الذّكرى الـ 61 لاستشهاده

ديدوش مراد مثال القائد العظيم الذي يعرف كيف يحوّل الهزيمة إلى نصر

كان أصغر الستة المفجّرين للثّورة: بن بولعيد، بن مهيدي، بوضياف، كريم بلقاسم، بيطاط وديدوش، وأكثرهم انفعالا وأحرصهم على تلطيف الجو بالنكت والضحك المشوّق، إنّه الشهيد مراد ديدوش الذي ستحلّ علينا خلال أيام الذكرى الـ 61 لاستشهاده، هو الابن الأصغر لعائلة تتكون من ثلاثة أولاد بالإضافة إلى الأم، التي تملك مطعما شعبيا صغيرا وسط العاصمة بشارع ميموني، وكانت انتقلت إلى العاصمة في منتصف العشرينات، وفي الوقت الذي كانت الأم حاملا بمراد اشترى الأب قطعة أرض بشارع ميموزا بحي لارودوت المسمى حاليا المرادية تخليدا للشهيد.
وتمكّنت العائلة من بناء المنزل قبل ازدياد الإبن الأصغر، الذي جاء إلى الدنيا بإحدى غرفه، وكانت العائلة متفائلة بهذا المولود الذي يقال عنه أنه «مسعود»، وأن الدرويش الذي يتردد إلى مطعم الوالد قد بشره.
وتشاء الأقدار أن يولد مراد في يـوم 14 جويلية 1927، والذي يصادف العيد السنوي للثورة الفرنسية، ولكن وطنية الأب واعتزازه بدينه وكرهه للاستعمار، وعملائه خاصة جعله يسجله بالبلدية على أنه ولد يوم 13 جويلية 1927 بدل الرابع عشر.
وتكون بذلك هذه الحادثة بمثابة درس لقّنه الشيخ «أحمد» لابنه الأصغر في الوطنية، التي كان أهل المداشر والقرى يعتزون بها، وينتهزون الفرص لإبرازها في وقت ظن البعض أن الجزائر أصبحت فرنسية.
في منزل عائلة ديدوش، كانت هناك مدرسة قرآنية قبل أن تتحول إلى مخبزة يشرف عليها عبد الحميد، وبمجرد بلوغ مراد سن أربع سنوات أخذه أبوه عند الشيخ أرزقي والطاهر ليلقنه القرآن الكريم، ويستمر ذلك إلى غاية التحاقه بالمدرسة النظامية، وذلك سنة 1933، وكانت هذه السنة بمثابة الإسمنت المسلّح الذي بني عليه التكوين القاعدي لشخصية الشهيد المتشبّعة بالتعليم الإسلامية، التي لقّنها بدوره لشباب الكشافة الإسلامية الجزائرية بفوج «الأمل».
وكانت اللقاءات العفوية التي كان يجريها مع الشيخ خير الدين، وهو مدرّس بالمدرسة الفرونكو إسلامية عند حلاق الحي تعكس مدى ثقافة مراد الإسلامية، حيث كان يقوم بتحليل أوضاع العالم الإسلامي والعربي وكأنّه خرّيج جامعة الزيتونة أو الأزهر، وهو الذي كان لا يتعدى عمره آنذاك العشرين سنة، وكانا هو والشيخ خير الدين يتفقّهان على أنّ خلاص هذه الأمة يكمن في تشبّتها بإحياء دينها ولغتها، وأنه لامناص من بلوغ ذلك. كان رفقائه يسمونه الهراج، فكان تواقا إلى اندلاع الثورة وإن كان ذلك بالفأس والسكين، يهابه الكثير، ويخافونه لميله إلى استعمال القوة.
زاول الشهيد دراسته الابتدائية بالعاصمة، التي تحصّل فيها سنة 1939 على الشهادة الابتدائية، لينتقل بعدها إلى المدرسة التقنية بالعناصر، حيث درس إلى غاية سنة 1942، ثم يقرر مراد الانتقال إلى قسنطينة لمواصلة دراسته فيها، هناك توفي والده وكان عمره لا يتجاوز 23 سنة.
وفي تلك الفترة بدأ مراد يتعاطى السياسة مع بعض زملائه في خلايا حزب الشعب الجزائري بقسنطينة، وكان ذلك جليا في رسالة بعثها لأسرته والتي أثارت دهشة شقيقه عبد الرحمن الذي قال: «لقد بعثناه ليدرس فلماذا يتعاطى السياسة؟»، فأجابته الأم بحنان: «ذلك هو قدره».
وفي سنة 1944 يلتحق مراد بمؤسسة السكك الحديدية بالعاصمة بعد حصوله على شهادة الأهلية، وذلك كموظف في إحدى محطات القطار بالعاصمة، وبعد شهور قلائل، أشرف مع نخبة من شباب الحركة الوطنية على مظاهرات الأول من شهر ماي 1945 بالعاصمة، ثم ينضم إلى حزب الشعب الجزائري وحركة انتصار الحريات الديمقراطية بصفة دائمة ويغادر بذلك مؤسسة السكك الحديدية في منتصف سنة 1945.

