«الألفاظ الأمازيغيّة في الدّارجة الجزائريّة، دراسة صوتيّة دلاليّة»..

مذكّرة ماستر ناقشتها الإعلامية إيمان كاسي موسى

حبيبة غريب

بالرّغم من اختلاف اللّهجات الدارجة في الجزائر من منطقة إلى أخرى، إلاّ أنّها تبقى تتّصل فيما بينها بصورة وطيدة من خلال احتوائها على كلمات أمازيغية وعربية ترسّخت فيها على مرور الزمن، وبحكم التواصل المستمر بين مختلف أفراد المجتمع. الموضوع تناولته دراسة بحثية أجرتها الإعلامية إيمان كاسي موسى، في إطار مذكرة ماستر بجامعة الجزائر 2.

ناقشت الإعلامية إيمان كاسي موسى يوم 7 أكتوبر 2019 مذكّرة الماستر في تخصّص اللّسانيات العامّة، قسم علوم اللّسان، جامعة الجزائر 2، والتي حملت عنوان: «الألفاظ الأمازيغيّة في الدّارجة الجزائريّة، دراسة صوتيّة دلاليّة»، تحصّلت من خلالها على علامة 19.5 مع تهنئة لجنة التّحكيم، أشرفت عليها وأطّرتها الدّكتورة حاوش تسعديت.
يعد موضوع نقاش المذكرة «الأوّل من نوعه كدراسة علميّة، وهو يسدل السّتار، حسب إيمان كاسي موسى «عن جانب لطالما غاب عن الكثيرين، وهو أنّ الجزائريّين كلّهم يتحدّثون الأمازيغيّة بنسب متفاوتة، سواء من خلال عيشهم في دوائر ثقافيّة معيّنة أو إثر عوامل التّثاقف الّتي تقف وراءها عدّة مؤثّرات، وهذا يتجسّد في الدّارجة المستعملة في مختلف ربوع الوطن، باعتبار أنّ حجم التّعايش اللّغوي بين الأمازيغيّة والعربيّة، والمتمثّل في غزارة الألفاظ المنتقلة من الجهتين، يعكس مدى نزوع الإنسان، ولو لاشعوريّا، إلى كسر الحواجز الوهميّة مهم طبعت مخيّلته».
 وتضيف الاعلامية أن الدراسة قد أحالتها «إلى عدّة مجالات كاللّسانيات الاجتماعيّة والسّيميولوجيا والأنثروبولوجيا،» إذ ركّزت ـ تقول في تصريح لـ « الشعب ـ «على نوعيّة التغيّرات الدّلالية والفونولوجيّة الّتي شهدتها الألفاظ الأمازيغيّة الموطّنة في الدّارجة المتميّزة بطابعها وتراكيبها العربيّين، علاوة على النّحو والصّرف أيضا».
 وتعلّل إيمان كاسي هذا الاختيار انطلاقا من «أنّ الإنسان، كما يقول هرمان بول Herman Paul، يلجأ إلى «القياس» كلّما دعت الحاجة إلى تثبيت أمور جديدة على ما في حافظته من أمور قديمة، ليضحى القياس فاعلا في نموّ لغة الفرد دون شعور منه».
 وقد شملت المذكّرة «عيّنات من الألفاظ الدّارجة المعروفة في السّياق التّداولي اليومي، مع إيراد أصولها المشتركة في مختلف المتغيّرات الأمازيغيّة المعروفة منها أو تلك الّتي أمست تجابه خطر الاندثار. كما تجدر الإشارة إلى أنّه لا ضيم للغة على لغة أخرى لأنّ لكلّ منها أرومتها وسليقتها، مع عدم إهمال جماليّة التّثاقف المتضمّن في الأوعية اللّغوية والقوالب الخطابيّة الّتي تحرّكها الميكانيزمات الاجتماعيّة المنوطة بحياة الفرد قدما».
فالدّارجة الجزائريّة، تقول كاسي موسى «مشبّعة بالحمولات الثّقافية الّتي تعكس صور الوعي الإنساني والمتخمة بمظاهر التّعايش اللّغوي والانتشار الثّقافي الأنيق عبر التّاريخ».
 وفي سياق متصل، أشارت الإعلامية بالقناة الثانية للإذاعة الوطنية أن  خلاصة الموصوع هي « دراسة لسانيّة صوتيّة تهتمّ بالشقّين الدّلالي والصّوتي للألفاظ الأمازيغيّة المتداولة في الدّارجة الجزائريّة المتميّزة بقالبها العربي، وهو ما يستلزم إلقاء الضّوء على أكثر الألفاظ الأمازيغيّة تداولا في الدّارجة الجزائريّة، واتّخاذها كعيّنة للبحث والمعالجة.
ولأنّ هذه الدّارجة تختلف من منطقة إلى أخرى، وبغرض الإلمام بأكثر من متغيّر أمازيغي، فلم تقتصر الباحثة  «على الدّارجة العاصميّة فقط، وإنّما امتدّت في البحث إلى دوارج ولهجات عامّية أخرى لموضوعيّة أكبر، وكذلك سعيا منها للتعرّف على طبيعة التّثاقف اللّغوي الحاصل في شمال وجنوب وشرق وغرب الوطن، لا سيّما المناطق الّتي تجمع بين المتحدّثين بالدّارجة والمتحدّثين بالأمازيغيّة على حدّ سواء. فالأمر، حسبها يخضع لمؤشّرات جغرافيّة وزمنيّة تتحكّم في ميكانيزمات الانتشار اللّغوي، علاوة على عاملي التّواصل والتّداول.

