آليات لتمكين المزارعين من بطاقات النشاط للاستفادة من برامج المرافقة
تتربّع ولاية البليدة على موقع مميّز في الخريطة الفلاحية الوطنية، مستفيدة من امتداد سهل المتيجة الخصب داخل إقليمها، ومن تنوّع طبيعي يجعل النشاط الزراعي لا يقتصر على الأراضي السهلية، بل يمتد إلى المرتفعات والمناطق الجبلية التي ظلت، على مرّ السنين، خزّانا لمنتوجات فلاحية طبيعية ومتنوعة.
بينما تتصدّر الولاية إنتاج الحمضيات وتموّن السوق الوطنية بحوالي 40 بالمائة من هذه المادة، تقدّم الجبال بدورها الخضر والفواكه، إلى جانب اللّحوم والحليب ومشتقاته، بفضل تربية الأبقار والماعز وغيرها، ويتحسّن الإنتاج بتحسّن المناخ، وهذا مع حدث في شتاء وربيع السنة الحالية بتساقط أمطار الخير وحدوث قطيعة مع سنوات الجفاف.
غير أنّ الفلاحة الجبلية في البليدة تحمل قصّة أخرى، عنوانها العودة إلى الأرض بعد سنوات طويلة من الهجر، والتشبّث بنشاط ورثه السكان عن الآباء والأجداد، رغم صعوبة التضاريس ونقص المياه والكهرباء وصعوبة المسالك، فضلا عن مخاطر حرائق الغابات وسرقة المواشي.
وفي المقابل، تكشف التجارب الميدانية التي وقفنا عليها أنّ هذه المناطق قادرة على استعادة دورها في تموين الأسواق بمنتوجات طبيعية، إذا توفّرت لها الشروط الضرورية للاستمرار والتوسّع.
الأمــن أعــــاد الفلاحـــين إلى أراضي الأجـــداد
في أعالي حمام ملوان، تبدو الطبيعة في أجمل صورها، بجبالها ووديانها ومياهها العذبة، غير أنّ أبناء المنطقة ينظرون إليها من زاوية مختلفة، باعتبارها أرضا ارتبطت بتاريخ عائلاتهم ومصدر رزقهم، فقد اضطر الكثير منهم في التسعينيات إلى مغادرة أريافهم والنزوح نحو المناطق الحضرية، قبل أن تبدأ العودة تدريجيا مع تحسّن الأوضاع الأمنية مطلع الألفية الثالثة.
وخلال جولة ميدانية قادتنا إلى منطقتي “السباغنية “ و«الشرفاء”، وقفنا على مستثمرين أعادوا بعث نشاطهم الفلاحي بإمكاناتهم الخاصة، مستعيدين بذلك تقاليد زراعية كادت أن تختفي، ويختصر أحد أبناء المنطقة هذا الارتباط بالأرض بعبارة متداولة لديهم: “من يتخلّى عن أرضه تخلّى عن عرضه”.
ويؤكّد عبد الرفيق عباد أنه يملك اليوم بين 20 و30 رأسا من الأبقار، وبين 30 و40 رأسا من الماعز، فضلا عن حوالي هكتارين من الأشجار المثمرة، بينها التين والزيتون والبرقوق والمشمش والإجاص.
وتظل التجربة قادرة على خلق قيمة اقتصادية محلية، إذ يصل إنتاج عبد الرفيق من الحليب في فصل الربيع إلى نحو 20 لترا يوميا، ويجد منتوجه طريقه إلى المستهلك بسرعة بالنظر إلى جودته، إلى جانب إنتاجه للطماطم والباذنجان والبصل والثوم، وهي محاصيل يصفها بأنها طبيعية وخالية من المواد الكيماوية.
مستثمرون يشقّون الطريق بإمكاناتهـــم الخاصـــة
في دوار الداوبشية بمنطقة الشرفاء، تظهر تجربة أخرى تعكس إصرار أبناء الجبال على إعادة استغلال الأراضي، فقد استصلح المستثمر محمد ديبوش مساحات من الأراضي وغرس بها أشجار الكرز، كما خصّص مساحات معتبرة للكروم، إلى جانب تربية الأبقار.
