ثورة غيرت مجرى التاريخ

نوفمبر .. والعزائم الصادقة

بقلم» أحمد بن السائح- بسكرة

تاريخ الجزائر حافل بالبطولة والتضحية والإستشهاد ، وفيه من المفاخر ما ليس في غيره من تواريخ الأمم الأخرى . وثورة التحرير الجزائرية تزخر بالأمجاد الخالدة ، وصور الإبتلاء والثبات في ميادين الوغى ، وكلها تترجم عن العزائم الصادقة التي كان يتسلح بها المجاهدون البواسل أثناء الكريهة وفي ساعات الضيم التي تشتد فيها المجابهة ، ويَحْتًدُّ فيها النِّزَالُ ويَحْمَى فيها وطيس المعارك في ساعة من نهار لتغيير زمن بأكمله .. وهكذا كان مجرى ومسار الثورة التحريرية في كل المواقع التي تحولت إلى استشهاد وتحول هذا الأخير إلى انتصارات باهرة وظَفَرٍ مُعَزَّزٍ بتأييد العزيز الحكيم .
    كانت الثورة الجزائرية هي الإستثناء الوحيد الذي انتصر بالإيمان وبكلمة:(( الله أكبر )) التي انطلقت تُعَانِقُ جَوَّ السماء في ساحات الملاحم وميادين المعارك ، وكانت هي الثورة الوحيدة ـ في العالم ـ التي لا أثر فيها لأية إيديولوجيا فاسدة أَوْ قومية بائدة ، بل كانت ثورة شعب مُسْلِمٍ آمن بجدوى استرجاع حقه المغتصب ، وراح يعمل على افتكاك حريته عبر نضالات مريرة ومضنية ، ولَمْ تُرْهِبْهُ غطرسة القوة ولا قوانين البطش ، ولا طرائق الإستبداد التي كانت مسلطة عليه . وكان الشعب الجزائري أثناء كل مراحل الإحتلال يتوارث محنة وطنه السليب ، وظلت الأجيال ـ المتلاحقة ـ تحتضن قضية الجزائر وتَعَضُّ عليها بالنواجذ ، وتَحَدَّتْ الأمة الجزائرية كل محاولات الضَّمِّ بالقوة والإدعاء ، وقاومت محاولات الإدماج والإحتواء ، وتصدت لكل صنوف الكيد الكولونيالي الذي وضع يده على كل أملاك الجزائريين ، ولَمْ تستسلم للعدوان الجائر الذي أجهز على كل شيئ ، وَوَظَّفَ ما استطاع من مال وعتاد من أجل قهر الجزائريين القهر النهائي الذي لا تقوم لهم من بعده قائمة .

شعلة وطنية وهاجة عبر السنين

كان ذلك هو واقع الجزائر على مدى قرن واثنتين وثلاثين سنة ( 1830 ـ 1962 ) ، وظلت الشعلة الوطنية عبر تلك السنوات الطوال وهاجة ، بل تزداد وَهَجًا كلما ادْلَهَمَّتِ الخطوب واشتدت الأزمات التي سجلها تاريخ الحركة الوطنية ، وفي كل مرة ينتهي بها المطاف ـ دائما ـ إلى النفق المسدود الذي يرسم مساره ويحدد وجهته التخطيط المبيت للإحتلال الذي يبرمج للمذابح وللإبادات الشاملة رَدٍّا على أية مطالبة بِحَقٍّ أَوْ نِضَالٍ .. وجاءت الثورة الجزائرية لتضع حَدًّا للمعاناة المتواصلة ، بعد أن تشرذمت كل النضالات السابقة ، ولَمْ يَعُدْ عملها مُثْمِرًا ولا جدوى منه ولا من بقائه في الساحة الوطنية التي انتشر الخلاف في كل مفاصلها ، وتَشَتَّتَتْ بوصلتها التي تجاوزها الزمن وتَفَرَّقَتْ بها السُّبُلُ ، وأصبح ضررها أكبر من نفعها ، وكان من الحتم أن يتخلص الشعب من الأهواء السياسية القاتلة ، والشعارات الزائفة التي كانت تتغنى بالتسويف وتأجيل الثورة التي لَمْ يَحِنْ ميقاتها بعد !!! وكان على الشعب ـ أيضًا ـ أن يتجاوز الفتن ويتجنب مراتع السياسات الْفَجَّةِ وكل ما يغذيه الإستعمار ويراهن عليه ، وينأى بنفسه عن ذلك الصراع وما فيه من احتقان وتشنجات بين قيادة الحزب ولجنته المركزية ، ويترفع عن تلك الأزمة التي غدت أداة تقسيم وانتحار ، وتحولت إلى لعبة قذرة بين الجانبين ، ولا يلتفت لجنون الزعامات المريضة بداء الانفصام ـ الشيزوفرينيا La Schizophrenie ـ الذي أفرز المشيخة السياسية الكاذبة التي كانت تتطلع إلى ترسيخ الذاتية المطلقة ، وفرض الهيمنة الفرعونية الطاغية : (( ... مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ... )) !!!
    وسط ذلك الجو القاتم أَوْمَضَ بَرْقُ الوطنية الصادقة الذي راح رجالاته يضيؤون سماء الجزائر بطريقتهم الخاصة ، وبأعمالهم الفذة التي انتشلت القضية الوطنية من مهواها السحيق الذي كانت آيلة إليه .. جاء هؤلاء الرجال وكأنهم كانوا على قدر مع الراهن ومع المستقبل ومع التاريخ لحسم مصير وطن ومستقبل أمة ، ونقض مسار وتوجهات مسرحية الطفولة السياسية التي انسلخ بهلواناتها من مبادئ الأخلاق السياسية ، وأداروا الظهر للقيم التي يستوجبها النضال ، وتقتضيها قواعد الإلتزام والإنضباط .

