تيجانــي لـ “الشعــب”: النّقـــل يرافـــق التنميــــة الاقتصاديــة ويعـــزّز الجاذبيـــة السّياحيـة
خريطــة نقــل جديــــدة لفــك العزلـــة عـــن الأحيـــاء والمــــدن الجديــدة بقسنطينــة
تتّجه منظومة النقل بولاية قسنطينة نحو مرحلة جديدة من العصرنة وإعادة التنظيم، في ظل عملية واسعة لتجديد الحظيرة القديمة، تدعيم النقل الحضري بحافلات جديدة، وإعادة توزيع وسائل النقل والخطوط وفقا للتحولات العمرانية والديموغرافية التي تعرفها الولاية، ويأتي هذا المسار في وقت توسعت فيه الأقطاب السكنية والعمرانية الجديدة، وأصبح ضمان الربط بينها وبين وسط المدينة ومختلف مناطق النشاط والخدمات أحد أبرز التحديات المطروحة أمام قطاع النقل.
كشف مدير النقل لولاية قسنطينة، كمال تيجاني، في لقاء مع “الشعب”، عن جملة من المعطيات الجديدة المتعلقة بعملية تجديد الحظيرة، مؤكدا أن الحافلات التي تجاوز عمرها 30 سنة معنية بالسحب التدريجي من الخدمة، ضمن مسعى يرمي إلى التخلص من المركبات القديمة، وتعويضها بوسائل نقل أكثر ملاءمة لمتطلبات السلامة والراحة وتحسين نوعية الخدمة.
وأوضح المسؤول أن العملية مست 468 حافلة، في حين تقدم 96 ناقلا بملفات لتجديد حافلاتهم، بما يعكس حجم الحظيرة القديمة التي تحتاج إلى إعادة تأهيل وتحديث، خاصة أن تقادم المركبات ينعكس بشكل مباشر على نوعية الخدمة، وتكاليف الصيانة، وتواتر الأعطاب، فضلا عن ظروف تنقل المواطنين.
وتندرج هذه العملية ضمن مسار أوسع لتجديد النقل العمومي، لا يقوم فقط على سحب المركبات القديمة، وإنما يرافقه تدعيم فعلي للحظيرة بحافلات جديدة، بما يسمح بإعادة تشكيل شبكة النقل ورفع قدرتها على الاستجابة للطلب المتزايد.
150 حافلــة جديـــدة و31 خطّـــــا للنّقـــــل الحضــري
وفي إطار تدعيم الحظيرة، استفادت مؤسسة النقل الحضري وشبه الحضري بقسنطينة من 150 حافلة جديدة، منها 25 حافلة كبيرة و125 حافلة متوسطة، بما يمثل دعما مهما لقدرات المؤسسة على توفير خدمة نقل منتظمة واستيعاب أعداد أكبر من المسافرين.
وسمح هذا التدعيم برفع حظيرة المؤسسة من 46 حافلة كانت تستغل 12 خطا إلى 196 حافلة موزعة على 31 خطا، بما يعكس توسعا ملموسا في شبكة النقل الحضري وتعزيز قدرة المؤسسة العمومية على الاستجابة للحاجيات المتزايدة للسكان.
وأكّد مدير النقل أن عملية توزيع الحافلات الجديدة لم تتم بصورة عشوائية، وإنما اعتمدت على مبدأ الأولوية والحاجيات المسجلة ميدانيا، مع توجيه جزء مهم منها نحو الأقطاب الحضرية الجديدة التي تعرف نموا سكانيا وعمرانيا متسارعا.
وتأتي في مقدمة هذه المناطق الرتبة، عين نحاس، ماسينيسا وعين عبيد، إلى جانب مختلف المناطق التي شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعا في العمران وارتفاعا في عدد السكان، الأمر الذي فرض ضرورة إعادة النظر في خريطة النقل بما يتلاءم مع الخريطة السكانية الجديدة.
فالتوسع العمراني لم يعد مقتصرا على مركز مدينة قسنطينة ومحيطها المباشر، بل أفرز أقطابا سكنية جديدة أصبحت تستقطب أعدادا متزايدة من المواطنين، وتحتاج إلى ربط منتظم بمراكز العمل والدراسة والإدارة والخدمات، وهو ما يجعل النقل أحد العناصر الأساسية في مرافقة التنمية العمرانية.
إعادة رسم خريطة الخطوط
ولا تقتصر عملية العصرنة على زيادة عدد الحافلات، بل تشمل أيضا إعادة تنظيم الخطوط وتوزيع وسائل النقل وفقا لحجم الطلب، بما يسمح بتقليص الضغط المسجل على بعض المسارات، وتحسين الانتظام وتقليص مدة الانتظار، وقد دخلت الحافلات الجديدة تدريجيا حيز الخدمة عبر عدد من الخطوط، في إطار شبكة يجري العمل على توسيعها وتكييفها مع احتياجات المواطنين، لاسيما في المناطق الجديدة التي تعرف ضغطا متزايدا على وسائل النقل.