مقتطفات من المذكّرة

- أنتج التّزاوج اللّساني الحاصل انتشارا ثقافيّا ملموسا، كانتقال ألفاظ تعنى بالمأكولات ذات الطّابع الأمازيغي وما يتّصل بها، إلى جانب انتقال ألفاظ تعنى بالعادات والتّقاليد وأخرى بثمار تتّصف بها مناطق دون أخرى لكنّها عرفت الانتشار تبعا للعامل الاقتصادي وأخذت معها تسمياتها، وكذا ألفاظ وأفعال تدخل في السّياق التّداولي اليومي.
-  خدمة للجانب التّواصلي الّذي يظهر بشكل لافت، يشدّنا عامل تداول الألفاظ الّذي يجعلنا ننتبه لظواهر سوسيولسانيّة مع عدم إهمال الأبعاد السّيميولوجيّة والأنثروبولوجيّة للتّواصل الشّفهي بين ثقافتين شفويّتين أصلا. ولأنّ العلاقة تكمن بين ثقافتين لم تنعما بما يكفي من التّدوين، فالتّداول يظلّ يؤثّر باستمرار في الدّلالة ممّا يجعل العامل اللّغوي يتعرّض للتحوّل الدّائم تبعا لأشكال الخطاب والقوالب الّتي يتّخذها لاسيّما إن خضع للعامل الإيديولوجي كذلك.
- إنّ الحلّة الّتي تتّخذها الدّارجة عبارة عن وعاء يجمع مختلف الثّقافات، فيخضعها لظروف إنتاج معيّنة تتّصل بالرّأسمال الفكري للمجتمع وأشكال الخطاب الّتي ينتجها، وهذا باعتبار الخطاب حسب الفيلسوف ميشيل فوكو Michel Foucault إنتاجا تصحبه صفات معيّنة كالانتقاء والتّنظيم والمراقبة. هذا، علاوة على تأثير البيئة الفاعل على مختلف المفاهيم المتنقّلة، كما أنّ العديد من الألفاظ ذات الدّلالة السّلبية نشأت أو تحوّلت كذلك بسبب اللّجوء إلى التّشبيه والاستعارة لتنافي ثقافة الحوار في المجتمع.
-  تظلّ بعض الإشكاليّات مطروحة بخصوص مستقبل الأوعية اللّغوية الّتي توفد مصطلحات وألفاظا، وتلك الّتي تستقبلها وتقولبها تماشيا وأنظمتها اللّغوية. فنحن ندرك أنّ اللّغة الّتي لا تتثاقف تموت، ولذلك قد لا يجدر اعتبار التّداخل اللّغوي ضربا من الهجانة، بل نتاج مقتضيات لسانيّة، بيئيّة، اجتماعيّة، تاريخيّة، إعلاميّة، بسيكولوجيّة وجغرافيّة تحرّك الفواعل داخل المجتمع لتنتهي إلى الصّورة الّتي تطبع التّواصل اليومي بين استنباط وتوظيف ألفاظ وتوليد ألفاظ، واشتقاق ألفاظ وإنتاج ألفاظ وكذا قوالب خطابيّة متنوّعة تساهم في تميّز وتفرّد الدّارجة الجزائريّة المشبّعة بالحمولات الثّقافية الّتي تعكس مظاهر الوعي الإنساني، والمليئة بمظاهر التّعايش اللّغوي عبر التّاريخ.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18102

العدد18102

الإثنين 18 نوفمبر 2019
العدد18101

العدد18101

الأحد 17 نوفمبر 2019
العدد18100

العدد18100

السبت 16 نوفمبر 2019
العدد- 18099

العدد- 18099

الجمعة 15 نوفمبر 2019