عمل عبد المجيد تبون، منذ تسلمه الرسمي لمهامه، رئيسا للجمهورية، في 19 ديسمبر 2019، على إعادة «السيادة إلى الشعب»، وتقوية الوحدة الوطنية وإنهاء الفوارق الاجتماعية، من خلال قرارات فورية أو عبر مسار تنفيذ برنامجه الانتخابي والتزاماته 54.
من منبر قصر الأمم بنادي الصنوبر بالعاصمة، وبعد أدائه اليمين الدستورية، أمام كبار مسؤولي وإطارات الدولة، وضع رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الخطوط العريضة لبرنامجه الرئاسي، ورسم قواعد إعادة بناء الجمهورية الجديدة عبر تكريس التغيير الذي نادى به الشعب الجزائري في مسيرات سلمية.
وفي خطاب التنصيب، توجه الرئيس تبون للجزائريين قائلا: «يا أبناء وأحفاد الشهداء والمجاهدين.. والوطنيين الأحرار.. يسعدني أن أخاطبكم اليوم بصفتي رئيسا للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية».
قبل هذا التاريخ بأسابيع قليلة، رأى تبون بصفته مرشحا للانتخابات الرئاسية، أن أقسى ما تعرض له الشعب الجزائري، في العقدين الماضيين، هو الإمعان في التهميش والإهانة، وقال: «إن الجزائريين أحسوا بأن كرامتهم قد مست أمام العالم».
ومن أجل استكمال ما بدأه حراك 22 فيفري، حرص الرئيس تبون على تكريس سيادة الشعب، ومحو كل ما علق في ذهن المجتمع من صور نمطية رديئة عن الممارسة السياسية، واستهل ذلك بنزع كلمة «فخامة» وأمر بالاكتفاء بـ «السيد» عند مخاطبته كرئيس للجمهورية.
التوجه نحو إشراك الشعب الجزائري، في تسيير الشأن العام، تجلى بشكل واضح في المقتطف الشهير من خطاب التنصيب، الذي قال فيه: «وإنني أدعوكم جميعا لكي تكونوا سندا لي، ساعدوني وشجعوني إذا أصبت، وقوموني وصوّبوني إذا جانبت الصواب».
وعلق متابعون، بأنه أول رئيس للجمهورية الجزائرية، يطلب عون مواطنيه عندما يصيب أو يجانب الصواب، بعدما ارتبط كرسي الرئاسة بالصلاحيات الهائلة والسلطات القوية المخولة له.
وفي السياق، وعكس ما يلجأ إليه عادة معظم الرؤساء بتكييف الدساتير على مقاسهم لتوسيع سلطتهم، أعلن الرئيس تبون، منذ اليوم الأول، عن تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، وإعداد دستور يجدد العهدة الرئاسة مرة واحد فقط.
وقبل الشروع في مسار تعديل الدستور، وقع الرئيس تبون مرسوما رئاسيا صدر في الجريدة الرسمية، مطلع فيفري، تنازل بموجبه عن صلاحيات تعيين وإنهاء مهام في بعض المناصب والوظائف العليا للدولة لدى الوزارات للوزير الأول.
السيادة للشعب
وبعد تسعة أشهر من شغور منصب رئيس الجمهورية (أفريل- ديسمبر)، أشاد الرئيس تبون في خطابه بالشعب الجزائري، لاختياره المسار الدستوري للخروج من الأزمة وانتخابه رئيسا للبلاد من بين 5 مترشحين، في انتخابات ابتعدت عنها لأول مرة شبهة التزوير، باعتراف منافسيه.
وقال تبون للجزائريين: «أنتم الذين صنعتم التاريخ من جديد، بإقبالكم الملحوظ على صناعة مستقبل الجزائر بقراركم السيد يوم 12 ديسمبر 2019، لقد صنعتم نجاحا باهرا بتلبيتكم نداء الواجب الوطني المقدس، وأعدتم الجزائر إلى سكة الشرعية الدستورية والشرعية الشعبية، التي لم يطعن فيها أحد».
وانسجاما وأساسيات الديمقراطية قرر تبون، تمرير مشروع تعديل الدستور عبر الاستفتاء الشعبي، الذي نظم في الفاتح نوفمبر الماضي، ولم يكتف بغرفتي البرلمان، مثلما كان يحصل من قبل. واعتبر رئيس المجلس الدستوري كمال فنيش في حواره (نشر 28 أكتوبر) لـ «الشعب»، أن رئيس الجمهورية وباختيار طريق الاستفتاء «أعاد السلطة التأسيسية للشعب».
توحيد الصف
ولأنه رئيس لكل الجزائريين، عمل تبون على توحيد صف الجزائريين لإنجاز وإنجاح مشروع ضخم يتمثل في «بناء جمهورية جديدة». مشروع كان من الصعب الخوض فيه مباشرة بعد أشهر من الاستقطاب والتجاذبات الفكرية ومحاولات التدخلات الأجنبية التي ميزت النصف الثاني من سنة 2019.
