الحفـاظ علــى الأصــل واجـب وحظـــر التّعديــل التّأويلــي ضرورة
يرى الباحث والمخرج والأكاديمي المتخصّص في تقاطعات السينما والفلسفة والتكنولوجيا، الدكتور عبد الجواد عبابو، أنّ الذكاء الاصطناعي قادر على إنقاذ الأفلام الجزائرية القديمة من التلف والاندثار، وترميم ما أصاب صورتها وصوتها وألوانها من أضرار، غير أن الاستفادة من هذه التقنية تظل مشروطة ببقائها أداة في يد الإنسان المتخصص، حتى لا تتحول عملية الترميم إلى إعادة صناعة للفيلم أو محو لعلامات الزمن التي تشكل جزءا من ذاكرته.
أكّد عبد الجواد عبابو في تصريح لـ «الشعب» أن عملية ترميم الأفلام عبر الذكاء الاصطناعي هي «ممارسة إستيتيقية وفلسفية معقدة تقع في المنطقة الفاصلة بين الأركيولوجيا الرقمية والأخلاقيات الفنية»، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون «وسيطا تقنيا مبدعا وليس مؤلفا بديلا»، كما أنّ «الحفاظ على روح العمل يستلزم وجود رؤية إنسانية نقدية ترسم للذكاء الاصطناعي حدود التدخل، بحيث يقتصر دوره على (إنعاش) النسيج البصري والسمعي دون ممارسة تجميل زائف يحور الهوية الأسلوبية للمخرج أو سياقها التاريخي»، فالترميم الناجح – حسبما قال – «هو الذي يرمم أجساد الأفلام ليحميها من الانعدام مع احترام موجوداتها وكينونتها التي تسكن في المادة والزمن».
وسجّل عبابو أن ترميم الأفلام القديمة لا ينبغي أن يتحول إلى عملية لإعادة صياغة الماضي وفق معايير الحاضر، لافتا إلى أن حماية السينما «تتطلب رفض تحويل الماضي إلى مرآة نرجسية لذوق الحاضر، وهناك تفقد الأصلية شرعيتها وتتحول لما يسمى بالسيمولاكر»، وقال إنّ «قيمة الفن تكمن في مواجهتنا بالحقيقة التاريخية كما كتبت في زمنها»، وأشار إلى أنه «من أجل منع تزييف التاريخ السينمائي أرى أنه من الواجب الانتقال من منطق الوصاية الأخلاقية إلى النزاهة الأنطولوجية للوثيقة. لأن الأثر الفني الحقيقي لا يقبل السيمولاكر لأنه شهادة على عصره، فهو لا يتطلّب التطهير ليناسب موضة الحاضر. ولتحقيق ذلك – يقول عبابو – لابد من ضابطين رئيسيين هما: الفصل الصارم بين الترميم والتعديل: إجازة استخدام الذكاء الاصطناعي حصريا في الترميم التقني (كإزالة الخدوش ومعالجة الألوان الأصلية)، وحظر التعديل التأويلي (كحذف مشاهد، أو تعديل حوارات، أو تغيير ملامح لملاءمة المعايير المعاصرة).
والشفافية والأرشفة الطبقية: اعتماد النسخة الخام الأصلية كمرجع كينونة محمي في الأرشيفات، وتصنيف أي نسخة تدخل عليها الخوارزميات تعديلات بصرية أو بنيوية على أنها سيمولاكر وليست العمل الأصلي.
ولفت عبابو إلى أنّ الذكاء الاصطناعي «لا يكتفي بإتاحة الأرشيف السينمائي، بل يعيد تعريف الذاكرة الوطنية ذاتها، فهو يحول الماضي من مادة متحفية للاستهلاك إلى حوار لغوي وبصري مستمر مع الحاضر»، وأشار إلى أنه «يفكك مركزية الأرشيف وقيود الموقع الجغرافي، فالمنصات الذكية تتيح للجمهور والباحثين عموما تفكيك المادة السينمائية وإعادة قراءتها، مما ينقل الأرشيف من مؤسسة سلطوية تحتكر حفظ التاريخ إلى فضاء مفتوح للمساءلة والممارسة المعرفية».
وأكّد المتحدث أن حماية الذاكرة البصرية بالذكاء الاصطناعي ليست مشروعا تكنولوجيا لتحسين الصور، وإنما هي «موقف إبيستمولوجي يصون حق الماضي في أن يرى بشروطه الخاصة، ويضمن للحاضر أدوات قراءته دون وصاية أو تزييف، بحيث تحفظ النسخة الخام الأصلية كمرجع وجودي حتمي، بينما تسجل أي معالجة خوارزمية في سجل رقمي شفاف (Metadata)، وهو ما يعني توضيح حدود التدخل الذكي».







