ذكر قائد شرطة باريس، أن حركة الاحتجاج الطلابية التي انتشرت في أنحاء فرنسا منذ عدّة أيام أصبحت الآن خارجة عن السيطرة، وحث على العودة إلى الأساليب السلمية.
تأتي تحذيرات قائد شرطة باريس مع تحوّل الاحتجاجات الطلابية إلى صدامات مع قوات الأمن، حيث سجّل مراقبون تصاعد استعمال رجال الشرطة للعنف ولوسائل قمعية محظورة ضد الشباب اليافع الذي باتت حياته في خطر.
وفي السياق، أوردت مصادر إعلامية أنه في سانت أوين لومون قرب باريس، ظهر فتى في 14 من عمره يتلقى الضرب من طرف ثلاثة من عناصر الشرطة أمام مدرسته. وبعد ذلك، وجّه أحد العناصر الأمنية قاذفا من مسافة قريبة جدا باتجاه وجهه، والنتيجة إصابة خطيرة في فكه، سقوط عدة أسنان، ونقله إلى المستشفى.
وتقول منظمة العفو الدولية استنادا إلى تسجيل تحققت منه صحيفة «لوموند»، إن إطلاق المقذوف بهذه الصورة خالف قواعد استخدام القوة.
وفي ألونسون بمنطقة نورماندي، كانت طالبة أخرى في 14 أيضا أمام مدرستها عندما أمسكها شرطي بعنف من رقبتها، ويُسمع صوتها في التسجيل وهي تصرخ وتشتكي من الألم المبرح.
وتقول منظمة العفو الدولية إنّ تقنيات الضغط على الرقبة محظورة في عمليات حفظ النظام لما تحمله من خطر الإصابة أو الوفاة.
أما في تور بوسط فرنسا، فكان المشهد الثالث: طالب ملقى على الأرض، والدماء تسيل من إصابة خطيرة في عينه.
سلاح يصنّف ضمن معدّات الحرب
ونُقل الطالب إلى المستشفى، بينما قالت النيابة إن طبيعة إصابته متوافقة مع طلقة من قاذف كرات دفاعية، وهو سلاح تصنفه التشريعات الفرنسية ضمن معدات الحرب، وتطالب أمنستي منذ سنوات بتعليق استخدامه في المظاهرات.
هذه الحالات الثلاث ليست، بحسب المنظمة، سوى جزء من صورة أوسع رافقت حركة احتجاجية بدأت في 21 سبتمبر من ثانوية سانت إكزوبيري في كريتاي قرب باريس، ثم امتدت خلال أيام إلى مدن بينها ليل وليون ومرسيليا ونيس ونانت ورين وبوردو وتور.
ويطالب الطلاب بمزيد من المدرسين، وفصول أقل اكتظاظا، ومبان مدرسية لائقة، إلى جانب توفير الممرضين والمساعدين الاجتماعيين، وسط شكاوى من مبان متداعية وجرذان وعفن، وفصول وصلت الحرارة في بعضها إلى 39 درجة، بينما يجلس فيها 37 طالبا أمام مروحة واحدة.
ومع اتساع الحركة الاحتجاجية، اتسعت المواجهة أيضا. فقد ارتفع عدد الموقوفين من 164 في 28 سبتمبر إلى 440 في اليوم التالي، ثم 625 في 30 سبتمبر، وصولا إلى 1948 موقوفا في 1 أكتوبر، وكثير منهم قاصرون.
وتقول أمنستي إن الاحتجاجات بدأت سلمية في الأساس، مع إقرارها بوقوع أعمال عنف من بعض المحتجين، لكنها تشدد على أن ذلك لا يلغي وجوب أن يكون استخدام الشرطة للقوة ضروريا ومتناسبا، خصوصا عندما يكون المتظاهرون مراهقين.
ويلخص بعض الطلاب مطالبهم بعبارات مباشرة منها: «نريد فقط البكالوريا (الثانوية العامة)، وهم يرسلون إلينا شرطة مكافحة الجريمة»، و»نريد أن نتعلم لا أن نتعرض للغاز».
جدل قديم يتجدّد
وتعيد هذه الوقائع إلى الواجهة جدلا مزمنا في فرنسا بشأن أساليب حفظ النظام خلال الاحتجاجات، ولا سيما استخدام قاذفات كرات الدفاع «أل بي دي» والهراوات والغاز المدمع، بعد تسجيل إصابات خطيرة في احتجاجات سابقة، بينها إصابات في الرأس والعين.
ويكتسب الجدل حساسية أكبر هذه المرة لأن عددا كبيرا من المشاركين قاصرون، في حين تشدّد المعايير الحقوقية على تمتع الأطفال بحماية خاصة، وعلى ألا تستخدم القوة ضدهم إلا عند الضرورة وبصورة متناسبة مع الخطر الفعلي.
هذا، وتشهد فرنسا مناخا اجتماعيا على وشك الانفجار، بدأ بحراك متواصل لطلاب المدارس الثانوية، ويتصاعد مع دعوة ثلاث منظمات طلابية إلى تنظيم «اليوم الثالث» من الاحتجاجات الطلابية هذا الثلاثاء، وتوعّد النقابات العمالية بتنظيم مظاهرات للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية ، في وقت تعاني فيه فرنسا من ارتفاع الدين العام إلى مستويات قياسية، وذلك قبل أشهر من الاستحقاق الرئاسي.



