شخصيات عالمية بارزة منها فيدال كاسترو استضيفت فيه
ارتبط به اسمه منذ أن تولى قيادة البلاد، لما كان الرئيس الراحل هواري بومدين يستقبل ضيوفه هناك، يتعلق الأمر بإقامة ليست ملكا له، لكنها تحمل اسمه ويتداوله الناس في اتصالهم اليومي.
«الفيلا» ليست ملكا للرجل، الذي صرح ذات مرة بعبارة مدوية، أنه لا يملك فوق الأرض ولا تحتها، هورجل «خدام حزام» بالتعبير الشعبي، وإنما هي مرفق من مرافق الدولة.
عنوانها على بعد 20 كلم غرب الجزائر العاصمة، حيث تتوسط البناية حديقة واسعة تتوفر على أشجار مثمرة وأخرى باسقة تحمل اليوم اسم «حوش أوفيلا بومدين» تشكل أحد معالم مدينة عين البنيان (غرب العاصمة الجزائر)، حيث كانت أحد مقرات نشاطه خاصة في سنوات السبعينات.
للموقع تاريخ فقد حولها الحلفاء إلى مقر قيادة أثناء الحرب العالمية الثانية.
الإقامة التي كانت مسيجة قبل بناء جدار بالحجارة الصلبة في منتصف السبعينات لا تزال تحظى بالوقار والاحترام رغم اتساع العمران حولها.
فيها كان يلتقي الرئيس بومدين وفودا ويستقبل ضيوفا من المقام العالي، على غرار فيدال كاسترو، بدون بروتوكولات مكلفة أو إجراءات تثير الانتباه.
يمر تلاميذ المدارس والمتوسطة حول المكان، الذي كانت تحيط به مزارع تنتج ثمارا وخيرات من الخضر الموسمية، ويشعرون بقوة المكان المستمدة من قوة الرجل وشخصيته البارزة.
يحكي بعض من عايش المرحلة من عمال الأرض، أن بومدين كان لما يحضر إلى المكان، يخرج للسير مشيا، لالتقاط بعض أوقات الهدوء والسكينة، ربما من أجل التأمل والتفكير في قضايا الوطن، وكم هي كثيرة ومتشعبة ومرهقة، وغالبا ما يصادف فلاحين يمارسون عملهم فيبادلهم الحديث بحميمية.
بقدر ما كان للرجل من مهابة بقدر ما كان بالنسبة إليهم ضمانة تشحنهم بإرادة العمل ومواجهة الظروف. كانت الفلاحة يومها بوسائل بدائية ويمثل فيها الجهد البشري القوة الضاربة في قلب الأرض ورعايتها ومتابعة المزروعات.
في تلك السنوات لم يحدث أي تغيير على طبيعة المزارع ولم يكن لأحد أن يجرؤ على ذلك، فالفلاحة وأرضها من مكاسب الثورة ومن العناوين البارزة في برامج النهوض بالجزائر حديثة الاستقلال.
من الصور المتداولة عن الرئيس بومدين، أنه كان في أوقات عديدة، يعبر المنطقة، على متن سيارته «الدياس» السوداء بدون بروتوكول، مفضلا السير على طرق جانبية منها تلك التي تقود إلى غابة باينام، فبوزريعة ومنها إلى وجهته، يلاحظ عن قرب أحوال المجتمع، أيامها لم تكن كثافة سكانية مثل اليوم.
يروي القدامى من السكان أنه لاحظ بشكل أثار حيرته، أن حيا شعبيا بسيطا يمكن الإطلال عليه من مقره المفضل، يفتقر للإنارة، والناس يستعملون الشموع ووسائل إنارة بدائية، ويخيم عليه الظلام الدامس فيبدو أنه لم يقبل بذلك والجزائر قطعت أكثر من عشر سنوات من الاستقلال، فأوعز للجهات المحلية المكلفة، بأسلوب لا يقبل النقاش، ويعكس خيارات الرجل الذي يحمل هموم شعبه أن تشعل المصابيح.
حقيقة في 1977 تقريبا بدأ تجسيد تلك الإرادة المؤسسة لقرار مشهود له، بإنجاز مشروع توصيل الكهرباء إلى الحي المعني، ويحمل اليوم تسمية 11 ديسمبر 1960، تخليدا لمن سقطوا شهداء في تلك المظاهرات التي غيّرت مسار الثورة التحريرية.
لم يكن ذلك الموقف غريبا عن الرجل القادم من أسرة بسيطة، وقاد جيش التحرير الوطني وأسس مع رفاقه البنية التحتية للدولة الجزائرية المستقلة بمحتواها الاقتصادي والاجتماعي والإنساني.
إنه من الصعب بمكان أن تشطب من ذاكرة جيل واكب تلك المرحلة قرارات اتخذت في ظل غياب أوقلة وسائل وندرة موارد، كان ولا يزال الإنسان، هو جوهرها، من حيث الغاية والهدف، حتى يستكمل محو آخر آثار الوجود الاستعماري وتطهير الذاكرة من صوره البشعة.
مواقع كثيرة مثل هذه، لها دلالات في الذاكرة الجماعية، يمكنها أن تصبح محطات تؤسس للسياحة التاريخية، مثلها مثل المتاحف، خاصة وأنها تحتفظ بفصول بارزة تمثل قواسم مشتركة بين الأجيال وبذلك تكون مصدرا للتواصل خاصة في زمن العولمة التي أول ما تستهدفه ضرب ذاكرة الشعوب لإعاقة وتعطيل مسيرة تطور البلدان الناشئة.
تتعرض الشعوب والدول لصعوبات وأزمات وحتى تهديدات، والأمثلة كثيرة اليوم في زمن أحادية القطب، فتنهب الخيرات وتضرب المقدرات، لكن سوى الذاكرة التي تبقى كالحجر الصلب الذي تكسر عليه كل المؤامرات، لذلك من المفيد دوما نفض الغبار عن كل المراحل وصناعها، لتعرف الأجيال أن ما بلغته الجزائر في ظل آلام وأفراح، وما تطمح إليه في ظل المصالحة يكون بالإخلاص والوفاء للجزائر وكل ماضيها.


