في مواجهة حروب “ناعمة” تنسج خيوطها في غرف مظلمة

حمايـة السيــادة والأمـن..خطّــة وطنيـة متعددة الأبعاد

زهراء. ب

برامـج تكويــن متواصلــة لمواكبــة التحديـات الرقمــية

اتخذت الجزائر خطوات جريئة وفعالة، لمواجهة ظاهرة المعلومات المضللة والأخبار الزائفة التي تنامت في السنوات الأخيرة مستغلة التكنولوجية الرقمية، لاستهداف أمن الدول واستقرارها الاجتماعي والسياسي، وتحرص القيادة العليا للبلاد على تنفيذ رؤية شاملة ومتكاملة لمواجهة حروب الجيل الرابع والخامس، وحماية مؤسسات الدولة وشعبها، وتعزيز استقرارها وأمنها، عن طريق تعزيز منظومة الأمن الإعلامي والرقمي لمحاربة كل أشكال التضليل التي باتت أخطر أدوات زعزعة الاستقرار.

حذرت الجزائر مبكرا، من حروب “ناعمة”، تنسج خيوطها في غرف مظلمة وتدار خلف شاشات أجهزة الكمبيوتر والهواتف، من طرف دول مجاورة وأطراف خارجية، تستخدم التكنولوجيات الرقمية، لنشر الأخبار المفبركة، والمعلومات المغلوطة، وشن هجمات تستهدف الأنظمة الحيوية والبني التحتية للدول، ولا تقتصر هذه الهجمات على الاختراق التقني، بل امتدت لتشمل التلاعب بالمعلومات ونشر الأكاذيب بهدف إحداث الفوضى والبلبلة، أما الأخبار المفبركة، فهي جوهر هذه الحرب، إذ تصمم بعناية لتبدو وكأنها حقيقية، ثم تنشر على نطاق واسع لتضليل الجمهور، وتشويه الحقائق، والتأثير على القرارات الفردية والجماعية.
وتعتمد هذه الأخبار على عدة أساليب، منها التضليل الإعلامي المتعمد، وتشويه سمعة الشخصيات والمؤسسات، وإثارة الفتنة والانقسام بين مكونات المجتمع، وتضخيم السلبيات، وممارسة الحرب النفسية للتأثير على معنويات المواطنين وثقتهم في قيادتهم، وتهدف هذه الحملات إلى إضعاف الجبهة الداخلية، وخلق حالة من عدم اليقين، وتمهيد الطريق لتحقيق أجندات خارجية معادية.
وشهدت الجزائر، في الآونة الأخيرة، عدة أمثلة واضحة على هذه الحرب السيبرانية، تحاول استهداف قطاعات وشخصيات مختلفة، من بينها رموز الدولة بتداول أخبار وصور مفبركة، إلى جانب استغلال الأحداث لتضخيم السلبيات، وتأليب الرأي العام على القطاعات الحيوية عبر حملات ممنهجة لتهيج الرأي العام مثلا على منظومة النقل بالجزائر، وباقي القطاعات، وتأليب الرأي العام على أداء الوزراء، تهدف إلى إثارة السخط الشعبي ضد الحكومة والقطاعات الحيوية، مما يؤدي إلى فقدان الثقة في الأداء الحكومي والمطالبة بالتغيير.
ويشهد العالم تسابقا غير مسبوق لترويج المعلومات المضللة والأخبار الزائفة، وهو ما جعل الجزائر تسابق شهر أفريل المنصرم إلى تنظيم ورشة إقليمية حول “مكافحة المعلومات المضللة والأخبار الزائفة وتداعياتها على استقرار وأمن الدول”، في التزام راسخ منها بمكافحة كل الظواهر التي تهدد أمنها وأمن الدول الإفريقية، وتعزيز التعاون لمواجهة التحديات المشتركة، فقد أصبحت المعلومات المضللة من أخطر أدوات زعزعة استقرار الدول، حيث يتم استغلال التطورات التكنولوجية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الأكاذيب، وتشويه الحقائق، والتلاعب بالرأي العام.
ولم تعد هذه الظاهرة مجرد انحراف إعلامي، بل أداة ممنهجة تستغلها جهات مختلفة لنشر الفوضى، وتقويض الثقة في المؤسسات، وتشويه سمعة القادة والدول، كما أصبحت حروب المعلومات وأدوات التضليل الرقمي في عالمنا المعاصر، سلاحا ناعما يستخدم لضرب دولنا، وزرع الفتنة واليأس، وتشويه الحقائق، خدمة لأجندات أجنبية معلومة.

