دخـول الممثل إلى مساحة معينة يمكن أن يغير طريقة حضوره
يرى الدكتور حمزة جاب الله، الأستاذ الجامعي والسينوغراف والباحث في الفنون الأدائية بجامعة عمار ثليجي بالأغواط، أن السينوغرافيا في المسرح المعاصر تجاوزت وظيفتها التقليدية بوصفها مجرد خلفية جمالية للعرض، لتصبح عنصرا فاعلا في صناعة المعنى والحكي والتأثير في المتلقي، مؤكدا أن الضوء واللون والفضاء ليست مجرد عناصر بصرية، بل يمكن أن تتحول إلى لغة قائمة بذاتها داخل العرض المسرحي.
قال الدكتور جاب الله إن عناصر الفضاء المسرحي تتجاوز كونها مواد بصرية تملأ الخشبة، موضحا في حديثه لـ»الشعب» أن «الضوء ليس مجرد وسيلة لرؤية الممثل، واللون ليس زينة بصرية، والفضاء ليس مجرد وعاء يحتضن الحدث، وإنما يمكن أن تصبح هذه العناصر لغة مادية وإدراكية تنتج علاقات ودلالات وتوترات داخل العرض».
وأشار في هذا السياق إلى تجربة أدولف آبيا، الذي أحدث – كما قال – تحوّلا جوهريا بمنحه الضوء وظيفة تعبيرية وتشكيلية وربطه بالجسد والفضاء، وكذا إدوارد غوردون كريغ الذي أكد أن الخط واللون والحركة والإيقاع مواد درامية قائمة بذاتها.
ولفت الدكتور أنه يتعامل في تصاميمه مع الفضاء باعتباره «فضاء يفكر»، وقال «فدخول الممثل إلى مساحة معينة يمكن أن يغير طريقة حضوره وحركته وعلاقته بالآخر، وبالتالي يغير إدراك المتلقي»، وأضاف «السينوغرافيا لا تشرح الحدث، إنها قد تكون هي الحدث».
وفي حديثه عن الوظيفة السردية للسينوغرافيا، رفض جاب الله اختزالها في «ديكور جميل»، وشدد على أن السينوغرافيا قد تكون أحيانا أكثر قدرة على الحكي من الحوار نفسه، وشرح هذه الفكرة قائلا «يمكن لكرسي مقلوب، أو باب لا يُفتح، أو مساحة فارغة، أو جدار يتحرك، أو ضوء يقطع جسد الممثل، أن يقول للمتلقي شيئا لا تقوله عشرات الجمل»، لافتا إلى أن هذا التصور يتجسد في تجارب كبرى، من آبيا وكريغ إلى جوزيف سفوبودا، وصولا إلى روبرت ويلسون وروبرت ليبيج، حيث يصبح الزمن البصري والبطء وتكوين الجسد جزءا من الكتابة المسرحية ذاتها.
ورسخ جاب الله هنا مفهوم «الدراماتورجيا السينوغرافية»، أي أن السينوغرافيا تنتج مسارا آخر للمعنى يتقاطع مع النص والحركة والصوت دون أن يذوب فيها، ووضع لهذه الفكرة اختبارا دالا حين تساءل «ماذا يحدث لو أزلنا النص من المشهد وبقي الفضاء والضوء والجسد؟ هل يبقى هناك معنى؟ إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام طاقة درامية للسينوغرافيا نفسها»، وهنا أكد أن هذه النقطة هي ما يحتاج المسرح الجزائري إلى ترسيخه أكثر.
وانتقل الباحث إلى علاقة السينوغرافيا بالمتلقي، واعتبر السؤال الأهم ليس «ماذا نضع على الخشبة؟»، بل «ماذا نريد أن يحدث للمتلقي عندما يواجه هذا الفضاء؟». فالمتلقي – في نظره – ليس مستهلكا للصورة السينوغرافية، بل هو طرف في إنتاجها وتأويلها من خلال التفاعل مع العلاقات البصرية، كالكتلة والفراغ، والظلام والضوء، والقرب والبعد، والحركة والسكون، والظهور والاختفاء.
وقال «إن إشراك الجمهور لا يعني بالضرورة إشراكه جسديا، بل إعادة تنظيم موقعه البصري والإدراكي»، فالسينوغرافيا الناجحة، في رأيه، «لا تكتفي بأن ترى، بل تجعل المتلقي يعيد النظر».
وحول إدماج التقنيات الرقمية والواقع الافتراضي، شدد جاب الله «أنا مع التكنولوجيا في السينوغرافيا، ولست مع السينوغرافيا التي تصبح تابعة للتكنولوجيا». وأوضح أن «التقنيات الحديثة مثل المابينغ، والإسقاطات الرقمية، والواقع الافتراضي، والواقع المعزز، والشاشات التفاعلية والذكاء الاصطناعي، يمكن أن توسع إمكانات الفضاء، بشرط أن تلبي ضرورة جمالية ودرامية ولا تتحول إلى مجرد إبهار بصري».
وطرح المعيار الأساسي لاستخدام التكنولوجيا متسائلا «ماذا سيضيف الواقع الافتراضي إلى التجربة التي لا تستطيع الوسائل المادية وحدها إنتاجها؟ فإذا كانت الإجابة واضحة، فالتكنولوجيا تصبح لغة، أما إذا كان الهدف مجرد الإبهار البصري، فنحن أمام تكنولوجيا للعرض، لا سينوغرافيا للتجربة».
ويعتقد جاب الله أن مستقبل السينوغرافيا لا يكمن في الصراع بين التقليدي والرقمي، بل في إعادة تركيب العلاقة بين المادة والتكنولوجيا والجسد والفضاء والمتلقي. واختزل رؤيته للمسرح الجزائري في ضرورة الانتقال من سؤال «كيف نجعل الخشبة جميلة؟ إلى أسئلة أكثر عمقا هي «كيف نجعل الفضاء يفكر؟ كيف نجعل الضوء يتكلم؟ كيف يصبح اللون فعلا؟ كيف تتحول المادة إلى ذاكرة؟ وكيف يصبح المتلقي شريكا في إنتاج المعنى؟».



