استراتيجية مائية شاملة.. تحقيق العدالة وتأمين المورد الحيوي للأجيال
منظومة محكمة لنقل المياه بين برج باجي مختار وعين قزام.. تأمين السيادة
محطات التحلية تكسر التبعية للتساقط .. إنتاج 3.6 ملايين متر مكعب يوميا
273 محطة تصفية وشبكات ربط بـ800 كلم .. تخفيف الضغط عن السدود
تستقبل الجزائر الذكرى الـ72 لاندلاع الثورة التحريرية المجيدة، على وقع إطلاق مشاريع استراتيجية في قطاع الموارد المائية، تعكس توجها نحو تعزيز الأمن المائي وتوسيع نطاق الاستفادة من الموارد المتاحة، من خلال ربط المناطق التي تعاني نقصا في التموين، وتدعيم قدرات نقل المياه نحو الهضاب العليا والولايات الداخلية، إلى جانب تثمين المياه المسترجعة وتوجيهها نحو النشاطين الفلاحي والصناعي.
تتصدّر المشاريع عملية ربط نحو 15 بلدية بولاية سطيف بسد ذراع الديس، بغلاف مالي يقدر بـ18 مليار دينار، إلى جانب مشروع مائي كبير بالجنوب، بتكلفة تناهز 26 مليار دينار، فضلا عن إطلاق المرحلة الأولى من برنامج الربط البعدي لمحطات تحلية مياه البحر نحو الولايات الداخلية، في خطوة تستهدف توسيع الاستفادة من هذه الموارد خارج المناطق الساحلية.
ويأتي مشروع ربط 15 بلدية بولاية سطيف بسد ذراع الديس ضمن أبرز العمليات المبرمجة للانطلاق في الفاتح من نوفمبر، بالنظر إلى حجم الاستثمار وأثره المرتقب في تحسين التزويد بالمياه الصالحة للشرب، وتعزيز قدرات التوزيع لفائدة التجمعات السكانية المعنية.
وبالتوازي مع ذلك، يتجّه قطاع الموارد المائية إلى إطلاق مشروع بالجنوب، بتكلفة تقارب 26 مليار دينار، في إطار مساعي تدعيم التزويد بالمياه في المناطق التي تفرض فيها المسافات الشاسعة والظروف الطبيعية تحديات إضافية أمام توفير هذه المادة الحيوية.
وتندرج هذه المشاريع ضمن توجّه وطني يرمي إلى تقليص الفوارق في توزيع الموارد المائية، لاسيما على مستوى الهضاب العليا والولايات التي تواجه صعوبات في التموين، على غرار تبسة والمسيلة وأم البواقي وتيسمسيلت والجلفة، من خلال تطوير أنظمة الربط بين السدود ومصادر المياه ومحطات التحلية.
وتقوم هذه المقاربة على مبدأ التكامل بين مختلف الموارد المتاحة، بما يسمح بتوجيه المياه نحو المناطق الأكثر احتياجا، بدل حصر الاستفادة منها في الولايات التي تتوفر فيها مصادرها، وهو ما من شأنه تعزيز ترابط المنظومة المائية الوطنية ومرونتها في مواجهة فترات الشح.
كما يشمل البرنامج التكميلي للمياه والتطهير ولايات تيسمسيلت والجلفة وخنشلة، بغلاف مالي إجمالي يتجاوز 43 مليار دينار، إلى جانب عمليات محلية تستهدف استكمال الربط بالشبكات، وإنجاز الخزانات، وتحسين التوزيع على مستوى الأحياء والقرى والتجمعات السكانية.
تحليـــــــــــــة ميـــــــــــاه البحــــــــــــر .. توسيـــــــــــــــــــــــــع الربــــــــــــــــــــــــط
يمثل توسيع الاستفادة من مياه البحر المحلاة أحد المحاور الرئيسية لإستراتيجية قطاع الري، حيث تتركز المرحلة المقبلة على ربط محطات التحلية بالولايات الداخلية، بعد تدعيم القدرات الوطنية للإنتاج، بما يسمح بتوسيع نطاق الاستفادة من هذه الموارد وتخفيف الضغط على المياه الجوفية والسطحية.
