يُعد التراث والذاكرة والتاريخ جزءا أصيلا من علاقة الإنسان بالمكان. لذلك لم يكن التراث الفلسطيني بعيدا عن صراع الرواية، وقد شهدت العقود الماضية محاولات ممنهجة لنسب عناصر من هذا التراث إلى الهوية الصهيونية، واقتطاعها من سياقها التاريخي والاجتماعي، وإعادة تقديمها كأنها نتاج ثقافة مختلفة. ويظهر ذلك بوضوحٍ في الجدل الدائر حول التطريز والكوفية والأطعمة الشعبية والحرف اليدوية.
الإشكالية ليست في استخدام عنصر ثقافي، بل في تزوير نسبه من الثقافة الفلسطينية إلى الصهيونية. فالثوب المطرز ليس مجرد زينة، بل يحمل دلالات جغرافية واجتماعية؛ إذ تعكس أنماطه وألوانه وتكويناته تنوّع البيئات المحلية، وتحفظ جانبا من الذاكرة الاجتماعية الفلسطينية. وكذلك الأغنية الشعبية والدبكة والحكاية والحرفة وأسماء الأماكن، حيث تُعد جميعها وثائق انتماءٍ لا يمكن تزويرها. وما يميز تراثنا أنه تراثٌ حي، وليس تراثا متحفيا؛ كونه حاضرا في لهجتنا اليومية، وفي أسماء قرانا، وفي مواسم الحصاد والزيتون، وفي وصفات الأجداد، وفي العادات والتقاليد والقضاء العشائري. ودائما يحاول الاحتلال استبدال أسماء الأماكن والمدن والقرى على الخرائط، لكن الذاكرة الشعبية تحفظ أسماءها الأصلية؛ فمن يملك حق التسمية يملك جانبا مهما من حق الرواية.
ومن جانبٍ آخر، تبرز المرأة الفلسطينية كحارسةٍ أولى لهذا التراث. كيف لا وهي التي حفظت فن التطريز ونقلته من الأم إلى الابنة إلى الحفيدة، وهي التي حفظت الحكاية والمثل والأغنية والأهازيج الشعبية في مخيمات غزة والضفة والقدس. وقد حوّلت المرأة التطريز والأشغال اليدوية إلى مصدر دخل وصمود اقتصادي، مما نقل التراث من عبء تاريخي إلى رأس مالٍ اجتماعي حي ومستدام.
وقد نال التراث الفلسطيني اعترافا دوليا مستحقا؛ إذ أدرجت اليونسكو فن التطريز في فلسطين عام 2021 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية. ولم يقتصر الحضور الفلسطيني في قوائم اليونسكو على التطريز، بل شمل عددا من عناصر التراث الثقافي غير المادي، من بينها الحكاية الفلسطينية والدبكة وصناعة الصابون النابلسي. كما أدرجت فلسطين عددا من مواقعها التاريخية على قائمة التراث العالمي، من كنيسة المهد إلى البلدة القديمة في الخليل وتل السلطان في أريحا القديمة. وهذا الاعتراف لا يمثل تكريما ثقافيا فحسب، بل يوفر أيضا إطارا دوليا مهما لصون التراث وحمايته، ويعزز حضور الرواية التاريخية والثقافية الفلسطينية في المجال الدولي.
لكن هذا التراث يواجه اليوم تحديا وجوديا جديدا فرضته الحرب الأخيرة على قطاع غزة. فوفقا لأحدث تقييمٍ صادرٍ عن اليونسكو حتى 24 مارس 2026، فقد تضرر 164 موقعا ثقافيا منذ 7 أكتوبر 2023. وشملت الأضرار مواقع دينية، ومبانٍ ذات أهمية تاريخية وفنية، ومتاحف، ومواقع أثرية. واعتمدت المنظمة في توثيقها على صور الأقمار الصناعية وتحليلات برنامج UNITAR/UNOSAT، إلى جانب التقييمات الميدانية متى سمحت الظروف.
