استراتيجية وطنية للترجمة، تجمع بين الجامعة ومؤسسات الثقافة والبحث العلمي، وتحوّل الترجمة من جهد فردي أو مؤسساتي متفرق إلى مشروع معرفي يخدم حضور الجزائر وإنتاجها الفكري والعلمي في العالم؟
نعم بالضبط، وهذا ما أدعو إليه دائما، يجب أن تتظافر الجهود، لجمع شتات العمل الترجمي الموزع بين المخابر والمراكز وبعض الأعمال الفردية، المترجم يحتاج اليوم إلى رعاية خاصة، واهتمام شديد من قبل الجهات التي تعنى بالترجمة، نحن نحتاج أكثر من وقت مضى أن نضع استراتيجية جديدة تتماشى مع التحولات الكبرى التي تعرفها العلوم والتكنولوجيا، وبصراحة أدعو إلى إنشاء مركز وطني للترجمة، يضع برنامج عمل قصير ومتوسط وطويل المدى يشتغل فيه على ترجمة ما استجد من العلوم والمعارف بصورة مكثفة، كما يعمل على ترجمة الإنتاج المعرفي من العربية إلى اللغات الأخرى وبخاصة اللغة الإنجليزية.. مركز وطني له ميزانية محترمة تموّل العمل الترجمي وتشجعه وتجمعه وتوفر له كل الأدوات التكنولوجية بما فيها أدوات الذكاء الاصطناعي.