وتضمّ المنظومة الوطنية 19 محطة كبرى لتحلية مياه البحر و12 محطة متوسطة بطاقة إنتاجية إجمالية تقدر بـ3.6 ملايين متر مكعب يوميا، تغطي احتياجات نحو 40 بالمائة من سكان الوطن، لاسيما بالمناطق الساحلية ذات الكثافة السكانية المرتفعة.
وتجاوز الاعتماد على مياه البحر المحلاة 90 بالمائة بولاية وهران، فيما يفوق 60 بالمائة بالجزائر العاصمة، في وقت يتواصل فيه إنجاز محطات جديدة وتوسيع شبكات نقل المياه نحو الولايات الداخلية.
وفي هذا السياق، يرتقب إيصال المياه إلى الجهة الشرقية لولاية البليدة، بمناسبة الفاتح من نوفمبر، انطلاقا من محطة فوكة 2، بطاقة تقدر بـ100 ألف متر مكعب يوميا، لفائدة مناطق من بينها الأربعاء ومفتاح وحوش الريح وغيرها.
كما تتواصل أشغال محطة تحلية مياه البحر بولاية بجاية، بهدف تدعيم التموين بالمياه في ولايات البويرة وسطيف وبرج بوعريريج، فيما بلغت نسبة تقدّم أشغال محطة تيزي وزو، التي تقدر طاقتها الإنتاجية بـ60 ألف متر مكعب يوميا، ما بين 70 و80 بالمائة.
وتشمل المنظومة أيضا محطة كودية الدراوش بولاية الطارف، التي تساهم في تموين عدد من الولايات الشرقية، إلى جانب مشاريع أخرى عبر الوطن، وفي السياق ذاته، انطلقت مشاريع إنجاز ثلاث محطات كبرى لتحلية مياه البحر، بطاقة إنتاجية تبلغ 300 ألف متر مكعب يوميا لكل محطة، بكل من الشلف ومستغانم وتلمسان، في خطوة تمهّد للانتقال إلى مرحلة الربط البعدي لهذه المنشآت، بهدف نقل المياه المحلاة إلى الولايات الداخلية وتوسيع الاستفادة منها خارج الشريط الساحلي.
وتندرج هذه المشاريع ضمن رؤية استشرافية لتعزيز الأمن المائي وضمان استدامة التموين، من خلال تنويع مصادر المياه وتكامل الأنظمة المائية، بما يسمح بتوجيه الموارد التقليدية نحو الاستعمالات الفلاحية والاقتصادية، وتلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان ومختلف الأنشطة التنموية.
الربــــط البعــــدي.. شبكــــة وطنيــــة أكــــثر تكامــــلا
يمثل إطلاق المرحلة الأولى من مشروع الربط البعدي لمحطات تحلية مياه البحر نحو الولايات الداخلية، المبرمج في الفاتح من نوفمبر، خطوة جديدة لتوسيع الاستفادة من المياه المحلاة، من خلال إيصالها إلى مناطق داخلية وتعزيز التموين بالمياه الصالحة للشرب خارج المناطق الساحلية، ويأتي هذا المشروع في إطار الانتقال من تعزيز قدرات إنتاج المياه إلى تطوير وسائل نقلها وتوزيعها، بما يسمح بتوجيه الموارد المتاحة نحو المناطق التي تحتاج إليها، وتخفيف الضغط على مصادر المياه التقليدية.
أما المرحلة الثانية من البرنامج، فتشمل عددا من الولايات، من بينها سيدي بلعباس وغليزان والنعامة والمدية وتيسمسيلت، إلى جانب مناطق أخرى، وفق البرنامج المعلن. ومن المرتقب استكمال هذه المشاريع قبل نهاية سنة 2028، مع برمجة الاعتمادات المالية اللازمة ضمن ميزانية سنة 2027.