حيث إنه في خانيونس تعرّضت قلعة برقوق ومبانٍ في البلدة القديمة لأضرارٍ جسيمة، وفي مدينة غزة تضررت أو دُمرت مواقع ومعالم تاريخية وثقافية، من بينها حمام السمرة والمسجد العمري ومبنى القيسارية. وهذه ليست مجرد أبنية من حجر، بل هي شواهد مادية على الذاكرة الثقافية للمجتمع؛ فإن تدمير مبانٍ عمرها مئات السنين لا يعني فقدان مادة عمرانية فحسب، بل يؤدي إلى فقدان شواهد مادية على تاريخ المجتمع وذاكرته، ويهدد انتقال هذه الذاكرة من جيل إلى آخر. ولذلك فإن توثيق ما أصابها من أضرار ودمار يُعد جزءا لا يتجزأ من حماية الذاكرة نفسها.
إن المسؤولية عن هذه الحماية مسؤولية مشتركة، ولا يمكن حصرها في جهةٍ واحدة. تبدأ من الأسرة التي تحفظ الصورة والوثيقة والحكاية والمفتاح، وتمر بالمدرسة والجامعة اللتين يجب أن تجمعا الرواية الشفوية وتوثقاها ضمن مناهجهما التعليمية، لا أن تتركاها لمبادراتٍ موسميةٍ عابرة. وتقع كذلك على عاتق المؤسسات الثقافية المحلية التي تعمل على ترميم البيوت القديمة وتحويل الحرف إلى مصدر رزق وصمود.
وعلى المستوى الرسمي، يقع العبء على وزارة الثقافة والجهات الوطنية المختصة لسن قوانين صارمة لحماية الآثار، وتثبيت التراث في المناهج، واستكمال ملفات الترشح والإدراج في قوائم اليونسكو، وتطوير منظومة وطنية متكاملة لتوثيق التراث وحمايته.
أما المنظمات الدولية، فيقع على عاتقها الإسهام في حماية هذا التراث بوصفه تراثا إنسانيا مهدّدا، ودعم جهود صونه وتوثيقه، ومنع تهريبه والاتجار غير المشروع به أو تزوير نسبه ومكوناته.
ويبقى الإعلام الفلسطيني شريكا أساسيا في هذه المهمة، فدوره لا يقتصر على التغطية الموسمية ليوم التراث، إذ إن التقرير الصحفي والفيلم الوثائقي والمقابلة والصورة والبودكاست قادرة على تحويل التراث من مادة احتفالية إلى ذاكرة حية ومتاحة للأجيال الجديدة.
وأيضا تمنحنا التكنولوجيا اليوم فرصة تاريخية لم تكن متاحة للأجيال السابقة؛ فيمكننا بناء أرشيف رقمي وطني مدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي لحفظ الصور والوثائق والروايات الشفوية، وإعادة بناء المواقع المدمرة افتراضيا لتبقى حاضرة في الوعي. والمادة التي نوثقها اليوم ستصبح غدا مرجعا للباحث والمؤرخ والجيل الجديد، ويمكن أن تشكل، متى جُمعت وحُفظت وفق معايير مهنية، مصادر مهمة لجهود التوثيق والإثبات أمام الجهات القانونية والقضائية المختصة، فضلا عن دورها في حماية الذاكرة من السرقة والاندثار.
إن حماية التراث لا تعني الانغلاق على الماضي، بل تعني تحويله إلى معرفة حية تتفاعل مع الحاضر. فالحرفة التقليدية يمكن أن تصبح مشروعا إنتاجيا مستداما، والحكاية الشعبية يمكن أن تصبح فيلما وثائقيا، والأرشيف القديم يمكن أن يصبح محتوى تعليميا رقميا يدر دخلا ويعزز الصمود.
ونحن أمام ذكرى يوم التراث الفلسطيني، فإن شعار «تراثنا باقٍ ما بقيت الحكاية» يتجاوز حدود الاحتفال الرمزي إلى مسؤولية وطنية حقيقية في الحفظ والتوثيق والتعليم. فالتراث ليس مجرد شواهد على ماضينا، بل هو سلاحنا الأبدي لحراسة المستقبل؛ وطالما أن الحكاية حية، فلن يتمكن الاحتلال من كتابة النهاية، وسيظل التراث الفلسطيني حاضرا شاهدا على أننا شعب له تاريخ عريق، وثقافة أصيلة، وذاكرة لا تموت.