أسّس أول فرقة للكشافة الإسلامية الجزائرية سنة 1946

  من هذا التاريخ إلى غاية سنة 1948 نشط الشهيد في عدة جوانب بدءا بالنشاط الكشفي، حيث أسّس سنة 1946 فرقة للكشافة الإسلامية الجزائرية، ثم انضم إلى المنظمة المسلحة، وسنة من بعدها أنشأ ناديا رياضيا الراسينغ الرياضي الإسلامي الجزائري لمختلف الرياضات، سمي راما «RAMA» والذي كان لاعبا فيه، بالإضافة إلى كونه المشرف عليه ماديا، تنظيميا، ثم جمّد نشاطه بعدما قرّر الحزب إرساله إلى قسنطينة، حيث عين كمسئول للحزب على مستوى عمالة قسنطينة سنة 1948. وقد اشتهر آنذاك باسم «LE PETIT» لقصر قامته (1.68 م تقريبا)، وهو الاسم الذي ظل أولاد الحي وكل من عرفه في تلك الفترة ينادونه به حتى من الميدان النضالي والسياسي.
مكث الشهيد في قسنطينة طيلة سنتين، نشط خلالها في كثير من القرى والمد اشر المحيطة بقسنطينة، وخاصة قرية «السمندو» وقرية «بيزو» التي تحمل إسمه اليوم، إلى غاية التحاقه بجبال الأوراس رفقة نخبة من شباب الحركة الوطنية لأسباب أمنية، ليتدرب هناك على الرمي بالسلاح ويصبح ماهرا فيه.
وفي سنة 1952، يرجع ديدوش إلى العاصمة ليعين كمسؤول على ناحية البليدة، وفي تلك الفترة أثبت لكل من عرفه أنه صاحب مغامرة وشجاعة نادرا ما تكون عند المسئولين، فلقد تم القبض عليه بمدينة  المدية من طرف شرطي، وشاءت الأقدار أن هذا الشرطي من معارفه، ولكونه كان يقطن حيا مجاورا للحي الذي ينشط فيه مراد في ميدان الرياضة، فاستغل الشهيد هذا الجانب والتساهل الذي أبداه الشرطي تجاهه، فعندما وصلا مركز الشرطة، عاين ديدوش مراد المكان قبل أن يقوم بأي عمل، وكان يرتدي «قشابية» فلما طلبوا منه تقديم وثائقه الشخصية، استأذنهم في نزع «القشابية» ورماها على وجوههم قبل أن يقفز فوق حائط قصير يفصل المكاتب عن الساحة ويلتحق بالبليدة مشيا على الأقدام بعدما عبر أعالي البليدة.
وبعد هذه الحادثة، قرّر الحزب إرسال ديدوش إلى فرنسا رفقة بوضياف، فطلب من صديقه «قاسي عبد الله عبد الرحمن» أن يزوده بشهادة الميلاد للحصول على وثائق شخصية باسم مستعار، فكان قاسي عبد الله عبد الرحمن هو اسمه الجديد، وغادر إلى فرنسا التي مكث بها إلى غاية 1954، ثم  رجع إلى أرض الوطن أشهرا قليلة قبل اندلاع الثورة ليساهم في إنشاء اللجنة الثورية للوحدة والعمل، ويعين في أكتوبر من نفس السنة مسئولا على منطقة قسنطينة للإشراف على تفجيرات الثورة بالولاية الثانية، وليعرف هناك باسم «السي عبد القادر».
وكان الشهيد من الأوائل الذين سقطوا في حرب التحرير، وذلك يوم 18 جانفي 1955 بعد معركة قرب بوكركر خاضها رفقة 17 مجاهدا يرأسهم بنفسه، وبمساعدة زيغود يوسف الذي سلّمه ديدوش كل الوثائق وأمره بالإنصراف قبل أن يستشهد وتصدق مقولته، ويبرهن للجميع أنه عاش بحق من أجل الجزائر ومات من أجلها، ولم يحمل في قلبه غير حبها وحب أبنائها المخلصين لها. وفي الخامسة مساءً انتهت المعركة باستشهاد سبعة مجاهدين، أما حصيلة الجيش الفرنسي فقد كانت ثقيلة، حيث قتل 80 وجرح 02 وأسر واحد.
وبالرغم من قصر المدة التي عاشها في الكفاح المسلح، إلا أنه كان مثالا للقائد العظيم الذي يعرف كيف يحول الهزيمة إلى نصر.    


 

 

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17932

العدد 17932

الأربعاء 24 أفريل 2019
العدد 17931

العدد 17931

الثلاثاء 23 أفريل 2019
العدد 17930

العدد 17930

الإثنين 22 أفريل 2019
العدد 17929

العدد 17929

الأحد 21 أفريل 2019