يتفق خبراء في الاقتصاد على ضرورة أن يتغير التوجه العام في الجزائر بخصوص المؤسسات الوطنية العمومية الاقتصادية، خاصة من حيث استمرارها في استنزاف الخزينة العمومية، والتسبب في اهدار المال العام، على حدّ قولهم.
يعتقد المختصّون أنه قد حان الوقت لإعادة تغيير «العقيدة» المنتهجة، من أجل تجنّب تكرار سيناريو مؤسسة «أنيام» لصناعة المواد الكهرومنزلية، التي أعلنت عجزها مؤخرا، من أجل إنقاذها من الإفلاس الذي يلاحقها.
كما يجزم الخبراء أن التوجه الجديد يحتم اخضاع تلك المؤسسات لتقييم الخبرة من أجل وضعها على السكة الصحيحة وإخراجها من دائرة «الاتّكال»، في وقت أصبحت الدولة «عون اقتصادي» لابد له أيضا من تحقيق أرباح.
سليمان ناصر: يجب عرض المؤسسات العمومية على الخبرة الاقتصادية
رجّح خبراء في تصريحات متطابقة لـ»الشعب»، عدة سيناريوهات لمآلات المؤسسات العمومية الإقتصادية، حيث من غير المعقول استمرارها على النهج الحالي.
في هذا الإطار، شرح دكتور الاقتصاد بجامعة ورقلة سليمان ناصر، ضرورة أن تمرّ المؤسسات الاقتصادية العمومية، بمرحلة التقييم وعرضها للخبرة الإقتصادية، للوقوف على كل كبيرة وصغيرة تتعلق بها، بداية من طريقة تسييرها وصولا الى مردوديتها وتكلفتها.
وأوضح أنه وفي حالة ما إذا أثبت تقرير الخبرة أنها تستحق إعانة مالية عن طريق قروض بنكية، لإعادة الروح إليها مجددا، فلا بأس بالأمر، وتعتبر فرصة امتحان لها للنهوض وتحسين مردودها، وإلا فإن مصيرها هوفتح رأسمالها».
وبحسب المحلل الاقتصادي، فإن المرحلة الثانية لن تتحقق، إلا إذا أثبت تقرير الخبرة أنه لا فائدة من استمرارها على النحو التي تُسيّر به، وهذا بعد استنفاذ جميع الطرق، وهنا ــ يقول الخبير ــ يجب أن ننتقل الى المرحلة الثانية، بالذهاب نحو الخوصصة الإيجابية، حيث لا يجب أن تباع المؤسسات العمومية بالدينار الرمزي، كما حدث في سنوات التسعينيات، بل يجب أن يتم مراعاة الشروط في طريقة خوصصتها حتى تتخلص الدولة من عبئها.
عبد الرحمان عيّة: 3 حلول لمواجهة إفلاس المؤسسات العمومية
من جهة أخرى، يستبعد الخبير الاقتصادي عبد الرحمان عيّة، الذهاب نحو خوصصة المؤسسات العمومية الاقتصادية، مشيرا الى وجود 3 حلول لإعادة وضعها على السكة الصّحيحة، مشددا على أنّ دعم الدولة لتلك المؤسسات قد ولّى، وهذا تماشيا مع المستجدات الاقتصادية العالمية.
وأضاف الخبير في اتصال هاتفي مع «الشعب «أن عقيدة الدولة في تسيير المؤسسات العمومية الإقتصادية يجب أن تتغير لعدة أسباب، أوّلها استمرارها في استنزاف الخزينة العمومية، وتتسببها في اهدار المال العام، في وقت تعاني الجزائر وبقية دول العالم من «صدمة» اقتصادية عالمية جراء الأزمة المزدوجة الصحية والنفطية.
وأشار إلى أن «هذه المؤسسات تعود الى سنوات السبعينيات، حيث كان الهدف منها في تلك الحقبة اجتماعي بحت، وهو الحفاظ على مناصب العمل، وأن تكون أسعار منتجاتها في متناول جميع الجزائريين، غير أنه وفي سنوات التسعينات، غداة التصحيح الهيكلي للمؤسسات الاقتصادية المنتجة، دخلت في دوامة مشاكل وتسببت في هدر المال العام.
وبحسب ــ عيّة ــ فإن هناك ثلاثة حلول لتسيير تلك المؤسسات وإنقاذها من الإفلاس، أولها اعادة تقييمها، من خلال تنازلها عن جزء من أصولها الثابتة، مثلا لو أن إحدى المؤسسات العمومية تقوم ببيع مقرها لإحدى المؤسسات العمومية، مثل الشركة النفطية «سوناطراك»، وتبحث عن الاستثمار في مكان آخر وبمقر جديد، وهذا مايسمى بإعادة «رسملة» نشاطها من جديد.
ثاني حل ــ في اعتقاد الخبير الاقتصادي ــ أن يتم فتح رأسمال المؤسسات العمومية «المفلسة» عن طريق البورصة الجزائرية، ودخول مساهمين عموميين على الخط كالبنوك مثلا.
أما الحل الثالث في نظر عبد الرحمان عية، فيتمثل في «منح تسييرها للمؤسسة العسكرية، لأن المؤسسة العسكرية ــ المنتجة أيضا ــ من خلال مصانع المركبات والعربات، حيث لم يحدث أي إشكال في منتوجاتها، وهذا بحثا عن الصرامة في التسيير» .
في المقابل يؤكد الخبير الاقتصادي أن المؤسسات العمومية في الجزائر يجب أن تخضع لتقلبات السوق ويجب أن تحقق مردودية، في وقت تعيش فيه الجزائر أزمة اقتصادية تسببت في عجز في الميزانية، بفعل تراجع العوائد البترولية مع انخفاض سعر برميل النفط في السوق، حيث يتوقع العديد من المهتمين أن تذهب الحكومة لتغطية ذلك العجز لطبع المزيد من النقود، بدل التوجه نحو الاستدانة الخارجية، حيث تغتنم المؤسسات المالية الدولية، صندوق النقد الدولي الفرصة لإملاء شروط قاسية على الجزائر.



