أقلام جريئة في طرح القضايا تحدت الإدارة الإستعمارية

عمــــــر راســـــم، إبـــــن التهـــــامـــــي، أبـــــي اليقظـــــان واخـــــرون تحـــــت الضـــــوء

سهام بوعموشة

التجربة الصحفية الجزائرية عريقة ونبيلة بل ومتميزة، بأعلامها وأقلامها وموضوعاتها ومواقفها عبر التاريخ، كما كانت جريئة ورائدة في مسيرتها، فقد لعبت هذه الصحف دورا بارزا في نشر التعليم والثقافة والوعي الإصلاحي وكذلك التعريف بالقضايا العربية والإسلامية المطروحة آنذاك، وأدرك المناضلون والمفكرون والدعاة منذ الوهلة الأولى أهمية هذه الأداة في التحرر الفكري، ومقاومة الغزوالثقافي الاستعماري وإذكاء روح المقاومة ضد الاستعمار.

تحيي الصحافة الجزائرية اليوم الوطني للصحافة المصادف لـ22 أكتوبر من كل سنة، تخليدا لأصحاب مهنة المتاعب نستحضر فيها نضال الأجداد والآباء من أجل حرية الإعلام في الجزائر، بالرغم من ظروف الإستعمار القاهرة، بحيث كانت إدارة الإحتلال تطاردهم عند صدور أي صحيفة تناهض سياسة الإستعمار القمعية وتفضح جرائمه، وتحارب البدع مكرسة القيم الأخلاقية والإسلامية للشعب الجزائري كي لا ينسلخ في ثقافة الأوروبي المسيحي، ومن بين أعلام الصحافة الذين أصدروا صحفا آنذاك متحدين الإحتلال الفرنسي، نجد الشيخ محمد السعيد الزاهري، عبد الحميد بن باديس، العربي فخار، بن قدور الجزائري، أحمد بن عليوة، أبي اليقظان، إبن التهامي، عمر راسم، والقائمة طويلة.
وفي هذا الصدد، أوضحت الأستاذة بقسم التاريخ عبد الشكور أن إنشاء أول صحيفة جزائرية بالعربية المسماة ‘’الجزائر’’، والتي بعثها الرسام العالمي عمر راسم عام سنة 1908 ليكون بذلك ظاهرة إعلامية، قد لا تتكرر في تاريخ الصحافة العالمية، فهوالذي يكتب وهورئيس التحرير، وهوالذي يرسم في جريدته، أي أنه كان كل شئ في جريدة ‘’الجزائر’’ والتي أوقفتها إدارة الاحتلال الفرنسية.
وأضافت الأستاذة أن الباحثين في تاريخ الصحافة يصفون الرعيل الأول من الصحافيين الجزائريين، بالتجربة الصحفية الأكثر إثارة وأهمية في العالم، فالصحفي عمر راسم الذي أنشأ أول صحيفة جزائرية هوأيضا أول من استعمل في عالم الصحافة، الأسماء المستعارة حتى لا توقف فرنسا صحيفته، ونجح بصحيفة ‘’ذوالفقار’’، حيث كان يوقع باسم ابن المنصور الصنهاجي، مشيرة إلى أن عمر راسم كان أول صحفي في العالم يتطرق لخطر الصهيونية، وهوما جعل السلطات الفرنسية تحاكمه عسكريا وأصدرت في حقه حكما بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة، وهوأقصى حكم يصدر في حق صحفي في ذلك الوقت في العالم.
 وبعدها صدرت جريدة ‘’الحق’’ بعاصمة الغرب بعد ثلاث سنوات ثم جريدة ‘’الفاروق’’، التي أسسها محفظ القرآن الكريم عمر بن قدور والتي عززت مسعى ولادة الصحافة الجزائرية والمتمثل في الجزائر، العربية والدين الإسلامي، حيث قامت جريدة الفاروق بمحاربة البدع وكان صاحبها على اتصال مباشر بالشيخ محمد عبده.
موازاة مع ذلك نجد عبد الحميد بن باديس، الذي لم يكن صحفيا تقليديا عند فرنسا لأن قلمه هوسلاحه، ففي سن دون الثلاثين قام بتأسيس أول يومية في تاريخ الجزائر وبعث صحيفة ‘’النجاح’’ رفقة مجموعة من رجالات قسنطينة، وبلغ سحب هذه اليومية أواخر العشرينات من القرن الماضي خمسة آلاف نسخة، توزع على المستوى الوطني، قبل أن يبادر الصحفي عبد الحميد بن باديس بعد النضج الإعلامي إلى إنشاء مؤسسات صحفية كاملة من شركة توزيع ومطبعة وهيئة تحرير.