ويعكس الانتقال من 12 إلى 31 خطا تحولا مهما في قدرة المؤسسة على تغطية مختلف المناطق، غير أن الرهان الحقيقي يبقى في ضمان استغلال هذه الإمكانيات بالشكل الأمثل، من خلال ضبط توقيت الرحلات وتوزيع الحافلات حسب أوقات الذروة وحجم الطلب، مع مواصلة متابعة الخطوط وتكييفها عند الحاجة.
كما أنّ تدعيم الحظيرة يستدعي مرافقة بشرية قادرة على ضمان استغلال الحافلات الجديدة، بما يسمح برفع القدرة التشغيلية للحظيرة وتحقيق الاستفادة الفعلية من هذا التدعيم.
النّقل يواكب التّوسّع العمراني
ويطرح النمو العمراني الذي تعرفه قسنطينة تحديا جديدا أمام قطاع النقل، إذ لم تعد المسألة مرتبطة بمجرد توفير وسيلة نقل، وإنما بضمان منظومة متكاملة قادرة على مواكبة توزيع السكان ومواقع السكن ومراكز النشاط الاقتصادي والجامعات والمؤسسات العمومية.
ومن هذا المنظور، فإنّ توجيه الحافلات الجديدة نحو الأقطاب الحضرية الناشئة، على غرار الرتبة وعين نحاس وماسينيسا وعين عبيد، يعكس توجها نحو جعل شبكة النقل مواكبة للخريطة العمرانية الجديدة، بدل تركيز معظم الخطوط على المحاور التقليدية.
وتكتسي هذه المقاربة أهمية خاصة بالنسبة للمواطنين الذين يقطنون بالمناطق الجديدة، حيث يمثل النقل اليومي عاملا أساسيا في الوصول إلى أماكن العمل والدراسة والعلاج ومختلف الخدمات، كما أن انتظام النقل يساهم في تخفيف الضغط على المحاور الرئيسية، وتقليل الاعتماد المفرط على السيارات الخاصة.
التلفيريــــــك.. دعـم الشّبكــة وتحســـين الخدمـــة
وفي حديثه عن وسائل النقل الجماعي الأخرى، أكد مدير النقل لولاية قسنطينة، السيد تيجاني كمال، لـ “الشعب”، أن عملية تطوير المنظومة لا تقتصر على الحافلات، وإنما تمتد إلى مختلف وسائل النقل الجماعي، وفي مقدمتها التلفيريك، باعتباره وسيلة تتلاءم مع الخصوصية الجغرافية والتضاريسية للمدينة.
وكشف المسؤول عن استفادة الولاية من خطوط جديدة في مجال التلفيريك، في إطار العمل على تدعيم وتوسيع خدمات هذه الوسيلة، بما يسمح بتحسين الربط وتسهيل حركة المواطنين، كما أشار إلى تدعيم المحطة الحالية للتلفيريك بمصعدين، في خطوة من شأنها تحسين ظروف استقبال المسافرين وتسهيل الولوج إلى المحطة، خاصة بالنسبة لكبار السن والأشخاص ذوي الحركة المحدودة، فضلا عن تحسين انسيابية الحركة.
دعم التّنمية والسّياحة
وتحمل المعطيات التي كشف عنها مدير النقل لولاية قسنطينة، كمال تيجاني، أبعادا تتجاوز مجرد تدعيم الحظيرة ورفع عدد الخطوط، بالنظر إلى أن إعادة تنظيم شبكة النقل وتوجيه الحافلات الجديدة نحو الأقطاب الحضرية التي تعرف توسّعا سكانيا وعمرانيا من شأنه أن يواكب التحولات التي تشهدها الولاية، ويدعم حركية المواطنين والنشاط الاقتصادي بها.
ويرى محدّثنا أنّ الأولوية في توزيع الحافلات الجديدة منحت للمناطق التي تعرف نموا عمرانيا متسارعا، على غرار الرتبة وعين نحاس وماسينيسا وعين عبيد، وهو توجّه يعكس رغبة القطاع في مرافقة التوسع العمراني بشبكة نقل قادرة على ضمان الربط بين مناطق السكن ومراكز العمل والدراسة والخدمات.
ولا تتوقّف أهمية هذا التوجه عند تحسين ظروف تنقل السكان، إذ إن توفر وسائل نقل منتظمة ومريحة يساهم في تنشيط الحركة الاقتصادية، من خلال تسهيل تنقل العمال والطلبة والمتعاملين، وربط الأقطاب الجديدة بمختلف مناطق النشاط. كما يمكن لشبكة نقل أكثر كفاءة أن تشكل عاملا مساعدا على استقطاب مشاريع اقتصادية وخدماتية جديدة، باعتبار أن سهولة الوصول، والتنقل تعد من العناصر الأساسية في حركية المدن وجاذبيتها.
