تطوّرت السينوغرافيا مع تطوّر المسرح، وانتقلت من مجرد تأثيث للخشبة إلى عنصر أساسي في بناء العرض وتشكيل صورته، فلم يعد الفضاء المسرحي مكانا يحتضن الممثلين فقط، بل أصبح جزءا من الحكاية، تساهم في تشكيله الإضاءة والألوان والمواد والكتل وحركة الأجساد..
فرض التطوّر على السينوغرافيا التعامل مع عناصر مختلفة، وجعل دور السينوغرافي يتجاوز اختيار الديكور إلى البحث في علاقة الفضاء بالفعل المسرحي، خاصة مع دخول الصورة الرقمية والإسقاطات والتقنيات الحديثة إلى الخشبة، وهو ما أعاد طرح أسئلة حول حدود التكنولوجيا ودورها في مسرح يقوم على الحضور الحي للممثل والمتلقي.
ارتبط تطور السينوغرافيا بمسار تطور المسرح، حيث تغيرت النظرة إلى الخشبة من مكان لعرض الأحداث إلى فضاء يمكن أن يساهم في بناء العرض وإنتاج المعنى، وأصبح الديكور جزءا من رؤية أوسع تشمل الضوء واللون والمواد وحركة الممثلين
وفي المسرح الجزائري، عرفت السينوغرافيا تجارب مختلفة تبعا لاختلاف الرؤى الإخراجية والإمكانات المتوفرة، فاشتغلت بعض الأعمال على الفضاء البسيط والفراغ، فيما استفادت أعمال أخرى من الإضاءة والمواد والتقنيات الحديثة في تشكيل الصورة المسرحية.
حين لا يكون الديكور مجرد ديكور
تختلف وظيفة السينوغرافيا من عرض إلى آخر، فقد يكون الفضاء بسيطا ومحدود العناصر، لكنه يؤدي دورا في بناء المعنى، بينما قد يفقد فضاء مليء بالتفاصيل وظيفته إذا لم يكن مرتبطا بالرؤية العامة للعمل.
فشكل المكان وطريقة توزيع العناصر فوق الخشبة والمسافة بين الشخصيات وحركة الممثلين، كلها اختيارات يمكن أن تؤثر في قراءة المشهد، وحتى الفراغ الذي يتركه السينوغرافي يمكن أن يكون له دور في بناء الصورة المسرحية.
ولا ترتبط السينوغرافيا بعدد العناصر الموجودة فوق الخشبة، وإنما بطريقة توظيفها وعلاقتها بالفعل المسرحي، فقد يتحول كرسي أو باب أو قطعة قماش إلى عنصر له وظيفة درامية، إذا ارتبط وجوده بتطور الأحداث.
الضوء واللّون يدخلان في الحكاية
يعد الضوء من العناصر الأساسية في تشكيل الفضاء المسرحي، فهو لا يقتصر على إنارة الخشبة وتمكين الجمهور من رؤية الممثلين، وإنما يمكن أن يحدد مكان الفعل ويوجه الانتباه ويغير طبيعة المشهد، ويمكن للإضاءة أن تكشف جزءا من الفضاء وتخفي أجزاء أخرى، كما تستطيع أن تمنح المكان إحساسا بالاتساع أو الضيق، أو أن تنقله من فضاء واقعي إلى فضاء رمزي أو نفسي.
أما اللون، فيمكن أن يرتبط بشخصية أو حالة معينة، كما يمكن استخدامه للتمييز بين مراحل مختلفة من العرض أو الانتقال من حالة إلى أخرى، إذا كان النص يعتمد على الكلمات، والممثل على الجسد والصوت والأداء، فإن السينوغرافيا يمكن أن تساهم في الحكي من خلال الصورة والفضاء.
فقد يؤدي تغيير موقع عنصر فوق الخشبة إلى الإشارة إلى تحول في الأحداث، كما يمكن لتغير الضوء أو اللون أن يعلن انتقالا زمنيا أو نفسيا دون الحاجة إلى شرح مباشر، وتصبح السينوغرافيا أكثر ارتباطا بالحكاية عندما تتحول عناصر الفضاء إلى جزء من تطور الحدث، وهو ما يجعل السينوغرافي شريكا في صناعة العرض إلى جانب المخرج والممثل وبقية الفنانين والتقنيين.
التكنولوجيا تدخل الخشبة
فرض التطور التكنولوجي أدوات جديدة على السينوغرافيا، من بينها الفيديو والإسقاطات الضوئية والخرائطية العرضية، وهي وسائل يمكن استخدامها لتشكيل الفضاء أو إضافة صور ومشاهد لا يمكن إنجازها بالوسائل التقليدية.
كما تتيح التقنيات الحديثة إمكانية الانتقال بين أمكنة وأزمنة مختلفة، وتغيير الصورة والفضاء أثناء العرض، غير أن استخدامها يحتاج إلى رؤية فنية واضحة وتكوين تقني مناسب، حتى لا تتحول التكنولوجيا إلى مجرد وسيلة للاستعراض.
وتبقى التكنولوجيا في النهاية وسيلة لخدمة العرض، ولا يمكن أن تعوض حضور الممثل أو الطاقة المباشرة التي تميز المسرح عن غيره من أشكال التعبير.
السينوغرافيا الجزائرية تحتاج إلى التوثيق
عرف المسرح الجزائري تجارب متعددة في مجال السينوغرافيا، ارتبط بعضها بالبحث في الفضاء والضوء والجسد، فيما استفادت تجارب أخرى من التطوّر الذي عرفته تقنيات العرض.. غير أن هذا التراكم يحتاج إلى مزيد من التوثيق والدراسة، خصوصا أن كثيرا من التجارب المسرحية لا تترك وراءها أرشيفا بصريا ونقديا كافيا يسمح للأجيال الجديدة بالتعرّف على تطور السينوغرافيا في الجزائر.
وتبرز أيضا أهمية التكوين المتخصص، بالنظر إلى أن السينوغرافيا تجمع بين الفن والتقنية، وتتقاطع مع الإضاءة والتصميم والفنون البصرية والعمل على الجسد والفضاء.
وفي النهاية، لا تتعلق السينوغرافيا بصناعة صورة جميلة فوق الخشبة فقط، وإنما بصناعة فضاء يشارك في الحكاية، وصورة تحمل معنى، وعرض يتيح للمتلقي أن يقرأ ما تقوله الخشبة بالصورة والضوء واللون والحركة، إلى جانب ما يقوله النص والممثل.