 وكانت أولى الباكورات عام 1925 جريدة ‘’المنتقد’’، ثم إصداره لجريدة ‘’الشهاب’’ واقتناء المطبعة الجزائرية الإسلامية التي مازالت موجودة لحد الآن، وكذلك خاض كل رجالات جمعية العلماء المسلمين، عالم الصحافة ككتاب وكمؤسسين، ومنهم الشيخ العقبي الذي أسس جريدة ‘’صدى الصحراء’’، وجريدة ‘’بسكرة’’ وجريدة ‘’الإصلاح’’ في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي. علاوة على الشيخ البشير الإبراهيمي والطيب العقبي ومبارك الميلي الذين كان سلاحهم الأقوى هوالصحافة.
 فترة الثلاثينيات شهدت ظهور صحف عدة تابعة للأحزاب والجمعيات
شخصية أخرى ساهمت بقلمها في الصحافة الجزائرية إبان الحقبة الإستعمارية، رغم أن تخصصه طب العيون هوأبوالقاسم بن التهامي المولودة بتاريخ 20 سبتمبر 1873 بمدينة مستغانم، قال أستاذ تخصص تاريخ المغرب العربي المعاصر كمال حمزي، مضيفا أن دور إبن التهامي العلمي برز في نشر عدة مقالات علمية، بحيث ظهر نشاطه السياسي مباشرة بعد الحرب العالمية الأولى إذ تزعم حركة الشباب الجزائري، كان من المطالبين بالإدماج ضمانا للمزيد من الحقوق السياسية للجزائريين، إلى جانب السماح لهم بالتجنيد في الجيش الفرنسي.
وأصدر جريدة التقدم للدفاع عن فكرة الاندماج وظل يكتب مقالاته المعبرة عن الفكر الإدماجي إلى غاية 1931 تاريخ انسحابه من النشاط السياسي، سنة 1936 أيّد مطالب المؤتمر الإسلامي، وقدّم عدة محاضرات في نادي الترقي بالعاصمة.
ومن الصحف وأعلامها في الجزائر، نذكر جريدة المصباح باللغتين لصاحبها العربي فخار سنة 1904 والإسلام (باللغة الفرنسية) للصادق دندن، سنة 1909 والراشدي (باللغة الفرنسية) للحاج عمار سنة 1910 والسجيع (باللغتين) للطيب خدة الصادرة سنة 1912 وصحيفة الصديق لعمر بن قدور الجزائري سنة 1920 والمستقبل الجزائري باللغتين لإبن التهامي وصالح بوخربة سنة 1920 والإقدام (باللغتين) للأمير خالد سنة 1922 والتقدم (باللغتين) سنة 1923، وجريدة ‘’الجزائر’’ للسعيد الزاهري سنة 1925، البلاغ الجزائري لأحمد بن عليوة سنة 1926، ووادي ميزاب لأبي اليقظان في نفس السنة وكذا جريدة الإصلاح للطيب العقبي عام 1927.
وللعلم فإن الفترة الممتدة من الثلاثينات إلى الاستقلال شهدت ظهور الصحف التابعة للجمعيات والأحزاب الوطنية، وذلك بعد أن اتخذت حركة مقاومة الاستعمار شكل التنظيم الجماعي رغم استمرار بعض الصحف الخاصة في الصدور، وهكذا ظهرت سنة 1930 صحيفة الأمة (بالفرنسية) التابعة لحزب نجم شمال إفريقيا، الذي طالب منذ نشأته سنة 1926 باستقلال الجزائر، والوفاق الناطقة بالفرنسية سنة 1935 والتابعة لاتحاد النواب الجزائريين الذي طرح سياسة الإندماج، وكذا البصائر سنة 1935 التابعة لجمعية العلماء المسلمين التي قادت الحركة الإصلاحية النهضوية بالجزائر، بعد ذلك صدور صحيفة «الشعب الجزائري» باللغتين سنة 1937 التابعة لحزب الشعب الجزائري، وجريدة «الجمهورية الجزائرية» باللغتين سنة 1948 للإتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، وصوت الأحرار سنة 1953 لحركة الإنتصار والمقاومة الجزائرية والمجاهد باللغتين لجبهة التحرير الوطني.
 لزاهري أبرز أعلام الصحافة امتد نشاطه وطنيا وعربيا
شخصية أخرى متميزة بقلم سيال وطرح جريء لمختلف القضايا، ساهمت بكتاباتها في الصحف الجزائرية منها المنتقد، الشهاب، النور، الأمة، الإصلاح، والبصائر، وهوالشيخ محمد السعيد الزاهري المولود سنة 1899 في قرية ليانة بولاية بسكرة وتم إغتياله سنة 1956، كما اشترك مع الشيخ الطيب العقبي في رئاسة الجرائد الثلاث الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين: السنة، الشريعة، الصراط، ولم يكتف الشيخ الزاهري بالكتابة في الصحف السابقة، بل خاض تجربة ثرية في عالم الصحافة وذلك بإصدار مجموعة من الصحف وهي الجزائر (1925)، البرق (1927)، الوفاق (1938)، المغرب العربي (1947). ولم يتفوّق عليه في هذا الشأن إلا الشيخ أبواليقظان الذي أصدر وحده 8 صحف، وهي: وادي ميزاب، المغرب، النور، البستان، النبراس، الأمة، الفرقان.
