الاستثمار المحلي يدخل مرحلة المتابعة الجدية

كشف 121 مشروع على الورق ولا شيء منها في الواقع بالمدية

سعيد بن عياد

اعذار المتعاملين للشّروع في الانجاز قبل استرجاع العقار الصناعي

«بعد ولايات البيض، المسيلة وتيبازة التي استرجعت السلطات العمومية المحلية عقارات شاسعة، كانت في قبضة أطراف العصابة وأدواتها، ها هي ولاية المدية تبادر لتميط اللّثام عن واقع استثماري مزيف (ماعدا مبادرات قليلة تحققت في الميدان) استشرى في سنوات سابقة دون أن يتجسد على مستوى فضاءات كانت مخصّصة لإنتاج الثروة وتشغيل اليد العاملة، فوّجهت اعذارات لمتعاملين ومؤسسات لم يلتزموا بانجاز مشاريع اقتصادية فلم يعد ممكنا السكوت عليهم بعد ان دقت ساعة تقديم كشف الحساب».
لا يمكن للجماعات المحلية أن تنطلق على مسار التنمية السليمة والمنسجمة مع التحولات القائمة على الشفافية في المرافقة من حيث توفير العقار الاستثماري والتمويل، إذ لا تبادر في الميدان بنفض الغبار عن ملفات تدعى استثمارية وفرز أوراقها مقارنة بمدى تجسديها في الميدان.
ولاية المدية يبدو أنها فضلت اعتماد قواعد الوضوح ولذلك أخرجت للعلن معطيات تثير الدهشة بعد الكشف عن قائمة تضم 121 مؤسسة صغيرة ومتوسطة بمختلف أنواعها القانونية تحصلت على أوعية عقارية ولم تبادر بانجاز المشاريع المصرح بها وهددت الولاية بلغة لا تقبل التردد وتستدعي مواصلة عملية المكاشفة إلى نهايتها لتأسيس ثقافة حديثة وصحيحة تتوفر فقط لدى متعاملين ورجال أعمال على قلتهم تتوفر فيهم معايير المبادرة والاحترافية.
مراجعة قائمة تلك المشاريع التي سجلتها مؤسسات يبدو أنها باعت أوهاما مستفيدة من انفتاح الدولة على فضاءات الهضاب العليا والجنوب وتخصيص إجراءات تحفيزية غير مسبوقة تثير تساؤلات حول مدى جدية والتزام أصحابها.
على الورق والملفات التي تتراكم في أدراج المصالح المشرفة على ترقية الاستثمار تبدو الأرقام مشجعة لكن أين هي من واقع الجغرافيا التي لا يزال طابعها على حاله.
جهات مختلفة من هذه الولاية أشبعت بالمشاريع التي لا تكاد تتعدى النوايا، لكن ها هي تتحول إلى موضوع اعذارات علنية تلزم أصحابها المعنيين بالشروع في العمل في أجل خمسة عشر يوما قبل اتخاذ التدابير القانونية ضد المستثمرين وأشباه المستثمرين. لكن أين هؤلاء في هذا الصيف الحار، في الجزائر أو على ضفاف سواحل تستنزف موارد الجزائريين، وهل يواصلون اللعب على فجوات الإدارة والتماطل، لنرى.. مشاريع من عنوانيها مغرية ولا تترك في البداية مجالا للتأخر في دعمها والوقوف إلى جانب أصحابها، خاصة وأنها تصنف في الخطابات الرسمية للمرحلة السابقة مواقع أقطاب للتنمية المتوازنة والشاملة، لكنها جوفاء ولا تتعدى مجرد أكوام من الورق، لكن بأي مقابل.
عينات منها تستحق أن تكون محل دراسة أكثر من مجرد حالات تأخر وربما تشملها آليات أخرى تعنى بحماية المال العام والدفاع عنه قبل أن يضيع الجمل بما حمل، وتتبع كل ما نجم عنها من إجراءات مرافقة أخرى اكسر من تخصيص عقارات ثمينة تسيل لعاب كثيرين من محترفي الاستثمار الوهمي، (يعفى من هذا كل مستثمر جدي ونزيه يقاوم العراقيل ويحرص على تشريف التزامه لديه قناعة بأن مصلحة المؤسسة والفرد من مصلحة البلد والاقتصاد)، خاصة في ظل استكمال البنية التحتية ممثلة في الطريق السيار شمال جنوب الذي دخل مرحلة متقدمة بفتح الأنفاق على مستوى جبال الشفة وبالتالي تحسن معدل الزمن مقارنة بالمسافة.
أكبر موقع بلغ حالة تشبع في مشاريع استثمارية تبدو انها وهمية وتصنف في خانة مفقود يبحث عنه، هي قصر البخاري الحظيرة الصناعية (36 مشروعا)، بوغزول (35)، شهبوينة (17)، ذراع السمار (09)، شلالة العذاورة (04) وعين بوسيف (03) إلى جانب مواقع أخرى بمعدل مشروعين أو مشروع واحد.
النشاطات المصرح بها زعما لها أهميتها لو تتجسد على الأرض وتشمل بالأخص صناعة تحويلية، البلاستيك واسترجاعه، الخدمات، عيادة جراحية، مطبعة صناعية، إنتاج حليب الأطفال، أجهزة تلفاز، تركيب دراجات، صناعة أعلاف الدجاج، تجفيف الفواكه، مواد بناء، تبريد وفنادق وصناعة الرخام والى غيرها من العناوين الجذابة والتي تجعل القائم على التنمية المحلية يشجع مبادرات بهذا النوع لكن هيهات.. أفلا يخجل هؤلاء وغيرهم ممن باعوا الضمير مقابل جمع ثروات واحتكار نفوذ يخدم مصالح خاصة ضيّقة ويقتل الأمل.
في عين بوسيف مثلا يشير الإعلان الى مشاريع تخص تحويل اللحوم البيضاء، فندق ومركب متعدد الوظائف وفندق من ثلاث نجوم، وهي مشاريع لو تحققت في الميدان لساهمت فعلا في امتصاص البطالة وتوفر فرص العيش الكريم لعشرات ومئات الشباب في منطقة تفتقر لاستثمارات ذات جدوى في عالم الشغل وإنتاج الثروة المحلية.
سؤال يطرح كيف تحصل أصحاب الاعذارات على تخصيصات عقارية ومنذ متى، وما طبيعة المرافقة الأخرى مثل تمويلات وقروض، ولماذا تأخرت السلطات المحلية في فترات سابقة عن اتخاذ الإجراءات ذات الصلة لحماية العقار العمومي وقطع الطريق أمام محتالين ومتلاعبين في وقت تواجه فيه البلاد أزمة تهدد أجيالا بكاملها، ولا تحتمل إضاعة مزيد من الوقت حتى يتم استكمال تجميع الطاقات المختلفة وتجنيد الموارد المتناثرة ضمن توجه دقيق وواضح يؤسس لنمط اقتصادي حقيقي لا مجال فيه لأوهام أو مغالطات، لأن معادلة النمو ترتكز على مؤشرات واضحة.


 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18073

العدد18073

الإثنين 14 أكتوير 2019
العدد18072

العدد18072

الأحد 13 أكتوير 2019
العدد18071

العدد18071

السبت 12 أكتوير 2019
العدد18070

العدد18070

الجمعة 11 أكتوير 2019