النّقل.. داعم للاستثمار السّياحي
وفي مدينة تتميّز بخصوصية جغرافية وعمرانية فريدة، تكتسب تصريحات مدير النقل حول تدعيم وسائل النقل الجماعي أهمية إضافية، خاصة ما تعلق بالتلفيريك وتدعيم محطته بمصعدين والعمل على توسيع خدماته، فالتلفيريك في وسط مدينة قسنطينة لا يؤدي وظيفة نقلية فقط، وإنما يمكن أن يكون جزءا من الصورة السياحية للمدينة، بالنظر إلى ارتباط مساره بالطبيعة الجغرافية والعمرانية الخاصة لعاصمة الشرق، ومن شأن تحسين ظروف استقبال المسافرين وتسهيل الولوج إلى المحطات، إلى جانب تطوير الخطوط، أن يعزّز استعمال هذه الوسيلة من طرف المواطنين والزوار على حد سواء.
وتسمح منظومة نقل أكثر تكاملا، تجمع بين الحافلات والتلفيريك والترامواي، بتسهيل تنقل الزائر بين مختلف مناطق المدينة ومواقعها السياحية والثقافية، وهو ما يمكن أن يساهم في جعل المدينة أكثر سهولة بالنسبة للسائح، ويمنحه إمكانية اكتشاف معالمها ومرافقها دون أن تشكّل صعوبة التنقل عائقا أمام حركته.
ومن هنا، فإنّ العصرنة التي تحدّث عنها مدير النقل يمكن أن تحمل بعدا سياحيا واقتصاديا، متى ما تم استثمار تطور شبكة النقل في ربط مختلف المقاصد والمرافق، وربطها أيضا بمناطق الإيواء والمطاعم والخدمات والحرف التقليدية، بما يسمح بتحريك قطاعات مرتبطة مباشرة وغير مباشرة بالسياحة.
إمكانات لدعم الحركية الاقتصادية
ويكتسي تدعيم الحظيرة بـ 150 حافلة جديدة أهمية خاصة في هذا السياق، خاصة بعد انتقال حظيرة مؤسسة النقل الحضري وشبه الحضري من 46 حافلة تستغل 12 خطا إلى 196 حافلة موزعة على 31 خطا، فهذا التوسع في عدد الحافلات والخطوط لا يعني فقط زيادة العرض في مجال النقل، وإنما يوفر إمكانيات أكبر لإعادة توزيع الحركة داخل المدينة والولاية، وربط المناطق الجديدة بالمراكز الحيوية، بما يسمح بمرافقة التوسع الاقتصادي والعمراني.
ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه الحركة اليومية للسكان أكثر تعقيدا، نتيجة توسع العمران وتوزع السكن ومراكز النشاط على مساحات أكبر، وبالتالي فإن تحسين النقل يصبح جزءا من الحل، من خلال تقليص المسافات الزمنية بين السكان ومواقع العمل والدراسة والخدمات، وتسهيل الوصول إلى مختلف الوجهات.
مدينة أكثر جاذبية
وتشير رؤية مدير النقل إلى أن إعادة تشكيل شبكة النقل لا تنفصل عن التحولات التي تعرفها قسنطينة، إذ إن المدينة التي تتوسع عمرانيا تحتاج بالضرورة إلى شبكة نقل تتوسع بالتوازي معها، فكل قطب سكني جديد يحتاج إلى ربط فعال، وكل منطقة نشاط تحتاج إلى وسائل تمكن العمال والمتعاملين من الوصول إليها، وكل موقع سياحي يحتاج إلى مسار واضح وميسر أمام الزوار.
وبذلك، تتحول عملية تجديد الحظيرة من مجرد استبدال حافلات قديمة بأخرى جديدة إلى فرصة لإعادة التفكير في وظيفة النقل داخل المدينة، وجعله أداة لمرافقة التنمية وتحسين جاذبية الإقليم، كما أن تشجيع النقل الجماعي من شأنه أن يساهم في الحد من الاعتماد المتزايد على السيارات الخاصة، وبالتالي تخفيف الضغط على المحاور الرئيسية وتقليص الاختناق المروري، وهو ما ينعكس بدوره على نوعية الحياة داخل المدينة.
وفي هذا الإطار، فإنّ العصرنة المنشودة، كما تعكسها المعطيات التي قدمها مدير النقل، لا تختزل في عدد الحافلات التي دخلت الخدمة أو عدد الخطوط التي تم فتحها، وإنما في قدرة هذه الوسائل على تشكيل شبكة متكاملة تستجيب لحاجيات السكان، وترافق المشاريع العمرانية والاقتصادية والسياحية.
وإذا ما تواصل هذا المسار بنفس المنطق، فإن النقل يمكن أن يتحول تدريجيا من قطاع يستجيب للطلب اليومي فقط إلى رافعة حقيقية للتنمية المحلية، تساهم في تعزيز جاذبية عاصمة الشرق، وتنشيط حركتها الاقتصادية والسياحية، وربط أقطابها الجديدة بمختلف مراكز الحياة والنشاط، بما يجعل العصرنة استثمارا في المدينة وفي مستقبلها بقدر ما هي استثمار في وسائل النقل.






