قدّم تشخيصا تنبّئيا للنظام الاقتصادي الجزائري
استقطبهم وعيه الإنساني وتمكنه من أدوات علم الاجتماع الذي شرّح به مختلف التحولات التي عرفها المجتمع الجزائري، وفهم الذات الإنسانية في مختلف سياقاتها الحضارية المختلفة والذهاب إلى أبعد من ذلك بالتركيز على التصنيع وجعله محور التحديث، بحيث كان من الأوائل الذين تخصّصوا في علم الاجتماع الصناعي ووضع أسسه، هو مسار ونضال الباحث والأستاذ في علم الاجتماع علي الكنز الذي توقف عنده مجموعة من الأساتذة والمختصّين وأصدقاء دربه من داخل الجزائر وخارجه في ندوة علمية في إطار فضاء « مسارات وإضاءات» بكلية الإعلام.
تطرّق أحمد بن نعوم الأستاذ في الأنثروبولوجيا أو «الإناسة» باعتباره صديق الأستاذ الراحل علي الكنز إلى مسار الرجل منذ بداياته وكيفية تركيزه على تحوّلات مجتمعه منذ استقلال الجزائر وتسلّحه بالأدوات المعرفية والتفكير مقدّما مجموع المدارس التي تأثر بها الصينية والسوفياتية والعربية والمكوّنة لعصارة فلسفته ورؤيته للأمور ومحاولة الاستفادة من الحداثة التي تبنّتها الرؤية الغربية، والذي اصطدم بأحادية الرأي الذي كان سائدا في السبعينات ما جعله يصدر كتاب «الاقتصاد الجزائري» في الخارج باسم مستعار الطاهر بن حورية، وبعد رحيل بومدين استفز الكنز النمط الاقتصادي الجديد في عهد الشاذلي بن جديد بصورة غير مدروسة وغير محضر لها جيّدا ما جعله يصدر كتابا «حول الأزمة» مقدّما فيه مجموعة من البحوث والدراسات التي كان قد نشرها من قبل عبر منابر أخرى.
وأشار بن نعوم إلى أنّ الكنز بالرغم من أنه مفرنس إلا أنه استطاع تجاوز عائق اللغة وذلك بعد سفره إلى مصر وبقائه فيها سنتين، ليركز بعد ذلك على الجوهر المعرفي واللحظة الوطنية ويتواصل العطاء رغم رحيله عن الجزائر بسبب الظرف الأمني آنذاك إلى تونس ومن ثم فرنسا ويبدأ غزارة الإنتاج.
من جهته، تحدّث البروفيسور عمر أحرشان بجامعة مراكش عن طريق التحاضر عن بعد إلى محاولة الكنز تأسيس علم اجتماع عربي انطلاقا من المغرب العربي، مؤكدا أهمية توفير المناخ المناسب للنخبة حتى تتحقق غزارة الإنتاج والعطاء، مشيرا إلى أنّ الجائحة أثبتت أهمية الاستثمار في البحث العلمي، فقد جعلت العرب يرون بأعينهم تألق نخبهم في الخارج، داعيا أحرشان الحكومات العربية للتصالح مع نخبها من علماء ومثقفين وإبعادهم عن الصراعات الإيديولوجية والسياسية.
وأشار أحرشان إلى أن الكنز كان من المهتمين بالقضايا العادلة منسجما مع ذاته متصالحا مع نفسه بعيدا عن النفاق السياسي ظاهره يعكس باطنه سعى إلى تأسيس الجمعية العربية لعلم الاجتماع، رجل دقيق في التعامل مع المصطلحات لما لها من أهمية في تحديد المفاهيم بعيدا عن التوجهات المغرضة، فهو أول من وضع الإسلاموفوبيا في مكانها المناسبة وأنها عبارة عن عنصرية وتميّز ضدّ الإسلام رغم أنه الدين الوحيد الذي يحترم القوانين الفرنسية.
أما أستاذ علم الاجتماع العياشي عنصر بجامعة الشارقة فتطرّق في مداخلته التي حملت عنوان «من المحلية إلى العالمية» عن طريق التحاضر عن بعد إلى فكره الذي عكس هذه الجدلية التي جمعت بين علم السياسة، الفلسفة، الفنّ، التأمل الفكر النظري والعمل الميداني وتبني الحوار البناء والرزين، كل هذه الأمور ساهمت في تكوين الرجل وجعلته متحكما في أدوات علم الاجتماع.
بدوره الصحفي والمترجم سعيد جعفر أكد أنّ الكنز كان رافضا لطغيان الإيديولوجية على المنظومة العلمية منفتحا على الثقافة العربية يملك مفاتيح فهم الفكر وقادرا على تقديم تشخيص تنبّئي لمختلف الانسدادات والصراعات للنظام الاقتصادي الجزائري وتأثيرها على المشروع التنموي.
لتختتم الندوة بتدخل لحرم الراحل علي الكنز السيدة الفلسطينية سوزان عبر الفيديو المسجل لتؤكد هي الأخرى على إنسانية زوجها وتواضعه وبساطته وارتباطه ببلاده حتى وهو خارج بلده الذي غادره مضطرا أثناء العشرية السوداء، لاسيّما بعد اغتيال الجيلالي اليابس وعبد القادر علولة وعز الدين مجوبي والشاب حسني وبختي بن عودة وأبو بكر بلقايد، ورغم ذلك لم يكن منغلقا على هويته أو محدود الاهتمامات والآفاق.



