مسار المفاوضات السياسية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل في كل مراحله، فشل فشلا ذريعا بعد أن تبين أن المفاوض الصهيوني كان يراهن على ربح الوقت… وغير جدّي في التزاماته عندما لاحظ أن سقف المطالب الصادرة عن الطرف الفلسطيني بلغت مداها في نقاط حاسمة وحساسة، كان الإسرائيليون يقولون «سنرد عليكم لاحقا»… هذا ما أدى إلى انسحاب الفلسطينيين من هذا العبث الإسرائيلي. كاشفا عن حقائق مثيرة، منها بالأخص استحالة العودة إلى طاولة الحوار أمام تلك الذهنية المتغطرسة للإسرائيليين الذين لا يحسنون إلا فرض «اللاّءات» التي اشهروا بها تجاه الحقوق الفلسطينية، وكلما وصل الأمر إلى مسائل مصيرية يختلق هؤلاء الأعذار للتنصل من مسؤولياتهم.
تأكد لدى الوفد الفلسطيني، أن هذه المفاوضات ماهي إلا مضيعة للوقت ولا يمكن الحديث مع هؤلاء من الآن فصاعدا، إن لم يأتوا بأشياء ملموسة بعيدة كل البعد عن تلك المراوغات التي اعتادوا عليها والمناورات المكشوفة والتلاعبات المفضوحة، قوبلت بالرفض الفلسطيني القاطع في الاستمرار في هذه المهزلة، أدى إلى التخلي عن هذا المسار ريثما تجتمع شروط ذلك، التي هي غير متوفرة اليوم، نظرا لعدة اعتبارات داخلية وخارجية، لا تسمح أبدا بمجالسة الإسرائيليين والبحث معهم المرحلة القادمة، لأنهم في قرارة أنفسهم لا يؤمنون بالمفاوضات التي تتوج بنتائج معينة، ما يريدونه التنسيق الأمني فقط، لا أكثر ولا أقل، أما غير ذلك فلا يغامرون بالموافقة عليه، خاصة إذا تطرقت إلى موضوع القدس.
هذا الانسداد فرضه الإسرائيليون ويريدونه هكذا، دون أي تقدم يذكر، معتمدين على تطورات أمنية في سوريا ولبنان؛ بمعنى أنهم يتابعون عن كثب إتجاه الأحداث على ضوء كل ما يقع في البلدين المذكورين، هذه هي حجتهم، زيادة عن تأثير موجة الرفض الفلسطيني للاحتلال، وغضبهم من قبول فلسطين كعضو كامل الحقوق في المحكمة الجنائية الدولية وإعداد ملفات موثقة ضد قادة عسكريين صهاينة ومخاطبة الرأي العام العالمي من قبل الرئيس محمود عباس بالأمم المتحدة وانتفاضة الأسرى.
هذه العوامل وغيرها أحرجت كثيرا إسرائيل وجعلتها غير قادرة على مواجهة الوفد الفلسطيني، الذي تعزز موقعه بفعل هذا الدعم المعنوي القوي الذي يمكنه من فرض مقترحاته بالشكل المطلوب دون أي تردد يذكر.
حتى ما يسمى «بحل الدولتين» لا تريد إسرائيل سماعه، بالرغم من ادّعاء قادتها أنهم متمسكون به، هذا ما أراد نتنياهو إيهام المتتبعين خلال لقائه الرئيس الأمريكي مؤخرا. لكن عمليا لم نر أي شيء، ماعدا الوعود الكاذبة التي هي صنيعة إسرائيلية بامتياز. وإلى يومنا هذا، لا يعي أحد مفهوم «حل الدولتين» بعد إتفاقيات أوسلو التي حددت الإطار العام للوجود الفلسطيني، حسب النسب المقترحة آنذاك من جانب مساحة الأرض التي تعود إلى أصحابها الحقيقيين..
هذه الصيغة مهما تكن طبيعتها، فإن إسرائيل لن تقبل بها أبدا، كونها على علم بأن هناك مسائل مصيرية مرتبطة بها، منها عودة القدس إلى الفلسطينيين وهذا ما يقلق الإسرائيليين إلى درجة لا يمكن تصورها، زيادة على أن نتنياهو وجماعته لا يريدون أن تتحول السلطة إلى دولة.
فالرهان كل الرهان يدور هنا… «فحل الدولتين» محور غير واقعي من الناحية السياسية، كونه سيزيد في تعقيد التوجه المبني على الرؤية الواضحة الرافضة السقوط في أحضان إسرائيل من جميع النواحي حتى الأمنية منها، وما لم تمنحه إسرائيل في «أوسلو» لا يمكن أن تتخلى عنه في «حل الدولتين»، خاصة ما تعلق بالجانب الأمني، أي تريد بسط نفوذها على كامل مقدرات الشعب الفلسطيني دون ترك القرار السيادي للقيادة الفلسطينية، وهذا ما ترفضه هذه الأخيرة وتعمل على محاربته بكل الوسائل المتاحة، خاصة على الصعيد الدولي، بتحسيس العالم بأن إسرائيل لا تريد السلام وشريك غير مؤهل للتقدم في هذا الاتجاه.




