أول رئيس للحكومة الجزائرية المؤقّتة

فرحات عباس زعيـم وطنـي ورجـل سياسـي

 زعيم وطني ورجل سياسي، مؤسس الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، عضو جبهة التحرير الوطني إبان الثورة، وأول رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة للجمهورية الجزائرية من 1958 إلى 1961، تمّ إنتخابه عند استقلال الجزائر رئيسا للمجلس الوطني التشريعي ليكون أول رئيس دولة للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. إنه فرحات عباس المولود بتاريخ 24 أوت 1899 بدوار الشحنة الواقعة بمنطقة بني عافر الجبلية التابعة لبلدية الطاهير بولاية جيجل. «الشعب» تتوقف عند هذه الشخصية لرصد مسارها ومسيرتها في تحرير وبناء الوطن.

عودة على بدء
تربّى فرحات عباس في أسرة كثيرة العدد ومحافظة تتكون من اثني عشر فردا، سبع بنات وخمسة ذكور، وقد شكلت الجدة والجد حجر الأساس في بناء هرم الأسرة، وهم من وسط فلاحي متوسط الحال، وكان جد فرحات عباس الذي شارك في ثورة المقراني، رفقة قبيلة بني عمران قد تعرض هو الآخر كغيره من الجزائريين إلى مصادرة أملاكه وأراضيه الزراعية.
 تحوّل بعدها إلى فلاح صغير ومعدوم، لكن مع مرور الوقت استطاع أن ينتقل من وضعه كفلاح معدوم الحال إلى تاجر محترم له مكانة اجتماعية محترمة بمنطقة الشحنة، وكان له ذلك بعد تعرفه على أحد المعمّرين الذي كان يدعى المستشار العام لمدينة جيجل، الذي اشترك معه في تجارة المواشي ممّا مكّن أب فرحات عباس من شراء أراض زراعية وتأجير أخرى في منطقة الطاهير، كما ارتقى في السلم الاجتماعي حتى أصبح «قايد» في دوار بني عافر.
 يتحدث فرحات عباس كثيرا عن علاقته بوالده التي شابها كثيرا من التناقض في الأفكار، فسادها في أحيانا شيء من التوتر إلى درجة القطيعة، خاصة فيما يتعلق بمعاملته للفلاحين غير القادرين على دفع ما عليهم من ضرائب في نهاية موسم الحصاد.
يفتخر فرحات عباس بسلالاته التي يقول عنها: «أنها، من أصول عربية وأنها من بلاد الرافدين، وأن أجدادي عباسين، اعتزازي بالعروبة والإسلام طبع طيلة مشواري السياسي والنضالي وتجسد ذلك من خلال المطالب والعرائض التي كنت أقدّمها للسلطات الاستعمارية».
رغم أن علاقة الطفل فرحات بوالده كانت متوترة ومتناقضة منذ البداية، فكان العكس من ذلك كانت علاقته بجدته التي كان مرتبطا بها كثيرا، وكانت حكايتها خاصة حول دخول الفرنسيين إلى الجزائر والمقاومة البطولية التي قابل بها الشعب الجزائري الاستعمار وخاصة قبيلة بني عمران التي ينتمي إليها، فشكّلت بذلك الجدة حجر الأساس في التماسك العائلي، وخاصة دعوتها المتكررة للتمسك بالدين الإسلامي وعدم الذوبان في دين «الرومي» لأن ذلك يعد جريمة يعاقب عليها الله.
 الحديث عن التماسك الديني دفع العائلة إدخال أبنائها إلى المدارس القرآنية أو الكّتاب، وكان فرحات عباس من هؤلاء الأبناء حيث التحق بالمدرسة القرآنية وهو في الثامنة لتلقي مبادئ القرآن، وذلك للتحصين والمحافظة على القيم الإسلامية خوفا من الذوبان في دين الغزاة. تردّد فرحات عباس على الكتاب لفترة محدودة غير أنها كانت مفيدة تركت بصماتها الواضحة في فكر الطفل، حيث تعلم في المدرسة القرآنية مبادئ اللغة العربية وتميز بين أترابه في تلك الفترة بسرعة الحفظ والبديهة.
كانت سعادته عند عودته الى البيت حيث يعرض على أمه ما حفظه من آيات قرآنية، أما والده فكان رجل أميّ لكنه متحمّس لإرسال أبنائه للتعليم وخاصة الاولاد منهم إلى المدارس الفرنسية، وكان يقول لأبنائه في كثير من الأحيان أن أحسن إرث أتركه لكم هو العلم، الذي لا يستطيع أن ينتزع منكم.
زاول فرحات عباس تعليمه الابتدائي في مسقط رأسه، والثانوي في مدينة سكيكدة، وقام بالخدمة العسكرية بين عامي 1921 و1923، ثم انتقل للعاصمة لإكمال تعليمه الجامعي وتخرّج بشهادة عليا في الصيدلة عام 1931، فتح صيدلية في سطيف سنة 1932. وكان خلال فترته الطلابية نشطا، حيث ترأّس جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين بالجزائر من 1927 إلى 1931، بعد أن كان نائب رئيس الجمعية بين عامي 1926 - 1927. وفي عام 1930 أصدر مجموعة مقالاته الصحفية في كتيب عنوانه «الشاب الجزائري»، وفيه عبّر عن أفكاره الإصلاحية والتجديدية، كما كانت ثقافته فرنسية ولم يتحدث العربية قط.