نخب تخرج النضال من النفق المسدود

وعلى الرغم من ذلك الصراع العقيم ـ بين الحزب ولجنته المركزية ـ فقد برز من بين المناضلين نخبة حيادية أقدمت على تأسيس [[ اللجنة الثورية للوحدة والعمل  [[Comité Révolutionnaire de l’Unité et l’Action ( C . R . U . A )  بتاريخ : 23 مارس 1954 ، وكانت تلك النخبة من ألمع المناضلين ومن أخلص الوطنيين الذين أفرزتهم (( المنظمة الخاصة )) ، وقد حاولت ـ تلك النخبة ـ أن تُصْلِحَ بين المتخاصمين ( المصاليين والمركزيين ) ولكن بدون جدوى ، وباءت كل جهود التقريب بينهما بالفشل . وعلى إثر ذلك فُسِحَ المجال للخروج من النفق المسدود ، وفي صائفة 1954 عقدت (( اللجنة الثورية للوحدة والعمل )) اجتماع الـ : 22 ، وكان لاجتماعهم الدور الحاسم في تحديد المسار وتبادل وجهات النظر بين المجتمعين ، وكلهم من قدماء (( المنظمة الخاصة )) ، واتفقوا على أجندة عمل صارمة تتعلق بجدوى العمل المسلح ، وكانت القناعة السائدة بينهم هي التعجيل بالثورة ، وهذا ما رَكَّزَ عليه الشهيد سويداني بوجمعة وأيده بالموافقة والمباركة الشهيد ديدوش مراد ؛ ومن أهم نتائج اجتماع الـ : 22 انبثاق القيادة الخماسية التاريخية (( ابن بولعيد ، بوضياف ، ديدوش ، ابن مهيدي ، بيطاط )) ، وانضمام (( كريم بلقاسم )) لاحقا ، لأن منطقة القبائل لَمْ تكن ممثلة في اجتماع الـ : 22 ، وبعد مفاوضات شاقة وعسيرة بين القيادة الخماسية وممثلي منطقة القبائل (( كريم بلقاسم وعمر أوعمران )) ، التئم الشمل وأصبح التمثيل الثوري وطنيا بالإجماع ، وأصبحت القيادة الخماسية قيادة سداسية بانضمام (( كريم بلقاسم )) إليها ؛ وكان هؤلاء الستة خلاصة الوطنية ومحل الاستعداد ورموز التضحية وقدوة الفداء . وبدأ التيار الثوري يتجه نحو آفاق نوفمبر ، وبدأت التحضيرات الجادة تَسْتَعِدُّ وتُرَتِّبُ للجهوزية الكاملة ليوم بداية التحرير ، وكان للعزائم الصادقة بعد كل تلك الجهود ـ التي بذلتها القيادة الجديدة ـ دورها الإيجابي في جلب السلاح واقتنائه بأية وسيلة ، وجمع المؤن والأدوية وتوفير ما يمكن توفيره من أحذية وألبسة عسكرية استعدادًا لليوم الفاصل . وفي شهر سبتمبر 1954 عقدت اللجنة السداسية لقاءً تشاوريا تدارست فيه العديد من قضايا التحضير والإعداد ، وأعقب هذا اللقاء لقاءً هاما تَمَّ يوم العاشر من أكتوبر 1954 اتفق فيه رادة البطولة والفداء على وضع طائفة من القرارات التاريخية المتعلقة بمسار ومصير الثورة .
 ومن تلك القرارات تقسيم الوطن إلى خمس مناطق وتعيين رؤساء المناطق ونوابهم ، وتحديد الإسم السياسي الجديد للثورة (( جبهة التحرير الوطني )) وجناحها المسلح (( جيش التحرير الوطني )) ، والعمل على صياغة بيان يعكس حقيقة وأبعاد التنظيم السياسي الجديد ، وتحديد تاريخ الثورة وميقات انطلاقتها . وفي الثاني والعشرين من أكتوبر 1954 جدد القادة الستة لقاءهم التقييمي الشامل للوقوف على مدى جاهزية الوحدات المقاتلة التي ستكون مَحَلَّ الرهان أثناء التفجير الفعلي للثورة المباركة ، وبعد يومين ـ 24 أكتوبر 1954 ـ عقد قادة الثورة آخر اجتماع لهم لوضع اللمسات الأخيرة على المعجزة التي لا تزال في أرحام الغيب المستور قبل أن يُسْفِرَ صُبْحُهَا بعد أسبوع عن بداية تخليص الجزائر من أسرها وتحطيم أغلالها .. وجاءت ساعة الحسم .. الساعة صفر من صبيحة يوم الإثنين 1 نوفمبر 1954 .. وجاء رجالات نوفمبر بعزائمهم الصادقة بعد أن اسْتَيْأَسَ الشعبُ وظَنَّ أنه قد كُذِبَ في تضحياته وفي الثمن الباهظ الذي قَدَّمَهُ أثناء حقبة الإحتلال .. جاءه نصر الله وكفى بنصر الله نصرًا .

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18188

العدد18188

الجمعة 28 فيفري 2020
العدد18187

العدد18187

الأربعاء 26 فيفري 2020
العدد18186

العدد18186

الثلاثاء 25 فيفري 2020
العدد18185

العدد18185

الإثنين 24 فيفري 2020