ويقول أفراد من عائلته إنّ الاستثمار أنجز بأموالهم الخاصة، دون الاستفادة من إعانات الدولة، وهو ما يجعل التجربة، بالنسبة لأبناء المنطقة، نموذجا يمكن البناء عليه إذا رافقته إجراءات دعم وتسهيلات تسمح بتوسيع النشاط.
أمّا عبد النور عزوز، أحد أبناء مقطع لزرق، فيؤكّد أنّ النشاط الفلاحي متوارث في المنطقة، مشيرا إلى أنّ أجداده استقرّوا بها واستصلحوا الأراضي المحاذية للوادي واستغلوها في الزراعة التقليدية وتربية الأبقار والماعز.
وتمّ العودة تدريجيا إلى أراضي أجدادهم، ويقترب عدد المستثمرين الناجحين في المنطقة بحسب تقديره، من سبعين مستثمرا، غير أنّ استمرار هذه الديناميكية في نظره، يبقى مرتبطا بالدعم، خاصة في استصلاح الأراضي وبناء الإسطبلات وتمكين المربّين من بطاقات النشاط للاستفادة من برامج المرافقة.
بالنسبة لمحمد ديبوش، فإنّ توفير الكهرباء الفلاحية وشقّ الطرقات يمثلان مطلبين رئيسيين بالنسبة لفلاحي الجبال، فالطاقة تسهل عمليات السقي وتتيح تطوير النشاط، كما تساعد على إنشاء إسطبلات جديدة وتوسيع تربية الأبقار والدواجن.
ويروي ديبوش أنهم شرعوا في شراء الأبقار وتهيئة الأراضي وتوسيع نشاطهم تدريجيا، رغم اعتمادهم الكبير على إمكاناتهم الخاصة، ويعتبر تعبيد الطريق من بين الإجراءات التي سهّلت تنقلهم، لكنه يطالب باستكمال فتح المسالك وتوفير الطاقة لتشجيع ملاك الأراضي على العودة والاستقرار بها.
وقد ساهمت جهود السلطات المحلية والغرفة الفلاحية في مرافقة هؤلاء الفلاحين، حيث تمت زيارة مختلف المناطق الجبلية، من صوحان شرقا إلى واد جر غربا، مرورا بحمام ملوان والشريعة وعين الرمانة، ووقفت على وجود استثمارات حقيقية ونشاط فلاحي متواصل.
التين.. ثمرة مباركة تستعيد مكانتها
لا يمكن الحديث عن الفلاحة الجبلية في البليدة دون التوقّف عند شجرة التين المباركة والمذكورة في القرآن، التي ترتبط بعمق بالذاكرة الغذائية والاجتماعية الجزائرية، فقد عرفت زراعة هذه الفاكهة انتعاشا خلال العقدين الأخيرين، تزامنا مع عودة السكان إلى المناطق الجبلية.
ويرى مختصّون وفلاحون أن تغيّر نمط استهلاك الجزائريين ساهم بدوره في إعادة التين إلى الواجهة، بعدما أصبح المستهلك يميل أكثر إلى المنتجات المحلية، وتكتسي زراعة التين أهمية إضافية لكون المنتوج قابلا للتخزين والتحويل، ويمكن استغلاله في إنتاج الفواكه المجفّفة والمعاجين، كما يمكن تطوير زراعته بأساليب بيولوجية تقلّل من استعمال الأسمدة والمواد الكيميائية.
وفي السوق انعكست محدودية العرض على الأسعار، إذ لم ينخفض سعر التين خلال الصيف الحالي، في أغلب الأحيان، عن 500 دينار للكيلوغرام، وهو مستوى يثقل كاهل المستهلك، ويرى أحد الباعة أنّ توسيع زراعة التين في المناطق الجبلية يمكن أن يساهم في زيادة العرض وبالتالي تخفيف الأسعار.