وكانت جريدة الزاهري سياسية أدبية واجتماعية، رفعت شعارا جريئا وسابقا لغيره، وهو: «الجزائر للجزائريين»، كما عبرت عن عزمها على ترقية الأفكار وتحريرها، ولقد أراد الزاهري أن تكون جريدته صورة مطابقة للإقدام التي أسسها الأمير خالد في عام 1920، ثم عطلتها إدارة الاحتلال في مارس 1923.
 فكتب الشيخ الزاهري عن خيبة النخبة الجزائرية، في مبادئ الثورة الفرنسية المتمثلة في حقوق الإنسان والمواطن من خلال نشر قصة الصديقين الرشيد وفرانسوا، فتحصل الثاني على كل الترقيات في الجيش حتى أصبح لواء، بينما بقي الرشيد الذي يملك نفس المستوى العلمي والقدرات والمهارات جنديا بسيطا. وعاش الرشيد حزينا على هذا التمييز العنصري، ومات شهيدا بعد حسرة ضحية للظلم وعدم المساواة.
وقد نالت هذه القصة رواجا كبيرا في الجزائر، وأسرع ابن باديس إلى تخصيص جائزة مقدارها اشتراك سنوي في المنتقد لمن يكتب أحسن قصيدة من 10 أبيات في رثاء الرشيد بطل هذه القصة. ونشرت المنتقد في هذا السياق ثلاث قصائد، كما أصدر الشيخ الزاهري ورحموني محمد عبد المجيد صحيفة جديدة في قسنطينة في 7 مارس 1927 واسمها البرق. وكان الشيخ الزاهري يكتب هذه الجريدة بأسماء مستعارة: الراصد والرقيب وجساس وتأبط شرا، وشارك في تحريرها نخبة من العلماء الجزائريين وكان من بين هؤلاء: الطيب العقبي، مبارك الميلي، الأمين العمودي، المولود الحافظي، وغيرهم، واستطاع الشيخ الزاهري في مارس 1938 أن يصدر في مدينة وهران العدد الأول من صحيفته الثالثة: الوفاق، بحيث كانت تمثل اللسان المعبر عن كتلة الجمعيات الإسلامية لعمالة وهران، التي كان يترأسها الشيخ الزاهري في تلك الفترة.
وقد رحبت بها جريدة الأمة لأبي اليقظان، واستبشرت بها خيرا كثيرا حيث اعتبرتها دعما جديدا لنصرة العربية ونشر قيّم الإسلام السمحاء، وحثت الجزائريين على العناية بها والإقبال عليها. وقد توقفت الوفاق خلال الحرب العالمية الثانية بعد أن صدر منها سبعة وثلاثون عددا، أما جريدته الرابعة المعنونة بـ«المغرب العربي » فقد صدرت في 13 جوان 1947 . وقد سبق للشيخ حمزة بوكوشة أن أسس جريدة تحمل نفس العنوان في عام 1937 بوهران لكنها لم تعمر طويلا لأسباب مالية وسياسية. كما أسس في عام 1936 جمعية «إخوان الأدب » لتفعيل النشاط الثقافي، وتشجيع المثقفين الجزائريين على الكتابة وإصدار الصحف أودعم الصحف القائمة.
وقد تفاعل مع بيانه المنشور في الصحف الجزائرية عدد من المثقفين والمهتمين بالصحافة، وهم: مفدي زكريا، حمزة بوكوشة، بلقاسم بن أرواق. ولكن لا يعلم عن مصير هذه الجمعية الأدبية، ويبدوأنها لم تتجسد على أرض الواقع فوقعت ضحية للظروف القاسية التي أنتجها الاستعمار.
وعن مساهمته في الصحف المشرقية، فقد بدأ تجربته الصحفية في تونس وهوطالب يزاول دراسته بجامع الزيتونة، فقد نشر مقالا في «الوزير » عن الوحدة المغربية، وتساءل في «الزمن » هل البربر عرب؟ وقارن في «النهضة » بين أمة العلم وأمة الجهل. بحيث كتب في ثمان جرائد عربية وهي المقتطف سنة 1876، والمقطم سنة 1888، المنار عام 1898، الفتح سنة 1926، الجهاد سنة 1931، الرسالة سنة 1933 هذه الأخيرة كانت توزع في الجزائر، ويتهافت عليها المثقفين والطلبة.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18366

العدد18366

الإثنين 28 سبتمبر 2020
العدد18365

العدد18365

الأحد 27 سبتمبر 2020
العدد18364

العدد18364

السبت 26 سبتمبر 2020
العدد18363

العدد18363

الجمعة 25 سبتمبر 2020