استعادت الكاتبة راضية بوطويل، أول أمس، بدار عبد اللطيف بالجزائر العاصمة، المسيرة الإبداعية والفكرية للفنان الراحل عبد الغني مهداوي، المعروف فنيا باسم “غاني”، أحد روّاد الإخراج في التلفزيون الجزائري والسينما، والباحث في الأدب المغاربي، وذلك خلال لقاء أدبي تكريمي نظمته الوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي، خصّص لاستحضار محطات من تجربته المهنية، وإسهاماته في المشهد الثقافي والفني الوطني.
سلّطت بوطويل الضوء على مسار الراحل، الذي كرّس أكثر من ستة عقود من حياته لخدمة الثقافة والفن بمختلف أشكالهما، متوقفة عند تجربته في الإخراج التلفزيوني والسينمائي، وكذا اهتمامه بالبحث في شعر “الملحون”، باعتباره موروثا أصيلا في الجزائر إلى جانب علاقاته الواسعة بنخبة من الفنانين الذين عاصرهم واشتغل معهم.
وفي تصريح لـ “الشعب”، أوضحت راضية بوطويل أن مؤلفها “عبد الغني مهداوي.. تاريخ، ثقافة”، يمثّل باكورة أعمالها التوثيقية، وجاء عرفانا بمسيرة رجل ترى أنه “ربما لم يأخذ حظه كما يجب إعلاميا”، مؤكدة أن الكتاب محاولة لحفظ جانب من تجربته وإبراز ما قدمه للفن والثقافة.
وأشارت المتحدثة إلى أنّ اختيارها توثيق مسيرة مهداوي انطلق من قناعة بأهمية استعادة أسماء وتجارب أسهمت في بناء الذاكرة الثقافية الجزائرية، خاصة أن بعض هذه التجارب ما تزال بحاجة إلى مزيد من البحث والتعريف بها، حتى لا تبقى إسهامات أصحابها حبيسة ذاكرة من عاصروهم.
ويستعيد الكتاب، وفق ما جاء على لسان الكاتبة، جوانب من مسيرة مخرج كان من الرعيل الأول للسينمائيين قبل الاستقلال وبعده، وتولى زمام إدارة الإذاعة والتلفزيون الجزائريين، قبل أن يواصل انشغاله بالفعل الثقافي والبحث في شعر الملحون.
كما يرسم صورة لفنان جمع بين الحرفية في مهنته والروح الإنسانية والفكاهية، واحتفظ في ذاكرته بالكثير من القصص والذكريات التي جمعته بأسماء بارزة من الساحة الفنية، من محمد التوري وفضيلة الدزيرية ورويشد وكلثوم، إلى الشيخ عمر الزاهي والحاج محمد العنقى والهاشمي قروابي، إلى جانب فنانين آخرين رحلوا عن عالمنا، كما أضاء اللقاء جانبا من تجربة الراحل من خلال شهادات عدد من الذين عرفوه عن قرب، من بينهم الباحث عبد القادر بن دعماش والمسرحي عبد الحميد رابية، الذي اشتغل معه في عدد من الأعمال التلفزيونية، مستعيدا محطات من تجربته في الإخراج والعمل التلفزيوني، وما تركه مهداوي من أثر لدى زملائه وأصدقائه.
وساهمت هذه الشّهادات، إلى جانب ما قدّمته عائلته ونجله من معطيات وذكريات، في رسم صورة أكثر شمولا لشخصية الراحل، بما يجمع بين تجربته المهنية واهتماماته الفكرية وعلاقاته بالوسط الفني، ويتيح قراءة مساره ضمن التحولات التي عرفها الإنتاج التلفزيوني والفني في الجزائر.
ومن اللافت أنّ تقديم الكتاب كتبه الفنان الراحل سعيد حلمي، الذي اختار أن يعبّر عن احترامه وتقديره لمسيرة مهداوي، مستحضرا ما قدمه للفن السابع والثقافة، في شهادة تضيف بعدا إنسانيا إلى هذا العمل التوثيقي، وتلتقي مع مسعى المؤلفة إلى إعادة تقديم تجربة فنان لم ينل، في رأيها، ما يكفي من الحضور الإعلامي والتعريف بمساره.
وكان عبد الغني مهداوي ابن بلدية بولوغين (سانت أوجان) قد توفي في مارس المنصرم من العام الجاري، تاركا وراءه مسارا امتد لأكثر من ستين عاما، جمع خلاله بين الإخراج والممارسة الفنية والانشغال بالبحث والكتابة، وظل حاضرا في ذاكرة عدد من الفنانين الذين عاصروه وشاركوه مراحل مختلفة من الحياة الفنية والثقافية.
وتبرز أهمية هذا اللقاء والكتاب في كونهما يعيدان الاعتبار إلى تجربة فنية وثقافية متعددة الأبعاد، ويؤكّدان أن توثيق مسارات الرواد لا يقتصر على استعادة الماضي، وإنما يشكل وسيلة لحفظ الذاكرة ونقلها إلى الأجيال الجديدة، بما يسمح لها بالتعرف على أسماء صنعت جزءا من تاريخ التلفزيون والسينما و المسرح والثقافة الجزائرية، كما يعكس العمل رغبة صاحبته، وهي خرّيجة قطاع السياحة والمرشدة السياحية المعتمدة، في الإسهام في التعريف بجانب من الذاكرة الثقافية الجزائرية وتثمين رموزها وتجاربها.





