الجانب الاقتصادي لعيد الأضحى

مهن وفرص تشغيل جديرة بالاهتمام

سعيد بن عياد

أظهرت مناسبة عيد الأضحى مؤشرات يمكن أن يؤدي استغلالها إلى إعادة تصويب معادلة الأسواق. فالتشغيل ليس من حيث تسليط الضوء على تقلبات أسعار المواد الاستهلاكية والارتفاع المزمن لها وإنما من حيث بروز أزمة في بعض المهن كالجزارة وبوادر لأخرى يمكن للشباب في المدن من اقتحامها مثل التعاطي مع تربية الأنعام والانتقال إلى العمل في الفلاحة. وعلاوة على الطابع الديني للمناسبة، فإنها أظهرت معطيات اقتصادية جديرة بالتوقف عندها، ليس من جانب الأرقام والإحصائيات لسوق العيد، وإنما من جانب فلسفة التعامل مع المناسبة كقاعدة انطلاق للاستثمار والشغل بإمكانات محلية.

الجزارة... المهنة المفقودة
كشفت يوميات عيد الأضحى وجود أزمة في التعامل مع الأضحية، من حيث الذبح والسلخ وكذا التقطيع، مما فتح المجال أمام الجزارين لاقتناص الفرصة، مستغلين جهل المواطن لأساليب وطرق مواجهة الموقف. وبذلك تحول المواطن بدوره إلى ضحية أمام جبروت الجزار، في ظل فرض أسعار مرتفعة لتقطيع اللحم تتراوح بين 1200 و2000 دينار للخروف ويمكن تصور سعر الخدمة للبقرة.
وأمام تنامي هذه الظاهرة، تبينت مدى أهمية تسليط الضوء على مهنة الجزارة التي يمكن رد الاعتبار لها من خلال إدراجها في التكوين المهني والتمهين تحديدا، خاصة في ظل توجه بناء منظومة مذابح ومسالخ ذات طابع صناعي، من بينها أربعة جهوية تسهر وزارة الفلاحة على تشغيلها في إطار النهوض بإنتاج اللحوم الحمراء محليا.
ويظهر مشهد سوق اللحوم وجود انكماش لمهنة الجزارة بالمعايير الفنية والعلمية التي تضمن تموين السوق بمادة اللحم بمختلف أنواعها، مما خلق حالة احتكار لبعض ممارسي المهنة الذين تصب الوضعية الراهنة في صالحهم، مستفيدين من جهل المواطن للتقنيات ذات الصلة، كما هو في الأعياد وباقي المناسبات، حينما ترتفع فيها أسهم الجزار، خاصة في المدن والأحياء التي انقطعت صلة سكانها بالفلاحة.
تجدر الإشارة إلى أن ندرة العارفين بحرفة الجزارة، تشبه إلى حد كبير ندرة مختلف الحرف الصغيرة الأخرى التي يجري بعثها من خلال برامج التكوين والتأهيل، مثلما هو بالنسبة لمهن البناء وغيرها كالترصيص.
ويقتضي المشهد الراهن في كافة نواحي الحياة الاجتماعية، أن تنفتح منظومة التكوين على شتى الحرف التي تفرض نفسها في الوسط الاجتماعي، بما في ذلك تنظيم دورات تأهيلية قصيرة المدة تسمح للشباب بامتلاك مقومات تؤهلهم لمواجهة الحياة.
شباب المدن.. متى التخلص من عقدة الفلاحة؟
أزاحت مناسبة عيد الأضحى الستار عن مغالطة حان الوقت لتقويمها وإعادة تصحيح مضمونها، يتعلق الأمر بانتشار فكرة أن الشباب في المدن لا يمكنه أن يشتغل سوى في قطاعات الإدارة والخدمات، مما أدخله في دوامة المضاربة والسوق السوداء لمن نجا من إفرازات الفراغ القاتل للإرادة.
وطيلة أكثر من أسبوعين قبل يوم عيد الأضحى، انخرطت أعداد كبيرة من الشباب في المدن الكبرى والأحياء المصنفة حضرية في عملية بيع كباش العيد وحراستها وتسويق أغذيتها من مختلف الأعلاف، ورسم العيد صورة معبّرة لا مجال فيها للنفور من تربية الأغنام، خاصة وأنها مضمونة الدخل وبهوامش ربح مرتفعة وخيالية أحيانا.
وبدل أن يتوقف نشاط الشباب الباحث عن الدخل من خلال العمل المنتج، بانتهاء مناسبة العيد يمكن الاستثمار في هذا المؤشر (تعاطي الشباب مع سوق الأغنام) بإطلاق برامج للاستثمار الجواري في إدماج الشباب في مختلف النشاطات الفلاحية، خاصة تربية الأغنام والأبقار في الهضاب العليا والسهوب وحتى الجنوب وكذا استصلاح الأراضي لإنتاج الأعلاف ضمن عمليات جوارية ذات طابع اقتصادي صارم، من حيث الكلفة والإنتاج وفقا لمقتضيات السوق.
ويقع على الجماعات المحلية واجب التوجه نحو مثل هذا البديل الاقتصادي، لتوفير فرص عمل لسكانها من الشباب، بالتنسيق مع الجهات الإدارية والاقتصادية ذات الصلة لتركيب مشاريع إنتاجية، بما في ذلك الانفتاح على القطاع الخاص الوطني وجلب اهتمامه بمثل هذا المسار. علما أن تربية المواشي المختلفة وإنتاجها بشكل كبير، تشجع على إطلاق صناعة تحويلية لمختلف المواد كالجلود والصوف والدهون واللحوم المختلفة وفقا للطلب في السوق محليا وخارجيا.
إمكانية بعث المؤسسات المصغرة
لا ينبغي البقاء رهن تصورات تقليدية للتشغيل، كما تعاني منه آليات تشغيل الشباب التي سقطت في نمطية (مشاريع النقل والخدمات وبعض الصناعات غير القابلة للديمومة) لم يعد بإمكان الاقتصاد الوطني تحملها.
ومن الضروري إعادة توجيه البوصلة إلى القطاعات التي يمكن الرهان عليها وتحقيق الأهداف الاقتصادية (إنتاج القيمة المضافة) والاجتماعية (الاستقرار)، يتعلق الأمر بتربية المواشي والاستصلاح الزراعي متوسط وواسع النطاق من خلال إرساء استثمارات جوارية ذات كلفة صغيرة ذات تأطير مالي وتقني حقيقي برعاية الجماعات المحلية والدواوين التي تنشط في هذا المجال.
ويمكن لقطاع التكوين المهني أن يساهم في الاستجابة إلى طلب غير معلن، لكنه موجود وينتظر التعبير عنه من خلال دراسات تحليلية للمؤشرات بقراءة اقتصادية تندرج في إطار المسار الجديد لبناء اقتصاد متنوع غير مرتبط عضويا بالمحروقات وهو ما لا يقع فقط على عاتق الجهاز الاقتصادي التقليدي، إنما يعني أيضا كافة المنظومة القائمة على إدارة الشؤون العمومية، بدءاً من البلدية التي لا يجب أن تبقى رهينة الوظيفة التقليدية بقدر ما هي مدعوة إلى ولوج المجال الاستثماري الجواري.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018