أثار اختيار رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، منصة «تويتر» لطمأنة الجزائريين عن حالته الصحية، الكثير من ردود الفعل. وبالموازاة مع أهمية محتوى الرسالة، أكد خبراء لـ «الشعب»، فعالية الإستراتيجية الاتصالية المنتقاة في إسقاط الحملات الإعلامية الكاذبة، التي تزامنت وظرف إقليمي عصيب.
أخذ ظهور رئيس الجمهورية، صوتا وصورة، الأحد الماضي، عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، لإعلان تعافيه من فيروس كورونا وقرب عودته إلى أرض الوطن، أوجها عديدة من تفاعل المواطنين والطبقة السياسية والمختصين.
ومن بين ما شد الانتباه، هو اختياره لقناة اتصالية حديثة بدل الوسائل التقليدية، مما أثار السؤال: لماذا «تويتر» وليس التلفزيون الجزائري العمومي أو وكالة الأنباء الجزائرية أو أية قناة إعلامية تقليدية أخرى؟. ويأتي كل هذا نتيجة الترابط الوثيق بين الحساسية الشديدة التي يوليها الجزائريون لمسألة مرض الرئيس والعملية الاتصالية ككل.
لطالما أدت الخطط الاتصالية المتبعة في السابق، إلى إضفاء غموض وزيادة شك وريبة لدى الرأي العام، ما أوجد تهاوي مصداقية الاتصال المؤسساتي في البلاد، وجعل المواطنين يستحضرون الذكريات السيئة، كلما تكررت التجربة، في زمن مضى.
إصابة الرئيس تبون، بفيروس كورونا المستجد، والعملية الاتصالية المتبعة منذ البداية، في التعامل معها، لا يمكن فصلها عن الإستراتيجية الشاملة للاتصال، التي اعتمدتها رئاسة الجمهورية منذ بداية العهدة الرئاسية لتبون في 19 ديسمبر الماضي.
فقد تقرر تمرير الاتصال المؤسساتي المرتبط بنشاط الرئيس ومؤسسات الدولة عن طريق بيانات رسمية، وكالة الأنباء الجزائرية أو التلفزيون العمومي، وقد أقرت مصالح الرئاسة ذلك في بيان رسمي، وحذرت من اللجوء إلى المصادر المجهولة والجري وراء السبق الصحفي بمنطق «التسريبات» أو «لإطلاق بالونات الاختبار (جس نبض الشارع) مثلما كان يحدث في السابق»، بحسب أستاذ علوم الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر، رضوان بوهيدل.
وقال د.بوهيدل لـ «الشعب ويكاند»: «إن العملية الاتصالية المنتهجة منذ تولي تبون، مقاليد الحكم، تختلف عن السابق، ومن الواضح أنه يولي أهمية بالغة لها»، مشيرا إلى «استحداث منصب الناطق الرسمي باسم رئاسة الجمهورية والناطق الرسمي باسم الحكومة، وإجراء حوارات شهرية مع وسائل إعلامية، مما مكن الصحفيين الجزائريين من دخول قصر الرئاسة وهو أمر لم يكن متاحا طيلة 20 سنة الماضية».
ورغم «ما يسجل من نقائص أو اختلالات في بعض الأحيان، لا يمنع ذلك من التأكيد على أن العملية الاتصالية تتقدم نحو الأمام بما يتماشى وحق المواطن في الإعلام، خاصة وأن الأمر يتعلق برئيس الجمهورية»، يضيف بوهيدل.
15 بيانا…
وبالعودة إلى بداية مرض الرئيس، فإن الإعلان عن الاشتباه في إصابته بالوباء، كان بصفحته الرسمية بموقع «تويتر» بتاريخ 24 أكتوبر الماضي، ليتم بعدها اعتماد البيانات الرسمية لإطلاع الرأي العام عن وضعه الصحي بشكل دوري.
وأصدرت رئاسة الجمهورية، بين 27 أكتوبر و30 نوفمبر، 15 بيانا، حول الوضع الصحي للرئيس قبل وبعد نقله الى ألمانيا للعلاج، منها 6 برقيات اطمئنان من رؤساء وزعماء البلدان الشقيقة والصديقة. وأشارت إلى أن ما تصدره تنفيذ «لتعليمات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بإطلاع الرأي العام على تطور حالته الصحية».
وفي السياق، اعتبر بوهيدل أن الرئاسة اعتمدت عملية اتصالية، هادفة «لطمأنة» الجزائريين، مشيرا إلى «أن البيانات الدورية مهمة، ولكنها لم تكن كافية لإشباع فضول المواطنين وحقهم في التعرف عن حقيقة مرض رئيسهم». وأضاف، أن البيانات لم تكن «ذلك السلاح الفتاك الذي يدمر الإشاعات والحملات الإعلامية المسعورة التي انتشرت كالنار في الهشيم»، والتي تغذت بالتطورات الخطيرة على حدود الجزائر منذ خرق المغرب لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع مع جبهة البوليساريو في 13 نوفمبر الماضي.
