رحل المجاهد عمار بن عودة، عضو من مجموعة 22 التي خططت لاندلاع الثورة التحريرية لتسطر بذلك الطريق الصعب والاتجاه الصحيح لاسترجاع السيادة الوطنية وتخليص الشعب الجزائري من القبضة الاستدمارية التي دام ليلها الحالك طويلا إلى أن أزاحته بتضحيات وعذابات قلما تتحملها الشعوب.
كان للرجل مسار مشهود له أثناء ثورة التحرير، غير انه واجه في مرحلة ما بعد لاستقلال مواقف عديدة مثيرا جدلا في مختلف الأوساط المهتمة أو المعنية بالتاريخ. وقبل أن يأخذ منه المرض ما بقي من قوة للبدن والذهن سجل بن عودة مشاركة ثرية في أكثر من مناسبة تتعلق بأحداث تاريخ الثورة ومسارات قادتها في تلك المرحلة الصعبة صعوبة تضاريس الأوراس وجرجرة والونشريس والصحراء التي شكلت الحلقة الجوهرية في مفاوضات ايفيان.
كان العقيد بن عودة لا يتردد في الحديث على مستوى مختلف المنابر الإعلامية أو التاريخية، خاصة خلال فترة التسعينات، فيثير جدلا هنا ويفجر تساؤلات هناك وطبيعي أن تجد مواقفه أو قراءاته وتحاليله حول مسائل تاريخية، استحسان البعض وامتعاض البعض الآخر. وتحمل الرجل انتقادات لاذعة في عدة ملفات دون أن يواجه ذلك بأي شكل من أشكال العنف اللفظي وإنما تقبل ما يصدر من محيطه خاصة وأن المجتمع دخل بشكل لا رجعة فيه في الممارسة الديمقراطية والتعددية.
كان يعلم أن الحديث عن جوانب الثورة تثير ردود فعل مختلفة إلا انه أبدى حرصا على التزام قواعد الحكمة والهدوء والمسؤولية في معالجة قضايا حساسة من تاريخ ثورتنا من اجل حماية الأجيال من انعكاساتها السلبية ذلك أن من قام بالثورة بشر ومعرضون للـ»خطأ» ولا ينبغي مطاردتهم تاريخيا وترك التقدير للمؤرخين النزهاء.
ولعله كان يبدي ألما مثل كافة المجاهدين المخلصين جراء ما عرفته البلاد في ظل أزمة التسعينات متعددة الجوانب التي شكلت فيها الظاهرة الإرهابية هاجسا لتتحول إلى كابوس جثم لعشرية على صدر المجتمع الجزائري قبل أن يفلح من لديهم بصيرة وإيمان بمستقبل الوطن في إعادة انتشال الجزائر بلدا وشعبا من دوامة جهنمية كادت أن تأتي على الأخضر واليابس.
كان بلا شك مثل جميع المتعلقين بالحرية والحريصين على مكاسب الأمة يتطلع إلى أن تعود الجزائر إلى الريادة حاملة من جديد تلك الرسالة التي كتبها شهداء ثورة أول نوفمبر بما فيها من خيارات ومواقف وقيم إنسانية. وهو ما حملته المصالحة الوطنية التي توجت مسار الوئام المدني لتدرك البلاد شاطئ الأمان فتكون مثالا للديمقراطية البناءة والتعددية التي تمنح للجميع مكانا في الساحة.
ويبقى الراحل بن عودة مادة لنقاشات كما كان هو حاضرا فيها طيلة حياته كشاهد على مراحل بارزة صنعتها أعظم ثورة في العالم المعاصر بشهادة الشعوب التي تدرك معناها أو عانت من ويلات الاستدمار. وهي الميزة التي كان مثل باقي إخوانه يحرص على إبرازها للأجيال وإقحامها في كل النقاشات ذلك أن للتاريخ وصناعه فضلا كبيرا في إرساء مسار الجزائر إلى الأبد.