طريق نحو تنظيم الإنتاج والتحويل
يرى متدخّلون أنّ تطوير زراعة التين لا يتوقّف عند غرس الأشجار، وإنما يحتاج إلى تنظيم المنتجين في تعاونيات فلاحية تتولى جمع المنتوج وفرزه وتحويله وتسويقه، ويقترح أحد الأكاديميّين في العلوم الزراعية إنشاء تعاونيات متعدّدة الخدمات على مستوى البلديات، بالتنسيق مع المصالح الفلاحية والغرف الفلاحية، ومن شأن هذا التنظيم، بحسب الطرح المقدّم، توفير معلومات دقيقة حول أماكن الإنتاج وكميات المنتوج وإمكانات تسويقه، وصولا إلى التصدير، وهو ما يمكن أن يمنح الفلاح حافزا إضافيا لتوسيع نشاطه.
وتستحضر في هذا السياق، تجربة مصنع كان ينشط خلال ثمانينيات القرن الماضي في بني حواء في ولاية الشلف، حيث كان يحوّل التين إلى معجون من نوعية رفيعة ويوجّه جزء من إنتاجه إلى إنجلترا، وهي تجربة قديمة تبرز الإمكانات التي يتيحها تحويل المنتوج الفلاحي بدل الاكتفاء ببيعه طازجا.
وفي بوقرة، يساهم المعهد الوطني للتكوين المهني المتخصّص في الفلاحة في دعم نشاط زراعة وإنتاج التين، من خلال توفير تكوين تطبيقي يواكب احتياجات الفلاحين والمهنيّين في هذا المجال. ويركّز التكوين على الجوانب التقنية المرتبطة بغراسة الأشجار والعناية بها، وطرق تحسين مردوديتها، إلى جانب التعريف بالممارسات التي تساعد على الحفاظ على جودة الثمار وتحسين خصائصها.
كما يولي المعهد أهمية للجانب البحثي، من خلال إجراء بحوث ودراسات تطبيقية بسيطة تهدف إلى تطوير إنتاج التين والتكيّف مع مختلف الظروف المحلية. وتشمل هذه الجهود دراسة تأثير طبيعة المناخ والتربة على نمو الأشجار وجودة الثمار، بما يسمح بتحديد الممارسات والخيارات الزراعية الأكثر ملاءمة لكل منطقة، والاستفادة من الخصائص المحلية في تحسين الإنتاج.
وتندرج هذه المقاربة ضمن مسعى أوسع لربط التكوين المهني باحتياجات النشاط الفلاحي، وتحويل المعرفة التقنية إلى ممارسات قابلة للتطبيق في الميدان. ومن شأن تطوير هذا المسار أن يُسهم في الرفع من جودة إنتاج التين، وتحسين مردودية المزارعين، وتشجيع استغلال الإمكانات المحلية بما يعزّز مكانة هذه الزراعة ويفتح آفاقا أوسع لتثمين منتجاتها.
ويؤكّد مدير المعهد الطيب كمال، أنّ المتكونين يجرون تربّصات ميدانية حول تسيير المنتوج واستغلاله وتقويته، مع التشديد على مقاييس الإنتاج والجودة وحماية المنتوج، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجامعة لاستغلال نتائج البحوث العلمية وتطبيقها ميدانيا، كما تنظم المؤسّسة عمليات تحسيسية لفائدة الفلاحين للتشجيع على زراعة التين والبحث عن الوسائل الكفيلة برفع الإنتاج وتحسين نوعيته بطريقة صحية.
الحرائق وسرقة المواشي.. خطر يهدّد الفلاحة الجبلية
بقدر ما تمثل الغابات مجالا مهما للرّعي والزراعة الجبلية، فإنّ حرائقها تشكّل أحد أكبر التهديدات التي تواجه الأشجار المثمرة والمستثمرات المحاذية للمناطق الغابية، فالنيران لا تقضي على الغطاء النباتي فحسب، وإنما قد تمتد إلى البساتين وتلحق خسائر مباشرة بالفلاحين، فضلا عن انعكاساتها على الموارد الطبيعية والاقتصاد الوطني.