وتكتسي هذه المشاريع أهمية خاصة في تحسين تموين الولايات الداخلية بالمياه الصالحة للشرب، من خلال تعزيز الترابط بين محطات التحلية وشبكات التوزيع، وتوسيع نطاق الاستفادة من الموارد المائية غير التقليدية، بما يدعّم التوازن في توزيع المياه بين مختلف مناطق الوطن.
وتندرج هذه العملية ضمن رؤية أوسع لتطوير المنظومة الوطنية للمياه، تقوم على التكامل بين مصادر الإنتاج ومنشآت النقل والتوزيع، بما يعزّز الأمن المائي ويرفع قدرة الشبكات على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للسكان.
الجنـــوب.. مسافات طويلــــة لتأمـــــين التــزوّد بالميـاه
تحظى ولايات الجنوب باهتمام ضمن البرامج المائية، بالنظر إلى اتساع المساحات وبعد التجمعات السكانية عن مصادر التموين، وما تفرضه هذه الخصائص من تحديات أمام ضمان التزود بالمياه الصالحة للشرب. وفي هذا السياق، تشمل المشاريع المبرمجة إنجاز منظومة لنقل المياه من برج باجي مختار باتجاه عين قزام، على مسافة تقارب 250 كلم، بغلاف مالي يناهز 26 مليار دينار، في إطار الجهود الرامية إلى تدعيم التموين بالمياه في مناطق الجنوب. كما تتواصل الدراسات المتعلقة بنقل المياه من الجنوب الكبير نحو ولايات أخرى، بهدف تعزيز التكامل بين الموارد المائية وتوجيهها وفق الاحتياجات، لاسيما في المناطق التي تواجه صعوبات في التموين.
وفي إطار تحسين نوعية المياه، يتضمن البرنامج إنجاز نحو 37 محطة مخصّصة لمعالجة المياه التي ترتفع فيها نسب الأملاح والمعادن، على أن يتمّ تجسيدها تدريجيا في المناطق المعنية، بما يسهم في تحسين نوعية المياه وفق طبيعة الاستعمالات المخصصة لها، ويترافق تطوير المنشآت المائية مع توجه نحو تحسين تسييرها وصيانتها ورفع مردوديتها، بما يعزّز استمرارية الخدمة ويحسن استغلال الموارد والتجهيزات المتاحة.
الميــــــاه المسترجعــة.. مـــورد اقتصــــادي لمواجهـــة النـــدرة
تطوير قطاع الموارد المائية لم يقتصر على تحلية مياه البحر ونقلها، بل يشمل أيضا تثمين المياه المسترجعة من محطات تصفية المياه المستعملة، وتوسيع إعادة استعمالها في الفلاحة والصناعة والمساحات الخضراء، وفق طبيعة المياه المعالجة والمعايير المعمول بها.
وتحصي الجزائر 237 محطة لتصفية المياه المستعملة، فيما تشير المعطيات المقدمة إلى إنتاج يقدر بنحو 1.12 مليار متر مكعب، ونسبة استرجاع تبلغ 55 بالمائة، وفي المقابل، لا تتجاوز نسبة إعادة الاستعمال الفعلي للمياه المعالجة 27 بالمائة، ما يبرز أهمية تطوير هذا المجال ورفع مردوديته الاقتصادية والبيئية.
وفي هذا الإطار، تعمل 29 محطة بتقنيات المعالجة الثلاثية، فيما توجد 76 محطة أخرى قيد الإنجاز، في سياق الجهود الرامية إلى تحسين معالجة المياه المستعملة وتوسيع إمكانات إعادة استعمالها.