وقال تبون: «يتعين علينا اليوم جميعا، أن نطوي صفحة الخلافات، والتشتت والتفرقة، فهي والله من عوامل الهدم والتدمير، وقد أمرنا الله عز وجل بنبذ الخلافات والتنازع حتى لا نفشل وتذهب ريحنا».
وأكد أن بيان أول نوفمبر، هو النواة الصلبة للوحدة الوطنية قائلا: «إننا اليوم ملزمون جميعا، أينما كنا وأينما وجدنا، ومهما تباينت مشاربنا الثقافية والسياسية، ملزمون، ولا خيار لنا، إلا أن نضع اليد في اليد، والكتف للكتف، من أجل تحقيق حلم الآباء والأجداد وحلم شبابنا في الحاضر وأجيال الجزائر في المستقبل، من أجل بناء جمهورية جديدة، قوية مهيبة الجانب، مستقرة ومزدهرة، مسترشدين ببيان ثورة نوفمبر المجيدة، الذي كلما انحرفنا عنه، إلا وأصابتنا عوامل التفرقة والتشتت والضعف والهوان».
ومنذ جانفي، التقى الرئيس تبون، عديد الشخصيات الوطنية والسياسية، بدءاً بأحمد طالب الإبراهيمي، مولود حمروش، أحمد بن بيتور، عبد العزيز رحابي، سفيان جيلالي وعبد العزيز بلخادم.
ولأول مرة منذ مغادرته الحكم سنة 1999، عاد الرئيس الأسبق، اليمين زروال إلى مقر رئاسة الجمهورية، بدعوة من الرئيس تبون، وصرح قائلا: «من الطبيعي أن أقوم بهذه الزيارة لسيادة الرئيس لأنني لمست منه منذ حملته الانتخابية حتى اليوم الإرادة القوية والصلبة لبناء الدولة الجزائرية الجديدة».
وأكد زروال: «هذه الدولة التي كانت حلما لشهدائنا الأبرار ونادى بها الملايين من الجزائريين والجزائريات في ثورتهم السلمية والفريدة من نوعها». وأضاف، «أنا اليوم كمواطن أعتز كل يوم أكثر فأكثر بانتمائي لهذا الشعب العظيم».
وأثبتت الأحداث الخطيرة التي حصلت منذ أكتوبر الماضي، وصولا إلى تطبيع المغرب والكيان الصهيوني للعلاقات بعد صفقة مخزية، ومحاولات نقل الفوضى إلى الداخل الجزائري، أهمية توحيد الجبهة الداخلية.
الفوارق الاجتماعية
ولم يكن منطقيا الحديث عن سيادة الشعب، مع استمرار نفس الممارسات التي تثير إحساس التهميش وانعدام المساواة، لذلك أعطى الرئيس تبون أهمية قصوى للطبقة الهشة والمتوسطة وقال في أحد حواراته «إنها شغلي الشاغل».
وبعد أن أطلق مشاريع ضخمة لفك العزلة عن «مناطق الظل»، كشفت التحقيقات أن 8 ملايين نسمة يقطنون هذه المناطق، أية قرابة 20 بالمائة من إجمالي السكان، وجرى تخصيص 50 مليار دج ميزانية 2021 لإنجاز كافة المشاريع المسجلة، والمتبقية من السنة الحالية.
على صعيد الفوارق الاجتماعية، أمر رئيس الجمهورية، فور رفع الحجر الصحي عن الشواطئ، بفتح شاطئ إقامة الدولة بنادي الصنوبر، غرب العاصمة، أمام عموم الجزائريين، بعدما كان دخوله يقتصر على حاملي بطاقة دخول خاصة، منذ التسعينيات من القرن الماضي.
ومن أجل تجسيد المساواة أمام القانون، صادق البرلمان، نهاية سبتمبر، على أمرية رئاسية خاصة بتعديل قانون الإجراءات الجزائية، نصت على إلغاء الامتياز القضائي في متابعة كبار مسؤولي الدولة، ليصبح تقديمهم أمام المحاكم العادية بدل المحكمة العليا.
وتم إيداع الوزيرتين السابقتين، هدى إيمان فرعون وجميلة تمازيرت، الحبس المؤقت، قبل أيام بقرار من مجلس قضاء الجزائر، وليس من المحكمة العليا كما كان عليه الحال مع بقية الوزراء والمسؤولين قبل تعديل القانون.
ومضى رئيس الجمهورية، في محاربة الفساد، حيث استمرت محاكمات جميع المتورطين وستبرمج أخرى، حيث قال في خطاب تنصيبه: «وسوف تنت