عرف فرحات عباس بانفتاحه السياسي والفكري، حيث تحوّل خلال حياته السياسية التي تمتد على أكثر من 30 سنة، من فكرة الاندماج إلى الفكرة الاستقلالية، ومن الإصلاحية إلى الثورية.
في عام 1936 كتب في جريدة الوفاق الفرنسية مقالا شهيرا تحت عنوان «فرنسا هي أنا»، أكّد فيه دعوته إلى الاندماج مع فرنسا، مستنكرا وجود الأمة الجزائرية، حيث قال: «لو كنت قد اكتشفت أمة جزائرية لكنت وطنيا ولم أخجل من جريمتي، فلن أموت من أجل الوطن الجزائري، لأن هذا الوطن غير موجود، لقد بحثت عنه في التاريخ فلم أجده وسألت عنه الأحياء والأموات وزرت المقابر دون جدوى».
قبل ذلك انضم إلى فيدرالية النواب المسلمين الجزائريين التي أسسها الدكتور بن جلول عام 1930، والتي كانت تهدف إلى جعل الجزائر مقاطعة فرنسية، وخلال الحرب العالمية الثانية ودخول الجيش الأمريكي الجزائر في 8 نوفمبر 1942، اتّصل فرحات عباس بروبرت ميرفي، المبعوث الشخصي للرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت إلى شمال أفريقيا ليطلب منه تقرير مصير المنطقة بعد الحرب.
في 20 نوفمبر 1942، أرسل فرحات عباس ومجموعة من الجزائريين برسالة إلى قوات الحلفاء يرحبون بهم ويعرضون «باسم شعب الجزائر القيام بتضحيات بشرية ومادية، بشروط، لدعم الحلفاء حتى يتحقق النصر الكامل على دول المحور». بتاريخ 22 ديسمبر 1942 وجّه فرحات رسالة إلى السلطات الفرنسية وإلى الحلفاء طالب فيها بإدخال إصلاحات جذرية على الأوضاع العامة التي يعيشها الشعب الجزائري، وصياغة دستور جديد للجزائر، ضمن الاتحاد الفرنسي.
أصدر في فيفري 1943 بيان الشعب الجزائري وأعلن في مارس 1944 عن تأسيس حركة أحباب البيان والحرية، بهدف الدعاية لفكرة الأمة الجزائرية، وإثر مجازر 8 ماي 1945 حل حزبه وألقي القبض عليه ولم يطلق سراحه إلا في عام 1946 بعد صدور قانون العفو العام على المساجين السياسيين، حيث أسّس بعد ذلك حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، وأصدر نداء أدان فيه بشدة ما اقترفته فرنسا من مجازر رهيبة في 8 ماي 1945، وعبّر فيه عن أهداف ومبادئ حزبه التي لخّصها في «تكوين دولة جزائرية مستقلة داخل الاتحاد».
بعد أن اندلعت الثورة الجزائرية في 1 نوفمبر 1954، كتب فرحات عباس في صحيفة الجمهورية العدد 46 بتاريخ 12 نوفمبر 1954: «إن موقفنا واضح ومن دون أي التباس، إنّنا سنبقى مقتنعين بأن العنف لا يساوي شيئا». ولكنه ما لبث أن غيّر موقفه تماما، إذ قام في أفريل 1956 بحلّ حزبه وانضم إلى صفوف حزب جبهة التحرير الوطني وكان قبل ذلك قد توجه إلى القاهرة ليلتقي بقادة الثورة ومن بينهم أحمد بن بلة،وفي صائفة 1956 قام بجولة دعائية للثورة الجزائرية، في أقطار أمريكا اللاتينية، كما زار عدة عواصم عالمية أخرى، من بينها بيكين وموسكو عام 1960.
بعد مؤتمر الصومام عين عضوا في المجلس الوطني للثورة الجزائرية، وقاد وفد الجزائر في مؤتمر طنجة المنعقد بين 27 و30 أفريل 1958 الذي حضرته القيادات المغاربية، ثم عين رئيسا للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في 19 سبتمبر 1958 واستمر على رأسها إلى أوت 1961 ليحل محله بن يوسف بن خدة، بعد أن اشتدت خلافاته مع القيادة العامة لجيش التحرير، وبعد حصول الجزائر على الاستقلال انتظمت يوم 26 سبتمبر انتخابات المجلس الوطني، نجح فيها فرحات عباس، وانتخب رئيسا للمجلس، غير أنه ما لبث أن قدم استقالته في 13 سبتمبر 1963 نتيجة خلافه مع بن بلة حول السياسة المتبعة، فسجن بأدرار بالجنوب الجزائري ولم يطلق سراحه إلا في شهر ماي 1965.
 انسحب من الحياة السياسية، لكنه ما لبث أن أمضى في مارس 1976 على «نداء إلى الشعب الجزائري»، مندّدا بالحكم الفردي و بالميثاق الوطني الذي صاغه الرئيس الراحل هواري بومدين. وضع تحت الإقامة الجبرية إلى 13 جوان 1978، توفي في 24 ديسمبر 1985 بالجزائر، ودفن بمقبرة العالية، له عدة مؤلفات.

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018
العدد 17791

العدد 17791

الجمعة 09 نوفمبر 2018