وتتيح المعالجة المناسبة توجيه هذه المياه نحو استعمالات محدّدة، لاسيما السقي وبعض الأنشطة الصناعية والمساحات الخضراء، مع مراعاة المعايير الصحية والبيئية الخاصة بكل استعمال، والتمييز بين المياه المعالجة المخصّصة للأغراض الاقتصادية والمياه الصالحة للشرب، كما يشمل البرنامج إنجاز أكثر من 800 كلم من شبكات الربط المرتبطة بمنظومة التطهير ومعالجة المياه المستعملة، بما يسمح بتحسين جمع المياه وتوجيهها إلى محطات المعالجة، وتعزيز فرص الاستفادة منها بدل الاقتصار على معالجتها لأغراض بيئية.
ويكتسي تثمين المياه المسترجعة أهمية متزايدة في ظلّ تنامي الطلب على الموارد المائية، إذ يمكن أن يسهم توسيع استعمالها في بعض الأنشطة الفلاحية والصناعية في تخفيف الضغط على المياه التقليدية، شريطة احترام متطلبات المعالجة والرقابة وجودة المياه.
مـن الجنـــوب نحــو الهضـــــاب العليـــــا
بالتوازي مع المشاريع الجاري تنفيذها، تتجّه الدراسات المستقبلية إلى بحث إمكانات نقل المياه من الجنوب الكبير نحو مناطق أخرى، في إطار تصور يهدف إلى تعزيز التكامل بين الموارد المائية وتوزيعها وفق الاحتياجات.
ومن بين هذه الدراسات مشروع نقل المياه من تيميمون باتجاه بشار وبني عباس وتندوف، على مسافة تقارب 1400 كلم، وبقدرة نقل تقدر بنحو 60 ألف متر مكعب يوميا، وفق المعطيات المقدمة بشأن المشروع.
كما تشمل الدراسات ثلاثة أروقة لنقل المياه من الجنوب نحو مناطق أخرى، ينطلق الأول من بني ونيف باتجاه النعامة وسعيدة، فيما يربط الثاني منطقة المنيعة بتيارت والجلفة ومناطق أخرى، بينما يستهدف الثالث ولايات بسكرة وأولاد جلال وباتنة.
وتعكس هذه الدراسات توجها نحو البحث عن حلول هيكلية طويلة المدى، تقوم على تنويع مصادر التموين وربط المناطق التي تتوفر فيها الموارد بالمناطق التي تواجه عجزا، مع مراعاة الجدوى التقنية والاقتصادية ومتطلبات الاستدامة.
وتواكب هذه البرامج اعتمادات مالية معتبرة، إذ بلغت الميزانية المعلنة لقطاع الموارد المائية 894 مليار دينار، بزيادة قدرها 141 بالمائة، منها 560 مليار دينار مخصّصة للمياه الصالحة للشرب، وفق الأرقام الواردة في التصريح.
وتشمل الاعتمادات المعلنة كذلك 34 مليار دينار للتطهير، و119 مليار دينار لمحطات تصفية المياه المستعملة، إلى جانب 34 مليار دينار لتجديد الشبكات و44 مليار دينار لتجديد شبكات الجزائرية للمياه.
وتستهدف هذه الاستثمارات تحسين أداء المنشآت القائمة، وتوسيع التغطية، ومعالجة الاختلالات المسجلة في بعض المناطق، بالتوازي مع مشاريع ربط مصادر المياه وتعزيز أنظمة التوزيع وتطوير استعمال الموارد غير التقليدية، بما فيها مياه البحر المحلاة والمياه المسترجعة بعد معالجتها.
وتكشف المشاريع المبرمجة والدراسات المستقبلية في قطاع الموارد المائية عن توجّه نحو مقاربة متكاملة تجمع بين تعبئة الموارد ونقلها وتوزيعها وتثمينها، بدل الاقتصار على الاستجابة الظرفية لحاجات التموين، كما تعزّز هذه المقاربة الربط بين الاستثمار في البنية التحتية وتحسين نوعية الحياة ودعم الأنشطة الفلاحية والصناعية والاستعداد لتحديات التغيرات المناخية.