فاعل رئيسي في مواجهة الحروب الناعمة

أمام تصاعد حروب “الجيل الرابع” و«الخامس” التي تعتمد على المعلومات المضللة والأخبار الزائفة كـ “سلاح ناعم” لزعزعة استقرار الدول، برزت الجزائر كفاعل رئيسي في مواجهة هذه التهديدات، من خلال استراتيجية متكاملة تجمع بين الإصلاحات التشريعية، تعزيز الإعلام الوطني والتعاون الإقليمي، بهدف حماية أمنها وتحصين المجتمع ضد الحملات الممنهجة.
ولأن المعركة ضد التضليل تبدأ عبر منظومة إعلامية قوية ومحترفة، نفذت الجزائر إصلاحات جذرية وعميقة في قطاع الاتصال، لبناء نظام إعلامي محترف يقوم على الحق في الولوج إلى المعلومة، والمسؤولية والاحترافية، واحترام أخلاقيات المهنة، فقامت بتحديث الإطار القانوني المنظم للإعلام المكتوب، السمعي البصري، والإلكتروني، بهدف تنظيم نشاط القطاع وضمان ممارسة إعلامية مسؤولة تقوم على الحق في الوصول إلى المعلومة واحترام أخلاقيات المهنة.
كم يجري العمل على تنصيب هيئات تنظيمية جديدة مثل سلطة ضبط الصحافة المكتوبة والإلكترونية، والمجلس الأعلى لأخلاقيات المهنة، لضمان التزام وسائل الإعلام بالمعايير الأخلاقية والمهنية.
وفي خطوة تاريخية، تم إدراج الصحافة الإلكترونية المعتمد ضمن آليات إشهار الصفقات العمومية، مما يعزز استقلاليتها المالية وقدرتها على التطور.
وتولي الدولة أهمية قصوى لرفع كفاءة الصحافيين من خلال برامج تكوين مستمرة، لمواكبة التحديات الرقمية وتمكينهم من كشف وتفنيد الأخبار الزائفة.
ولمواجهة الانتشار الخطير للأخبار الكاذبة عبر منصات التواصل الاجتماعي، قامت الجزائر بتعزيز ترسانتها القانونية، حيث تم تعديل المادة 196 مكرر من قانون العقوبات، التي تنص على عقوبات بالحبس وغرامات مالية لكل من ينشر أو يروج عمدا لأخبار كاذبة من شأنها المساس بالأمن والنظام العام، في خطوة رادعة لكل الجهات التي تستغل الفضاء الرقمي لنشر الفوضى وتقويض ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