لماذا تويتر؟
وبعد قرابة شهرين من «الغياب»، بث رئيس الجمهورية، ودون سابق إنذار، 3 فيديوهات قصيرة زائد تغريدة على صفحته الرسمية بـ «تويتر»، الأحد الماضي، أعلن فيها عن تقدمه في طريق استعادة لياقته البدنية كاملة، وعودة قريبة إلى البلاد «لاستكمال بناء الجزائر الجديدة» وفق خارطة الطريق المسطرة.
وعن سبب اختيار المنصة الرقمية العالمية، يرى الباحث رياض الصيداوي، ورئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية بجنيف، أن «الرئيس عبد المجيد تبون، انضم إلى جيل جديد من رؤساء العالم الذين يخاطبون شعوبهم وخاصة الشباب عبر تويتر».
وقال الصيداوي لـ «الشعب ويكاند»، إن: «هناك موجة جديدة، وهي أن الرؤساء والزعماء يتوجهون إلى شعوبهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وانضم الرئيس تبون إلى هؤلاء لأنها وسيلة سريعة وشخصية».
وتابع: «في تويتر مثلا، الأمر يتعلق بالحساب الشخصي للرئيس، ما يخلق جوا من العلاقة المباشرة والشخصية والحميمية بينه وبين متابعيه عبر العالم، من خلال خاصية التفاعلية (التعليق، والإعجاب وإعادة النشر أو التغريد)».
وأضاف، بأن تويتر هو الوجهة المفضلة لزعماء العالم، لأنه «الأكثر رقيا» من بين بقية مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، وأوضح أن رسالة الرئيس تبون عبر هذه المنصبة، لم تكن موجهة إلى الرأي العام الجزائري فقط، لأن «تويتر موقع عالمي، وليس جهويا أو إقليميا، ويوفر خاصة الترجمة من وإلى كل لغات العالم».
وأحصى فيديو الرئيس تبون قرابة 400 ألف مشاهدة، وأزيد من 4 آلاف إعادة تغريد، و27 ألف إعجاب وقرابة 9 آلاف تعليق.
ويسجل حساب رئيس الجمهورية في تويتر، الذي أنشئ في نوفمبر 2019، أزيد من نصف مليون متابع (535,4 ألف)، ونشر أكثر من 72 تغريدة، إلى غاية أمس، آخرها ترحمه على شهداء المروحية العسكرية قرب شاطئ بوهارون بولاية تيبازة.
الفعالية والنجاعة… و»الدبلوماسية الرقمية»
وبالنسبة لأستاذ الإعلام بجامعة الجزائر، رضوان بوهيدل، فإن الرئيس تبون، نجح فيما بات يسمى «الدبلوماسية الرقمية»، حيث أسكت ظهوره «صوتا وصورة»، كل المشككين ومحترفي الإشاعة والتضليل.
وأضاف، بأن هذا الظهور أعطى المصداقية الكاملة «لكل البيانات التي كانت تنشر في السابق»، ما يعني أنه وضع أول خطوة على طريق استعادة الثقة في الاتصال المؤسساتي الرسمي من قبل المواطنين.
فعالية الرسالة الاتصالية، التي قدمها الرئيس عبر تويتر، بحسب رياض الصيداوي، نجمت عن تحكمه (الرئيس) في الميزات والخصائص التي توفرها هذه المنصة الرقمية، فمعروف أنها «تحدد حجم التغريدة الواحدة بـ280 حرفا، وتفرض دقيقتين و20 ثانية كحد أقصى للفيديو الواحد».
وبثت كلمة رئيس الجمهورية، عبر ثلاثة مقاطع فيديو، الأول بمدة دقيقتين و20 ثانية، والثاني دقيقة و43 ثانية والثالث دقيقة و02 ثانيتين، ما مجموعه 5 دقائق و5 ثواني.
هذه الميزات تجعل من مستخدمي الموقع، حريصين على الاختصار وانتقاء أفضل الكلمات وأكثرها دلالة لتحقيق أكبر حد ممكن من أهداف العملية الاتصالية، وهو ما «نجح فيه الرئيس تبون»، بحسب الصيداوي «فلم يتلكأ أو يتلعثم، وكان شديد الوضوح بلغة سليمة بين الفصحى والدارجة الجزائرية وسليما من حيث النطق»، يضيف المتحدث.
تعطيل الآلة الدعائية
وتزامنت خرجة الرئيس عبد المجيد تبون، مع مناسبة السنة الأولى على انتخابه، ومع تنامي إشاعات وسيناريوهات خيالية بشأن وضعه الصحي، ما دفع ببعض الجهات إلى استحضار المرحلة الانتقالية مجددا.
وفي السياق، أكد الصيداوي أن الرئيس الجزائري، أحبط حرب إشاعات، انخرطت فيها صحف عالمية كبرى، على غرار «لوموند» الفرنسية، «التي نشرت في الصبيحة مقالا عن شغور منصب رئيس الجمهورية في الجزائر، لينسف تبون كل شيء بعد الظهيرة».