ومن بين الإجراءات المقترحة إنشاء عوازل ترابية حول محيط البساتين والمستثمرات، غير أنّ أحد ممثلي المجتمع المدني بالعفرون، يرى أنّ الوقاية تحتاج أيضا إلى تعزيز الحراسة داخل الغابات.
ولا تقل سرقة المواشي خطورة عن باقي العراقيل، إذ يقول المربي محمد غزالي، الناشط في منطقتي قل منصور والمرجة وما جاورهما بجبال بوقرة، إنّ انتشار هذه الظاهرة دفع بعض المربّين إلى التخلّي عن نشاطهم بعدما أصبح شاقا ويعرّض حياتهم وممتلكاتهم للخطر.
وفي هذا السياق، يدعو الأستاذ الجامعي في علم الإجرام مراد سالي إلى تشديد الرّدع وإعادة النظر في وصف سرقة المواشي في الأوساط الريفية والجبلية، بالنظر إلى آثارها الاقتصادية والاجتماعية، باعتبار أنّ استمرارها يهدّد نشاطا يساهم في توفير اللحوم والحليب للسوق الوطنية.
في هذا الشأن دعا هذا المتخصّص المشرفون على مشروع تعديل العقوبات التي أطلقته السلطات قبل أيام قلائل، إلى وصف سرقة المواشي على أنها جناية وليست جنحة، وتشديد العقاب على مرتكبيها تماما كما تضمن قانون الغابات.
التوجه نحو التصدير
في حي المكراشي ببلدية ولاد سلامة، تقدّم مستثمرة عمر السيد نموذجا آخر لإمكانات الفلاحة الجبلية، فقد عاد صاحبها سنة 2012 إلى منطقة تالا ودال، بعد غياب تجاوز 15 سنة، وقام بتوفير مياه السقي واقتناء جرار ومولد كهربائي، ثم غرس 300 شجرة تين من ستة أنواع.
ويرى أنّ الأطلس البليدي من المناطق الملائمة لإنتاج التين، وأنّه بالإمكان تحقيق الاكتفاء الذاتي في هذه الشعبة والتوجّه نحو التصدير إذا حظي الفلاحون في المناطق الجبلية بالدعم الضروري.
وتكشف مختلف هذه التجارب أنّ الفلاحة الجبلية بالبليدة ليست نشاطا تقليديا يعيش على هامش الاقتصاد، وإنما قطاع يمكن أن يساهم في تموين السوق بالخضر والفواكه واللحوم والحليب، ويحافظ في الوقت نفسه على السكان في مناطقهم ويخلق مصادر دخل للعائلات الريفية.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى نشاط مستدام وواسع يحتاج إلى توفير مياه السّقي وإنشاء الأحواض، فتح وتهيئة الطرقات، تعميم الكهرباء الفلاحية أو اللّجوء إلى الطاقة الشمسية في المناطق المعزولة، دعم استصلاح الأراضي وبناء الإسطبلات، حماية المستثمرات من الحرائق، وتأمين الماشية من السرقة.
إنّ عودة الفلاحين إلى جبال البليدة بعد سنوات من الهجر، أثبتت أنّ الارتباط بالأرض لم ينقطع، وأنّ الكثير من أبناء المناطق الجبلية مستعدون لاستعادة نشاط الآباء والأجداد، وبين أشجار التين والكروم والزيتون، وبين قطعان الأبقار والماعز ومساحات الخضر وصناديق النحل، تبدو ملامح فلاحة جبلية قادرة على استعادة مكانتها، شريطة أن تجد البيئة المناسبة للنمو والتوسّع، وأن تتحوّل المبادرات الفردية المتناثرة إلى مشاريع منظمة تساهم بصورة أكبر في الاقتصاد المحلي والأمن الغذائي.







