تقاطــــع واســع في الــرؤى بشــأن تصفيــة الاستعمـــار وتعزيــــــز الأمـــن الإقليمـي
تجمع الجزائر وروسيا علاقات متينة تعود جذورها إلى فترة ثورة التحرير الوطني، وهي علاقات راسخة تتجاوز الحسابات الظرفية، ويسعى البلدان إلى تعزيزها بما يخدم مصالحهما المشتركة، وأكدت موسكو أهمية الدور الريادي الذي تضطلع به الجزائر في الساحل الإفريقي، قصد دعم التنمية والاستقرار.
حملت تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، لوسائل الإعلام، بالتزامن مع التحضيرات للقمة الروسية الإفريقية بموسكو، رسائل دبلوماسية بالغة الأهمية بشأن طبيعة الشراكة الاستراتيجية التي تجمع الجزائر وموسكو وآفاق تطويرها.
وعبر لافروف عن تقدير بلاده لمكانة الجزائر ودورها في تثبيت الاستقرار في الجوار الإقليمي مؤكدا التقاطع الواسع في الرؤى بين البلدين بشأن تصفية الاستعمار، وتعزيز الأمن الإقليمي عبر حلول «إفريقية-إفريقية»، وتمكين الدول الإفريقية من امتلاك زمام قرارها السياسي والاقتصادي، والعمل المشترك من أجل بناء نظام دولي متعدد الأقطاب.
وتؤكد تصريحات رئيس الدبلوماسية الروسية، انسجام مواقف البلدين بشأن العديد من القضايا، لا سيما ما يتعلق بأحقية الجزائر في الدفاع عن أمنها ومصالحها الاستراتيجية. وأكد لافروف دعم بلاده للدور الجزائري في عمقها الاستراتيجي، باعتبارها قوة فاعلة في ترسيخ الاستقرار، مشددا على مساندة موسكو للتقارب والنشاط الدبلوماسي الجزائري في منطقة الساحل الإفريقي.
وفي هذا السياق، أشار إلى عمق العلاقات التاريخية التي تجمع البلدين، والتي تعود إلى فترة كفاح الشعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي، بما يعكس رسوخ هذه العلاقات واستمراريتها، ويؤكد هذا الموقف أن علاقات الجزائر مع روسيا وبقية دول المنطقة تقوم على التكامل لا التنافس، وعلى الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، في مواجهة محاولات إعادة إنتاج المقاربات الاستعمارية والتشويش على الدور الجزائري وتشويه صورة روسيا في المنطقة.
واستحضر لافروف الإرث التاريخي المشترك بين البلدين، في إشارة واضحة إلى أن علاقاتهما ليست تقاربا ظرفيا تفرضه التحولات الدولية الراهنة، بل شراكة تستند إلى جذور تاريخية ومصالح استراتيجية متبادلة.
وقد أسهم هذا الرصيد في تعزيز التعاون الثنائي، وجعل الجزائر ثاني أكبر شريك لروسيا في إفريقيا. ويتجلى ذلك أيضا في الإعلان الاستراتيجي الذي وقعه البلدان خلال زيارة رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، إلى روسيا، باعتباره إطارا مؤسسيا لتطوير العلاقات الثنائية والارتقاء بها.
ووصف لافروف الزيارة بأنها خارطة طريق لتعميق الشراكة وتوسيع آفاقها، بما يعكس حرص البلدين على إضفاء طابع مؤسسي ومنظم على التعاون بين البلدين. كما أكد استعداد روسيا للعمل مع الجزائر في الملفات التي تحظى بالأولوية لديها.
الطاقـــــة.. مجـــال حيــوي للتعــــاون
إلى جانب الرصيد التاريخي المشترك والإطار السياسي المعلن لتطوير الشراكة، ركز لافروف على المصالح العملية التي تفرض استمرار التنسيق بين البلدين. وفي هذا الإطار، أشار إلى اجتماعه مع وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، قبل اللقاء الإعلامي، موضحا أن المحادثات تناولت اجتماعات اللجنة الحكومية المشتركة ومختلف مجالات التعاون، ولا سيما الطاقة والغاز، باعتبارهما مجالين ذوي أهمية استراتيجية للبلدين، سواء من خلال تبادل الخبرات والتكنولوجيا أو تطوير المشاريع المشتركة، في إطار الاتفاقات المبرمة والإمكانات المتاحة.
على صعيد آخر، يلتقي موقف موسكو في العمل متعدد الأطراف، مع الدول الإفريقية في المطالبة بإصلاح مجلس الأمن الدولي بما يضمن حصول إفريقيا على مقعد دائم، ويستجيب لمطالبها بإنهاء التهميش التاريخي الذي تعانيه داخل مؤسسات الحوكمة العالمية، وتعزيز حضورها في صناعة القرار الدولي.وترافع الجزائر داخل مجلس الأمن الدولي لصالح هذه المواقف، وخلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة مؤخرا. ويبرز هذا التقاطع أهمية مبدأ استقلالية القرار الوطني، الذي يشكل أحد الثوابت الراسخة للسياسة الخارجية الجزائرية.