تشكيل جبهة إعلامية موحدة

واجهت الجزائر العديد من المحاولات الهادفة إلى زعزعة استقرارها عبر حملات إعلامية مضللة، وهو ما جعلها تطور استراتيجية متكاملة لمجابهة هذه التهديدات، وتعمل على تعزيز الإعلام الوطني ليكون مصدرا موثوقا للمعلومة الصحيحة، وقادرا على كشف وتفنيد الأخبار الزائفة، وتطوير آليات تقنية متقدمة لرصد المعلومات المغلوطة، والتصدي للحملات الإعلامية الهدامة بسرعة الكشف والرد عليها، ومنع انتشارها وتأثيرها السلبي على الرأي العام.
وتبنت الجزائر توجها استراتيجيا جديدا يتمثل في بناء “جبهة إعلامية وطنية موحدة”، قناعة منها أن المعركة ضد التضليل الرقمي وحروب الجيل الخامس لم تعد تقتصر على الردود الظرفية، بل تتطلب التحاما وطنيا شاملا للدفاع عن صورة ومصالح البلاد.
وتكمن أهمية هذه الجبهة في كونها ضرورة ملحة فرضتها طبيعة التهديدات الحديثة، لأن الهجمات لم تعد تستهدف نشر الأخبار الكاذبة فقط، بل تحولت إلى استراتيجية ممنهجة لتشويه صورة الجزائر عبر المساس بمواقفها السيادية والإنجازات التي تحققت على مختلف الأصعدة، وضرب الثقة في المؤسسات، والتأثير على وعي المواطن.واتخذت الجزائر عدة خطوات عملية لتجسيد هذه الجبهة على أرض الواقع، حيث نظمت سلسلة من اللقاءات الجهوية مع الصحفيين والإعلاميين في مختلف ولايات الوطن، لشرح أبعاد التهديدات وحشد الدعم لمسعى تأسيس الجبهة الإعلامية، وقد لاقت هذه المبادرة تجاوبا كبيرا من الفاعلين في القطاع.وقد استجابت العديد من المؤسسات الإعلامية لهذا المسعى، وانخرطت فعليا في هذه الجبهة بتقديم محتوى احترافي ومبادرات بناءة تبرز الحقائق بالأرقام والوقائع بدل الاكتفاء بالشعارات والكلام المعسول.

وعي المواطن..الدرع الواقي

تلعب التوعية دورا محوريا في الاستراتيجية الوطنية، حيث تستهدف بشكل خاص فئات المجتمع لتعزيز وعيهم بخطورة الأخبار الكاذبة وكيفية نشر الثقافة الإعلامية والتوعية المجتمعية، لا سيما بين فئة الشباب لتعزيز الوعي بخطورة الأخبار الكاذبة.
وتعتبر الجزائر أن مواجهة التضليل والحملات العدائية التي أصبحت تستخدم تقنيات متطورة مثل الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق لإنشاء محتوى مفبرك، لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل تتطلب تضافر جهود الجميع، وفي مقدمتهم المواطن، فوعي المواطن هو خط الدفاع الأول والدرع الواقي ضد هذه الهجمات، وعليه يجب أن يكون كل فرد ناقدا للمعلومات التي يتلقاها، وأن يتحقق من مصداقيتها قبل تصديقها أو نشرها، فكل مشاركة لخبر مفبرك، حتى لو كانت بحسن نية، تساهم في تحقيق أهداف أعداء الوطن.
وتتطلب هذه المواجهة أيضا تعزيز الثقافة الرقمية، وتدريب الأفراد على كيفية التمييز بين الأخبار الحقيقية والمفبركة، وكيفية التعامل مع الشائعات، كما يجب على وسائل الإعلام الوطنية أن تلعب دورا محوريا في فضح هذه الحملات، وتقديم المعلومات الصحيحة والموثوقة للجمهور، وتعزيز اللحمة الوطنية، فالحرب السيبرانية والأخبار المفبركة مثلما ذهب إليه خبراء ومختصون تشكل تهديدا حقيقيا للأمن الوطني والاستقرار المجتمعي، ولكن بوعي المواطن، ويقظة المؤسسات، وتضافر الجهود، يمكن للجزائر أن تتجاوز هذه التحديات، وتحمي وحدتها، وتعزز مناعتها في وجه كل من يحاول النيل منها، لأن معركة الوعي ينتصر فيها هو من يمتلك الحقيقة ويدافع عنها.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 19861

العدد 19861

الخميس 28 أوث 2025
العدد 19860

العدد 19860

الأربعاء 27 أوث 2025
العدد 19859

العدد 19859

الثلاثاء 26 أوث 2025
العدد 19858

العدد 19858

الإثنين 25 أوث 2025